يُثقلنا التكلف.. وتنقذنا البساطة – د. طارق بن محمد  بن حزام

ليست الحياة في حقيقتها معقدة، ولكننا نحن الذين نحيطها بالتفاصيل، ونثقلها بالمظاهر، ونحمِّلها من التكلّف ما لم تكن بحاجة إليه.

تبدأ الأشياء صغيرة، ثم تتحول إلى عادات، والعادات إلى مطالب، والمطالب إلى أعباء؛ حتى نجد أنفسنا نركض خلف حياة صنعنا تعقيدها بأيدينا.

تعجبني الحياة البسيطة؛ تلك التي لا يحتاج الإنسان فيها إلى أن يتصنَّع أو يبالغ حتى يشعر بقيمته أو ينال إعجاب الآخرين.

وأكره أن تتحول الحياة إلى سلسلة من المظاهر والأعباء التي تستنزف الإنسان، ثم لا تمنحه في النهاية إلا قليلًا من الراحة وكثيرًا من القلق.

لم تعد حاجات الإنسان تقف عند حدود الحاجة، بل أحاط بكل حاجة كثير من التفاصيل والمظاهر والتكاليف، حتى أصبح بعض الناس يعيشون ليحافظوا على مستوى من الحياة فرضته عليهم نظرة الآخرين، أكثر مما اختاروه لأنفسهم.

فالمظهر أصبح في أحيان كثيرة أهم من الجوهر، والمناسبة البسيطة قد تتحول إلى مشروع من الترتيبات والتكاليف، واللقاءات الاجتماعية قد تصبح مجالًا للمنافسة في اللباس والمكان والضيافة.

وحتى بعض وسائل الترفيه لم تعد متعة يعيشها الإنسان، بل صورة يريد أن يراها الآخرون.

وهنا يظهر أثر التكلّف بوضوح؛ فكلما أضفنا إلى حياتنا مطلبًا جديدًا، تبعته مطالب أخرى، حتى يصبح ما كان ترفًا بالأمس أمرًا لا نستطيع الاستغناء عنه اليوم.

خذ الزواج مثلًا؛ فقد كان في أصله مناسبة للفرح واجتماع الأهل، ثم تحول عند كثير من الناس إلى مشروع طويل من الترتيبات والتكاليف: خطوبة، وتجهيز، وملابس، وحفلات، وولائم، وتصوير، ومظاهر تتزايد يومًا بعد يوم.

وقد تنشغل الأسرة بهذه التفاصيل أسابيع أو أشهرًا، حتى يأتي يوم الزواج وقد أُنهكت الأعصاب، واستُنزفت الأموال، وربما ضاعت الفرحة وسط كثرة ما أحاط بها من تكلف.

ولو كان هذا التعقيد يزيد السعادة لهان الأمر، لكنه كثيرًا ما يفعل العكس؛ فيحوّل المتعة إلى عبء، والنعمة إلى مسؤولية، والحياة إلى سباق لا ينتهي.

وكم من أسرة أثقلتها المطالب؛ لأن أحد أفرادها يريد أن يعيش فوق قدرته، وكم من إنسان أرهقته الديون؛ لأنه يخشى أن يبدو أمام الناس أقل من غيره. وقد يبدأ الأمر برغبة بسيطة، ثم تتحول الرغبة إلى عادة، والعادة إلى ضرورة، حتى يصبح الإنسان يعمل من أجل المحافظة على أشياء كان يستطيع في البداية أن يعيش من دونها.

وليس الخطر في الرفاهية نفسها؛ فالإنسان من حقه أن يستمتع بما أحل الله له، وأن يعيش في بيت جميل، ويلبس لباسًا حسنًا، ويقيم مناسبات كريمة.

وإنما الخطر حين تتحول هذه النعم من وسائل للراحة إلى مقاييس للقيمة، ومن متعة شخصية إلى وسيلة لإثبات المكانة أمام الآخرين.

فالبساطة ليست فقرًا، كما أن الرفاهية ليست رقيًا بالضرورة.

يمكن للإنسان أن يكون راقيًا وهو بسيط، وكريمًا دون إسراف، وأنيقًا دون مبالغة، وأن يعيش في بيئة حضارية متقدمة دون أن يجعل حياته أسيرة للتكلف.

والبساطة ليست في المظاهر وحدها، بل في طريقة عيشنا أيضًا؛ أن نعرف ما نحتاج إليه حقًا، وما يمكن الاستغناء عنه، وأن نمنح الأشياء حجمها الحقيقي، فلا نحمّل أنفسنا فوق طاقتها، ولا نجعل أعين الناس ميزانًا لحياتنا.

إن البساطة في حقيقتها راحة للنفس قبل أن تكون طريقة للعيش.

حين تقل المطالب، يقل القلق. وحين تخف المظاهر، يخف العبء المالي. وحين يتراجع التكلف، تصبح العلاقات أكثر صدقًا. ويجد الإنسان وقتًا لأهله وأصدقائه وعبادته وتأمله، وللأشياء الجميلة التي لا تحتاج إلى مال كثير.

وقد تكون مائدة بسيطة حولها أهل متحابون، أطيب من مائدة فاخرة غاب عنها الود.

وقد تكون جلسة هادئة مع شخص صادق، أثمن من مناسبة كبيرة امتلأت بالناس وخلت من الألفة.

نحن لا نحتاج إلى أن نرفض الحضارة حتى نعيش ببساطة؛ بل نستطيع أن نأخذ من الحضارة علمها وراحتها وفائدتها، ونترك ما يزيد حياتنا تعقيدًا دون حاجة.

فالحياة الجميلة ليست التي تكثر فيها الأشياء، وإنما التي يكثر فيها المعنى.

وما أحوجنا، وسط هذا السباق، إلى أن نسأل أنفسنا:

هل نحن نعيش كما نريد، أم كما يريد الناس أن نعيش؟

لعلنا إذا تعلمنا أن نكتفي بما يكفينا، وأن نميز بين الحاجة والمظهر، وبين الكرم والتكلف، وبين الرقي والاستعراض؛ اكتشفنا أن كثيرًا مما أتعبنا أنفسنا في تحصيله لم يكن ضروريًا أصلًا.

فليست السعادة في أن نملك المزيد دائمًا، وإنما في أن نستطيع أن نعيش بطمأنينة بما نملك.

وما أجمل أن يمضي الإنسان في حياته خفيفًا من التكلف، معتدلًا في عيشه، صادقًا في علاقاته؛ يأخذ من الدنيا ما يحتاج، ويترك ما يثقله، ويمنح قلبه ووقته نصيبًا من الحياة التي لا تُقاس بكثرة الأشياء، وإنما بعمق المعنى وجمال الأثر.

ليست الحياة في حقيقتها معقدة، ولكننا نحن الذين نحيطها بالتفاصيل، ونثقلها بالمظاهر، ونحمِّلها من التكلّف ما لم تكن بحاجة إليه.

تبدأ الأشياء صغيرة، ثم تتحول إلى عادات، والعادات إلى مطالب، والمطالب إلى أعباء؛ حتى نجد أنفسنا نركض خلف حياة صنعنا تعقيدها بأيدينا.

تعجبني الحياة البسيطة؛ تلك التي لا يحتاج الإنسان فيها إلى أن يتصنَّع أو يبالغ حتى يشعر بقيمته أو ينال إعجاب الآخرين.

وأكره أن تتحول الحياة إلى سلسلة من المظاهر والأعباء التي تستنزف الإنسان، ثم لا تمنحه في النهاية إلا قليلًا من الراحة وكثيرًا من القلق.

لم تعد حاجات الإنسان تقف عند حدود الحاجة، بل أحاط بكل حاجة كثير من التفاصيل والمظاهر والتكاليف، حتى أصبح بعض الناس يعيشون ليحافظوا على مستوى من الحياة فرضته عليهم نظرة الآخرين، أكثر مما اختاروه لأنفسهم.

فالمظهر أصبح في أحيان كثيرة أهم من الجوهر، والمناسبة البسيطة قد تتحول إلى مشروع من الترتيبات والتكاليف، واللقاءات الاجتماعية قد تصبح مجالًا للمنافسة في اللباس والمكان والضيافة.

وحتى بعض وسائل الترفيه لم تعد متعة يعيشها الإنسان، بل صورة يريد أن يراها الآخرون.

وهنا يظهر أثر التكلّف بوضوح؛ فكلما أضفنا إلى حياتنا مطلبًا جديدًا، تبعته مطالب أخرى، حتى يصبح ما كان ترفًا بالأمس أمرًا لا نستطيع الاستغناء عنه اليوم.

خذ الزواج مثلًا؛ فقد كان في أصله مناسبة للفرح واجتماع الأهل، ثم تحول عند كثير من الناس إلى مشروع طويل من الترتيبات والتكاليف: خطوبة، وتجهيز، وملابس، وحفلات، وولائم، وتصوير، ومظاهر تتزايد يومًا بعد يوم.

وقد تنشغل الأسرة بهذه التفاصيل أسابيع أو أشهرًا، حتى يأتي يوم الزواج وقد أُنهكت الأعصاب، واستُنزفت الأموال، وربما ضاعت الفرحة وسط كثرة ما أحاط بها من تكلف.

ولو كان هذا التعقيد يزيد السعادة لهان الأمر، لكنه كثيرًا ما يفعل العكس؛ فيحوّل المتعة إلى عبء، والنعمة إلى مسؤولية، والحياة إلى سباق لا ينتهي.

وكم من أسرة أثقلتها المطالب؛ لأن أحد أفرادها يريد أن يعيش فوق قدرته، وكم من إنسان أرهقته الديون؛ لأنه يخشى أن يبدو أمام الناس أقل من غيره. وقد يبدأ الأمر برغبة بسيطة، ثم تتحول الرغبة إلى عادة، والعادة إلى ضرورة، حتى يصبح الإنسان يعمل من أجل المحافظة على أشياء كان يستطيع في البداية أن يعيش من دونها.