السعودية تعيد تشكيل موازين القوة في الاقتصاد العالمي – إبراهيم أبوهيف

لم تكن تصريحات الرئيس التنفيذي لأرامكو السعودية، أمين الناصر، في 22 أكتوبر، بشأن العمل على رفع الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب شرق-غرب من سبعة إلى عشرة ملايين برميل يوميًا، مجرد إعلان عن توسعة محتملة لمنشأة نفطية، فقد جاءت بعد أشهر شهدت اضطرابات واسعة في حركة الطاقة والتجارة الدولية، وأظهرت أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يكفي لضمان وصولها إلى الأسواق، ما لم تتوافر للدولة القدرة على تأمين مسارات بديلة لتصديرها، والمحافظة على استمرارية الإمدادات عند تعطل الطرق التقليدية، وهي معادلة اكتسبت أهمية خاصة بالنسبة للمملكة العربية السعودية، التي جمعت استثماراتها خلال العقود الماضية بين تطوير الإنتاج النفطي وتعزيز البنية التحتية للنقل والتصدير.

وتستحق التجربة السعودية قراءة تتجاوز التطورات الإقليمية الراهنة، لأنها تكشف عن تحول في مفهوم القوة الاقتصادية، فالعالم الذي اندفع نحو الرقمنة والذكاء الاصطناعي وتطوير وسائل الاتصال الفوري، اكتشف أن التكنولوجيا لم تقلل أهمية الموقع الجغرافي بالقدر الذي كان متوقعًا، وأن الصناعات الأكثر تقدمًا لا تزال تعتمد على ممرات بحرية وخطوط طاقة وشبكات نقل مادية، وأن قدرة الدولة على الاستفادة من هذه الأصول لا ترتبط بموقعها وحده، وإنما بحجم الاستثمارات التي تمكنها من تحويل الموقع إلى أدوات اقتصادية مؤثرة.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 80 في المئة من حجم التجارة السلعية العالمية ينتقل بحرًا، وهو ما يفسر سرعة تأثر الأسواق بأي اضطراب في المضائق والممرات الرئيسية، فتعطل الملاحة لا ينعكس على تكاليف الشحن والتأمين فقط، وإنما يمتد إلى مخزونات الشركات وأسعار المواد الخام وبرامج الإنتاج ومواعيد التسليم، وصولًا إلى السياسات النقدية وقرارات الاستثمار، وقد أثبتت أحداث عام 2026 أن اختلال أحد الممرات يمكن أن يدفع شركات دولية إلى إعادة تنظيم شبكاتها اللوجستية بالكامل، حتى وإن ترتب على ذلك ارتفاع تكلفة النقل وتراجع بعض مزايا العولمة الاقتصادية.

وفي قلب هذه التحولات، تتمتع السعودية بخصوصية جغرافية واقتصادية لا تتوافر بالصورة نفسها لكثير من الاقتصادات المنتجة للطاقة، إذ تمتد منشآتها النفطية والصناعية وموانئها على الخليج العربي والبحر الأحمر، بما يتيح لها خيارات متعددة للوصول إلى الأسواق الدولية، لكن أهمية هذا الامتداد تكمن في أن المملكة لم تترك الاستفادة منه للظروف الطبيعية وحدها، بل استثمرت في إنشاء منظومة تربط مناطق الإنتاج بمنافذ التصدير، وتسمح بإعادة توجيه التدفقات بين الساحلين وفقًا للظروف التشغيلية والأمنية والتجارية.

ويقدم خط أنابيب شرق–غرب المثال الأكثر وضوحًا لهذه السياسة، إذ يربط المنطقة الشرقية بينبع على ساحل البحر الأحمر عبر مسافة تقارب 1200 كيلومتر، وقد تحول خلال أزمة الملاحة في مضيق هرمز إلى أحد أهم البدائل التشغيلية المتاحة للمملكة، ففي السادس من أكتوبر الجاري أعلن وزير الطاقة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وصول الضخ عبر الخط إلى نحو 5.8 ملايين برميل يوميًا، بعد استعادة التشغيل إثر تعرضه لاضطرابات سابقة، بينما تبلغ طاقته الاستيعابية نحو سبعة ملايين برميل يوميًا، مع مراعاة أن الطاقة الإجمالية للخط لا تعادل بالضرورة كميات الصادرات النهائية، نظرًا لاحتياجات المصافي والمنشآت المرتبطة به.

وتظهر القيمة الاستراتيجية لهذا الخط عند مقارنة وضع المملكة باحتمال الاعتماد على منفذ تصدير واحد، فقد أتاحت البنية القائمة استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط إلى الساحل الغربي، وخففت من أثر القيود المفروضة على الملاحة في هرمز، كما وفرت للمملكة مرونة في إدارة الإنتاج والتعاقدات التجارية خلال فترة ارتفعت فيها مخاطر النقل البحري، ومن هذه الزاوية يمكن فهم التوجه نحو زيادة الطاقة الاستيعابية إلى عشرة ملايين برميل يوميًا، بوصفه استثمارًا في القدرة على المحافظة على الصادرات واستمرارية الإمدادات، وليس مجرد توسع تقليدي في طاقة النقل.

غير أن القراءة الاقتصادية لهذه الخطوة تقتضي التمييز بين القدرة على تجاوز مضيق هرمز والقدرة على إلغاء المخاطر البحرية بصورة كاملة، فتصدير النفط من ينبع يوفر مسارًا بديلًا مهمًا، لكنه لا يلغي الاعتبارات الأمنية والتجارية المرتبطة بالبحر الأحمر، خاصة للشحنات المتجهة جنوبًا عبر باب المندب، كما أن زيادة طاقة الأنابيب تحتاج إلى توافق مع قدرات التخزين ومرافق التحميل وأحجام الناقلات واحتياجات الأسواق، ولذلك فإن القوة الحقيقية للمشروع تكمن في توسيع الخيارات المتاحة أمام أرامكو، وليس في افتراض وجود طريق بديل يستطيع العمل بمعزل عن جميع المخاطر الإقليمية.

وهنا تبرز أهمية جانب آخر من تصريحات أمين الناصر، يتعلق بالعمل على مضاعفة قدرات التخزين النفطي خارج المملكة، خاصة في الأسواق الآسيوية، فالتوسع في التخزين بالقرب من المستهلكين يمنح أرامكو مساحة إضافية لإدارة الفترات الفاصلة بين الإنتاج والتسليم، ويحد من اعتماد انتظام التوريد على وصول كل شحنة مباشرة من منشآت الإنتاج، كما يساعد على الاستجابة لتقلبات الطلب والتعامل مع اضطرابات الملاحة، وتكشف هذه السياسة عن توجه لتوزيع مرونة الإمداد بين خطوط النقل داخل المملكة والمخزون الموجود بالقرب من الأسواق الخارجية.

ولا تنحصر أهمية الموقع السعودي في قطاع النفط، فقد دفعت اضطرابات عام 2026 إلى اختبار قدرة الموانئ والخدمات اللوجستية على استيعاب حركة تجارية أعيد توجيه جزء منها بعيدًا عن المسارات المعتادة، وفي 12 مارس أطلقت المملكة مبادرة الممرات اللوجستية بالتكامل بين الهيئة العامة للموانئ وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، بهدف استقبال الحاويات والبضائع المحولة من موانئ المنطقة الشرقية وموانئ دول الخليج إلى ميناء جدة الإسلامي وموانئ الساحل الغربي، بما يسمح بإعادة تنظيم حركة الواردات والسلع عبر منظومة تجمع بين النقل البحري والبري والخدمات الجمركية.

وتعكس هذه المبادرة جانبًا مهمًا من التحول السعودي، إذ لم يعد تطوير الميناء منفصلًا عن الطرق التي تربطه بالمصانع والمستودعات والمناطق الاستهلاكية، ولم تعد القدرة التنافسية تقاس بطاقة الأرصفة وحدها، بل أصبحت تعتمد على سرعة التخليص الجمركي وتوافر وسائل النقل الداخلي وكفاءة تداول الحاويات وإمكانية الوصول إلى السوق النهائية، وكلما انخفض زمن التعطل وتراجعت التكاليف الإضافية التي يتحملها المستورد أو المصدر، ارتفعت جاذبية المسار السعودي بالنسبة إلى الشركات الدولية.

وقد قدم المؤتمر السعودي البحري واللوجستي الذي انعقد في جدة يوم 21 أكتوبر، شواهد على حجم الاستجابة التشغيلية، إذ أعلن رئيس الهيئة العامة للنقل المهندس فواز السهلي إضافة أكثر من 33 خدمة ملاحية بحرية جديدة منذ بداية المتغيرات التي شهدتها المنطقة، مشيرًا كذلك إلى دور أكثر من 500 ألف شاحنة في ربط الموانئ بالمصانع والمستودعات داخل المملكة ومع دول الخليج، وهي معطيات تشير إلى أن الاستفادة من الموقع الجغرافي ترتبط بقدرة مؤسسات النقل والتجارة والجمارك والقطاع الخاص على العمل ضمن شبكة واحدة.