يومياتي في مانشستر – د. ناهد باشطح

«حب الوطن هو أن تحمل جوهره أينما ذهبت، وأن تتحدث عن جماله وأن تدافع عن كرامته في جميع الأوقات»

هذه الأيام يجيء المساء في مانشستر صاخباً مع صوت الرياح والمطر، ربما لأن الشتاء قد بدأ ، لكن قلبي أصبح معتاداُ هذا الصخب إذ لم يعد يهدأ ، كلما وصلني خبر عن الصواريخ التي تطلقها ميليشيات الحوثي، على مدن بريئة في بلادي ،أجدني أفتح هاتفي وأبحث عن تفاصيل أكثر، كأنّ المسافة بيني وبين السعودية يمكن أن تقصر إذا عرفت ما يحدث لحظة بلحظة.

أسأل عن أهلي، وأطمئن عليهم، ثم ينساب الحنين إلى بلادي، إلى صوت العائلة، إلى اللهجة التي أعرفها، وإلى تفاصيل صغيرة لم أكن أظن أنني سأشتاق إليها بهذا القدر.

عندها أفهم أن الغربة ليست أن نبتعد عن المكان فحسب، بل أن نكون بعيدين بأجسادنا، بينما تبقى حواسنا معلّقة في بلادنا.

حمل الوطن في قلوبنا ليس ترفاً وجدانياً، ولا هو مجرد حنين عابر لملامح الشوارع وتفاصيل الطفولة؛ بل هو وجود يتضاعف عمقه كلما ابتعدت المسافات، ويتحول إلى جمرة حارقة في كفوفنا عندما يمر ذلك الوطن بأزمة أو يواجه خطراً يهدد استقراره. في لحظات الأزمات ، ينكشف المغترب على نوع فريد من العذاب النفسي ، حيث لا تعود الغربة مجرد مسافة جغرافية تقاس بالكيلومترات، بل تصبح انقساماً في الوعي.

قد يعيش المغترب بما يسميه بعض الفلاسفة «الجسد الحاضر والروح الغائبة»، فبينما يتحرك جسده في مدن الغربة المستقرة، يعيش عقله وقلبه تحت سماء وطنه، يترقب مع كل ومضة شاشة أو رنين هاتف خبراً يطمئنه على وطنه وأهله . يتحول أمان الغربة وخدماتها في وعي المغترب إلى «وهم»، ويصبح الحدث في الوطن هو «الواقع الوحيد» الذي يستحق أن يُعاش. وربما شعر ب «عقدة الناجي» (Survivor»s Guilt)؛ ذلك الشعور الثقيل بالذنب غير المبرر لمجرد الوجود في بيئة آمنة بينما يفتقر الأهل والأحبة في الداخل إلى الأمان وإن كان الوضع مؤقتاً .

يصبح النوم الهادئ، أو السير في شارع آمن عبئاً نفسياً يُترجمه الوعي الباطني كنوع من التقصير أو التخلي.

من هنا علينا نحن الذي ابتعدنا عن الوطن الا نستسلم لهذا الشعور بالعجز ، بل علينا تحويله إلى طاقة فاعلة ومقاومة وإن كانت صامتة.

إننا لا نغادر أوطاننا لننساها، بل نغادرها لتكبر فينا وتستوطن أعماقنا، فالوطن ليس مجرد بقعة جغرافية نعيش فوقها، بل هو فكرة حية، وقيمة عليا، وهوية صلبة نحملها في حقائب أرواحنا أينما ذهبنا.

كتب محمود درويش عن الوطن والمنفى بوصفهما تجربتين متداخلتين. لست في مجال مقارنة بين ابتعاد اختياري مؤقت وتجربة اقتلاع قاسية، لكن كلمات محمود درويش وأشعاره تفتح نافذة على شعور أعرفه، بأن المسافة لا تقطع صلتنا بالوطن، بل تكشف كم هو حاضر في داخلنا.

وأتذكر رواية غسان كنفاني «عائد إلى حيفا» ، رحيله عن وطنه جعل سؤال الوطن حاضراً في كتاباته، اذ لا يبدو البيت جدرانا فقط؛ هو ذاكرة وحياة وأناس، وهو سؤال عمّا يبقى لنا من المكان حين تتغير السنوات والوجوه.

كم تختلف حكاياتهم عن حكايتي، وتختلف أسباب البعد ومساراته، لكن الوطن يظل قادرًا على الوصول إلينا عبر تفصيل صغير، صوت مألوف، اسم مدينة، رسالة من قريب، أو خبر يجعلنا نحبس أنفاسنا.

في الأزمات، يعيش من يسكن البلد تفاصيلها مباشرة، يتابع ما يجري حوله، ويشعر بآثاره في يومه، بينما يعيش البعيد عنها الأزمة عبر الأخبار والاتصالات والانتظار.

كلاهما قلق على الوطن، لكن لكلٍّ قلقه الخاص، فالمقيم في الوطن يسأل عمّا يحدث الآن، والبعيد يسأل عن الاحداث وعن وطنه وعمّن يحبّهم هناك، وهل هم بخير. قد تمنح المسافة البعيد شعوراً بالعجز، فهو يتابع ولا يستطيع أن يكون حاضراً إلى جانب أهله، وقد تجعل هذه المسافة الانتظار أثقل، لأن كل رسالة تتأخر أو خبر يلتبس يفتح باباً جديداً للقلق، أما من يعيش داخل البلد، فقد يواجه الخطر مباشرة، لكنه يمتلك تفاصيل يومية لا تصل إلى البعيد، وربما يطمئنه قربه من أهله ومجتمعه، وكلاهما يعيش قلق الأزمة.

من مانشستر، أتابع ما يجري في السعودية وأدعو الله أن يحفظها ويحمي أهلنا وكل ما فيها ومن فيها ،أرض كريمة تحتضن الجميع.

الوطن ليس مجرد مكان نسافر إليه ونعود منه؛ إنه ما يسكننا ونحن بعيدون، وهذا ما يجعل القلب يسبقنا إليه كلما اشتدّ القلق أو نادانا الحنين.

«حب الوطن هو أن تحمل جوهره أينما ذهبت، وأن تتحدث عن جماله وأن تدافع عن كرامته في جميع الأوقات»

هذه الأيام يجيء المساء في مانشستر صاخباً مع صوت الرياح والمطر، ربما لأن الشتاء قد بدأ ، لكن قلبي أصبح معتاداُ هذا الصخب إذ لم يعد يهدأ ، كلما وصلني خبر عن الصواريخ التي تطلقها ميليشيات الحوثي، على مدن بريئة في بلادي ،أجدني أفتح هاتفي وأبحث عن تفاصيل أكثر، كأنّ المسافة بيني وبين السعودية يمكن أن تقصر إذا عرفت ما يحدث لحظة بلحظة.

أسأل عن أهلي، وأطمئن عليهم، ثم ينساب الحنين إلى بلادي، إلى صوت العائلة، إلى اللهجة التي أعرفها، وإلى تفاصيل صغيرة لم أكن أظن أنني سأشتاق إليها بهذا القدر.

عندها أفهم أن الغربة ليست أن نبتعد عن المكان فحسب، بل أن نكون بعيدين بأجسادنا، بينما تبقى حواسنا معلّقة في بلادنا.

حمل الوطن في قلوبنا ليس ترفاً وجدانياً، ولا هو مجرد حنين عابر لملامح الشوارع وتفاصيل الطفولة؛ بل هو وجود يتضاعف عمقه كلما ابتعدت المسافات، ويتحول إلى جمرة حارقة في كفوفنا عندما يمر ذلك الوطن بأزمة أو يواجه خطراً يهدد استقراره. في لحظات الأزمات ، ينكشف المغترب على نوع فريد من العذاب النفسي ، حيث لا تعود الغربة مجرد مسافة جغرافية تقاس بالكيلومترات، بل تصبح انقساماً في الوعي.

قد يعيش المغترب بما يسميه بعض الفلاسفة «الجسد الحاضر والروح الغائبة»، فبينما يتحرك جسده في مدن الغربة المستقرة، يعيش عقله وقلبه تحت سماء وطنه، يترقب مع كل ومضة شاشة أو رنين هاتف خبراً يطمئنه على وطنه وأهله . يتحول أمان الغربة وخدماتها في وعي المغترب إلى «وهم»، ويصبح الحدث في الوطن هو «الواقع الوحيد» الذي يستحق أن يُعاش. وربما شعر ب «عقدة الناجي» (Survivor»s Guilt)؛ ذلك الشعور الثقيل بالذنب غير المبرر لمجرد الوجود في بيئة آمنة بينما يفتقر الأهل والأحبة في الداخل إلى الأمان وإن كان الوضع مؤقتاً .

يصبح النوم الهادئ، أو السير في شارع آمن عبئاً نفسياً يُترجمه الوعي الباطني كنوع من التقصير أو التخلي.

من هنا علينا نحن الذي ابتعدنا عن الوطن الا نستسلم لهذا الشعور بالعجز ، بل علينا تحويله إلى طاقة فاعلة ومقاومة وإن كانت صامتة.

إننا لا نغادر أوطاننا لننساها، بل نغادرها لتكبر فينا وتستوطن أعماقنا، فالوطن ليس مجرد بقعة جغرافية نعيش فوقها، بل هو فكرة حية، وقيمة عليا، وهوية صلبة نحملها في حقائب أرواحنا أينما ذهبنا.

كتب محمود درويش عن الوطن والمنفى بوصفهما تجربتين متداخلتين. لست في مجال مقارنة بين ابتعاد اختياري مؤقت وتجربة اقتلاع قاسية، لكن كلمات محمود درويش وأشعاره تفتح نافذة على شعور أعرفه، بأن المسافة لا تقطع صلتنا بالوطن، بل تكشف كم هو حاضر في داخلنا.

وأتذكر رواية غسان كنفاني «عائد إلى حيفا» ، رحيله عن وطنه جعل سؤال الوطن حاضراً في كتاباته، اذ لا يبدو البيت جدرانا فقط؛ هو ذاكرة وحياة وأناس، وهو سؤال عمّا يبقى لنا من المكان حين تتغير السنوات والوجوه.