أُمِّي… حين تعب العكاز وبقي الشوق إلى الصلاة – منصور بن صالح العُمري

لم أكن أعلم أن للعكاز عمراً يتعب فيه من مرافقة صاحبه، حتى رأيت عكاز أمي وقد طال مقامه في يدها، ثم رأيت يدها التي كانت تتكئ عليه ترتجف، كأنما اعتذر كل واحد منهما للآخر عن عجزه عن مواصلة الطريق!

يا الله... تلك اليد التي حملتنا صغاراً، ومسحت دموعنا، وربتت على أكتافنا، وأطعمتنا قبل أن تأكل، باتت لا تقوى على حمل عكاز! وتلكما القدمان اللتان قطعتا من أجلنا دروب التعب أصبحتا تستعينان بمن يسندها من جانبيها، ويعضد ظهرها، حتى تقطع خطوات كانت بالأمس لا تحسب لها حساباً.

أمي التي كانت تؤثرنا بما تشتهي، فلا تمد يدها إلى طعام تحبه خشية أن يكون في خاطر أحدنا رغبة فيه، أصبحت تعاف الطعام، بل تعاف رؤيته ورائحته، وحتى الحديث عنه! كأن الجسد قد تعب من مطالب الحياة، ولم يبق في القلب إلا مطلب واحد لا يشيخ ولا يذبل... أن تقوم بين يدي الله كما كانت تقوم! وأن نجتمع حولها لا تفقد منا أحدا.

ما أشد وجع القلب حين يرى جسداً أضعفه المرض، وروحاً ما زالت تتطلع إلى سجادتها، وتعتذر بحسرة عن عجزها عن السجود عليها ومناجاة ربها كما اعتادت!

تريد أن تصلي واقفة، فلا تسعفها قدماها، فتشتهي أن تصلي جالسة، فلا يطاوعها جسدها. تعلم أن ربها أرحم بها من نفسها، وأنه سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها، وأن أجرها لا يضيع بعجزها، ولكنها تبكي!

تبكي لا اعتراضاً على قضاء الله، بل شوقاً إلى عبادة ألفتها، وإلى وقوف بين يدي ربها طالما وجدت فيه أنسها وسكينتها.

يا رب، إن كانت قد عجزت عن القيام بين يديك، فإن قلبها لم يعجز عن الشوق إليك، وإن انحنى ظهرها من الضعف، فما انحنى رجاؤها إلا لك.

حتى النوم يا أمي أصبح ضيفاً عجولاً، يطرق جفنيك لحظات ثم يرحل، فلا يترك وراءه راحة، ولا يمنح جسدك المنهك ما يستعين به على وجعه.

وها أنت اليوم في العناية المركزة، تحيط بك أجهزة الطب، وتتردد حول سريرك خطوات الأطباء، أما نحن فأصوات قلوبنا لا يسمعها إلا الله.

ننظر إليك فلا نرى مريضة على سرير، بل نرى أعمارنا كلها مستلقية أمامنا؛ نرى طفولتنا في كفيك، وأماننا في عينيك، وبيوتنا في دعواتك، ونرى امرأة أفنت من قوتها لتمنحنا القوة، ومن راحتها لتمنحنا الراحة، حتى إذا احتاجت إلى بعض ما بذلت، تمنينا لو استطعنا أن نقتسم عنها الألم، وأن نبذل لها العافية بما بقي من أعمارنا.

كم من ليلة سهرت لتطمئني علينا، وكم من خوف أخفيته عن أعيننا حتى لا نخاف! وها نحن اليوم نرقب غفواتك القصيرة، ونتمنى أن يطول نومك هنيئاً، وأن يسبقك إليه الأمان قبل أن يوقظك الألم.

وكم مرة رفعت يديك تدعين لنا دون أن نعلم؟ وها نحن اليوم نرفع أيدينا إلى الله، نسأله أن يكتب لك من رحمته شفاءً، ومن لطفه فرجاً، ومن فضله عافيةً تعيد إلى قلبك الطمأنينة وإلى جسدك الراحة.

تعلم كم آثرتنا على نفسها، وكم أخفت من أوجاعها حتى لا توجع قلوبنا.

اللهم إن الأطباء قد بذلوا أسبابهم، وإننا لا نملك إلا الدعاء، وأنت رب الأسباب ومسببها، وبيدك الشفاء، لا شفاء إلا شفاؤك.

اللهم أعد إلى يديها سكينتها، وإلى قدميها قوتهما، وإلى صدرها راحته، وإلى عينيها لذة النوم، وإلى نفسها شهية الطعام، وإلى جسدها عافيةً تُنسيه ما لقي من عناء.

اللهم إن عكازها قد عجز عن إسنادها، ونحن أعجز من أن ندفع عنها ضرّاً لم تأذن بزواله، ولكننا نسألك يا قوي يا متين، يا رحمن يا رحيم، أن تتولى ضعفها بلطفك، وأن تجبر كسرها برحمتك، وأن تكسو جسدها المنهك لباس الصحة والعافية.

لست أطلب منك أن تشاركني حزني، ولكن أسألك أن تشاركني رجائي؛ فلعل بينك وبين الله دعوةً مستجابة، ولعل كفاً ترفعها لأمي في جوف الليل تكون سبباً في فرجها.

ادعُ لأمي... فإنها لم تعد تقوى على حمل عكازها، ولكنها ما زالت تحمل في قلبها شوقاً إلى الوقوف بين يدي ربها.

اللهم لا تجعل آخر عهدها بمحرابها نظرة شوق، بل أكرمها بعافية تعود بها إلى صلاتها، وتخر لك ساجدةً شاكرة.

اللهم اشفِ أمي، وأمهات المسلمين، شفاءً تاماً عاجلاً، واجعل لنا في عافيتها سجدة شكر تبللها دموع الفرح، كما بللت دموع الحزن وجوهنا اليوم.

هذه كلمات دامغة من ابنها الذي لا يملك لها إلا قلباً يحبها، ولساناً يدعو لها، وقبل ذلك لنا رب يملكنا نرجو رحمته.

لم أكن أعلم أن للعكاز عمراً يتعب فيه من مرافقة صاحبه، حتى رأيت عكاز أمي وقد طال مقامه في يدها، ثم رأيت يدها التي كانت تتكئ عليه ترتجف، كأنما اعتذر كل واحد منهما للآخر عن عجزه عن مواصلة الطريق!

يا الله... تلك اليد التي حملتنا صغاراً، ومسحت دموعنا، وربتت على أكتافنا، وأطعمتنا قبل أن تأكل، باتت لا تقوى على حمل عكاز! وتلكما القدمان اللتان قطعتا من أجلنا دروب التعب أصبحتا تستعينان بمن يسندها من جانبيها، ويعضد ظهرها، حتى تقطع خطوات كانت بالأمس لا تحسب لها حساباً.

أمي التي كانت تؤثرنا بما تشتهي، فلا تمد يدها إلى طعام تحبه خشية أن يكون في خاطر أحدنا رغبة فيه، أصبحت تعاف الطعام، بل تعاف رؤيته ورائحته، وحتى الحديث عنه! كأن الجسد قد تعب من مطالب الحياة، ولم يبق في القلب إلا مطلب واحد لا يشيخ ولا يذبل... أن تقوم بين يدي الله كما كانت تقوم! وأن نجتمع حولها لا تفقد منا أحدا.

ما أشد وجع القلب حين يرى جسداً أضعفه المرض، وروحاً ما زالت تتطلع إلى سجادتها، وتعتذر بحسرة عن عجزها عن السجود عليها ومناجاة ربها كما اعتادت!

تريد أن تصلي واقفة، فلا تسعفها قدماها، فتشتهي أن تصلي جالسة، فلا يطاوعها جسدها. تعلم أن ربها أرحم بها من نفسها، وأنه سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها، وأن أجرها لا يضيع بعجزها، ولكنها تبكي!

تبكي لا اعتراضاً على قضاء الله، بل شوقاً إلى عبادة ألفتها، وإلى وقوف بين يدي ربها طالما وجدت فيه أنسها وسكينتها.

يا رب، إن كانت قد عجزت عن القيام بين يديك، فإن قلبها لم يعجز عن الشوق إليك، وإن انحنى ظهرها من الضعف، فما انحنى رجاؤها إلا لك.

حتى النوم يا أمي أصبح ضيفاً عجولاً، يطرق جفنيك لحظات ثم يرحل، فلا يترك وراءه راحة، ولا يمنح جسدك المنهك ما يستعين به على وجعه.

وها أنت اليوم في العناية المركزة، تحيط بك أجهزة الطب، وتتردد حول سريرك خطوات الأطباء، أما نحن فأصوات قلوبنا لا يسمعها إلا الله.

ننظر إليك فلا نرى مريضة على سرير، بل نرى أعمارنا كلها مستلقية أمامنا؛ نرى طفولتنا في كفيك، وأماننا في عينيك، وبيوتنا في دعواتك، ونرى امرأة أفنت من قوتها لتمنحنا القوة، ومن راحتها لتمنحنا الراحة، حتى إذا احتاجت إلى بعض ما بذلت، تمنينا لو استطعنا أن نقتسم عنها الألم، وأن نبذل لها العافية بما بقي من أعمارنا.

كم من ليلة سهرت لتطمئني علينا، وكم من خوف أخفيته عن أعيننا حتى لا نخاف! وها نحن اليوم نرقب غفواتك القصيرة، ونتمنى أن يطول نومك هنيئاً، وأن يسبقك إليه الأمان قبل أن يوقظك الألم.

وكم مرة رفعت يديك تدعين لنا دون أن نعلم؟ وها نحن اليوم نرفع أيدينا إلى الله، نسأله أن يكتب لك من رحمته شفاءً، ومن لطفه فرجاً، ومن فضله عافيةً تعيد إلى قلبك الطمأنينة وإلى جسدك الراحة.

تعلم كم آثرتنا على نفسها، وكم أخفت من أوجاعها حتى لا توجع قلوبنا.

اللهم إن الأطباء قد بذلوا أسبابهم، وإننا لا نملك إلا الدعاء، وأنت رب الأسباب ومسببها، وبيدك الشفاء، لا شفاء إلا شفاؤك.