السلام عليكم.. هدوء لو سمحتم.. أسكت يا ولد / بنت.. من غائب اليوم؟ أخرجوا الكتب والدفاتر.. ماذا أنهينا الحصة الماضية؟
هناك حوار طويل يأخذ حيزا كبيرل من وقت الحصة المحدد، ويستهلك جانباً طويلاً منها، هذا يدعونا لطرح أسئلة تربوية تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها عندما نقترب منها نكتشف أنها تمس جوهر العملية التعليمية. ومن هذه الأسئلة: ماذا يحدث داخل الحصة الدراسية؟
هل نترك للمعلم خمسين دقيقة أو نحوها، ثم نقول له: هذه حصتك، تصرف فيها كما ترى؟ أم أن لدينا تصورًا تربويًا واضحًا يحدد كيف ينبغي أن يوزع هذا الوقت بين التهيئة، والتعلم، والممارسة، والتقويم، والتغذية الراجعة، مع ترك مساحة مهنية للمعلم للتكيف مع طلابه؟
السؤال هنا ليس عن رغبتنا في تقييد المعلم أو منحه الحرية، وإنما عن شيء أكثر أهمية: هل نتعامل مع وقت الحصة باعتباره موردًا تربويًا له قيمة، أم باعتباره مجرد مدة زمنية تنتهي بجرس؟
في كثير من الأحيان نتحدث عن المنهج، والكتاب، والمعلم، والتقنيات، والاختبارات، وننسى أن كل هذه العناصر لا تعمل إلا داخل وعاء واحد هو الوقت. فإذا لم نحسن إدارة هذا الوقت، فقد نمتلك أفضل المناهج وأحدث التقنيات، بينما يظل جزء كبير من الحصة لا يتحول إلى تعلم حقيقي.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD» إلى أن أنظمة التعليم حول العالم تختلف في مقدار الوقت المخصص للتدريس، وكذلك في الجهة التي تملك قرار تنظيمه؛ ففي بعض الأنظمة تحدد السلطات إطارًا واضحًا، بينما تمنح المدارس والمعلمين مساحة أكبر في تنظيم الوقت داخل هذا الإطار.
وهنا تحديدًا تظهر الفكرة التي أرى أننا بحاجة إلى مناقشتها بجدية: لسنا أمام خيارين متناقضين؛ إما أن نترك الحصة بالكامل للمعلم، أو أن نفرض عليه سيناريو مكتوبًا بالدقيقة والثانية.
هناك خيار ثالث أكثر نضجًا: إطار واضح ومرن لاستثمار وقت الحصة.
فليس منطقيًا أن نطلب من المعلم تحقيق نواتج تعلم محددة، ثم نترك له دون توجيه مؤسسي كيفية توزيع الزمن اللازم لتحقيقها. وفي المقابل، ليس منطقيًا أيضًا أن نحول المعلم إلى منفذ لنص جامد يحدد له ما يقوله في الدقيقة الخامسة، وما يسأل عنه في الدقيقة العاشرة، وما يفعله في الدقيقة الخامسة والعشرين.
المعلم المحترف يحتاج إلى مساحة قرار، لكنه يحتاج كذلك إلى مرجعيات مهنية.
وهذا ما تعكسه نتائج TALIS 2024؛ إذ تشير OECD إلى أن المعلمين الذين يتمتعون باستقلالية أكبر في القرارات التعليمية، مثل تصميم الدروس واختيار طرائق التدريس وتطبيق المنهج بمرونة، يكونون أكثر قدرة ـ وفق تقاريرهم ـ على تكييف التدريس مع احتياجات الطلاب. وفي الوقت نفسه، تؤكد المنظمة أن مقدار الاستقلالية لا يعني غياب الأطر، وأن بعض الأنظمة قد تحتاج إلى توجيه أكثر للمعلمين الجدد مع منحهم مسؤولية أكبر تدريجيًا.
إذن، الاستقلالية المهنية لا تعني العشوائية.
وهنا يمكن أن نعيد النظر في مفهوم الحصة الدراسية نفسه.
فالحصة الناجحة ليست بالضرورة تلك التي تحدث فيها أكبر كمية من الكلام من المعلم، ولا تلك التي ينتهي فيها المعلم من أكبر عدد من صفحات الكتاب، ولا حتى تلك التي يلتزم فيها بالسيناريو الموضوع مسبقًا حرفيًا.
الحصة الناجحة هي التي يتحول جزء معتبر من وقتها إلى تعلم فعلي لدى الطالب.
قد تبدأ الحصة بدقائق للتهيئة واستحضار المعرفة السابقة، ثم ينتقل الطلاب إلى مفهوم جديد، ثم إلى نشاط أو ممارسة، ثم إلى نقاش أو تطبيق، ثم إلى تقويم سريع يكشف للمعلم ما إذا كان التعلم قد حدث بالفعل. وقد تختلف النسب بين مادة وأخرى، ومرحلة وأخرى، ودرس وآخر.
لكن المهم أن يكون هذا التوزيع مقصودًا وليس عشوائيًا.
فالمرجعيات العلمية لا تتعامل مع وقت التعلم باعتباره رقمًا مجردًا. وتشير OECD إلى أن زيادة ساعات التعلم ليست هدفًا في حد ذاتها؛ بل إن تنظيم الوقت، وإدارة الصف، ومراعاة اختلاف احتياجات الطلاب، والاستفادة من أوقات التركيز، كلها عناصر تدخل في جعل وقت التعلم أكثر فاعلية.
هل يعرف المعلم كم دقيقة من حصته تذهب فعلًا إلى التعلم؟
كم منها يذهب في توزيع الأوراق أو تشغيل الأجهزة؟
كم منها يذهب في أسئلة إدارية لا علاقة لها بهدف الدرس؟
وكم دقيقة يبقى فيها الطالب بالفعل مشاركًا، يفكر، يناقش، يحل، يطبق، يقرأ، يكتب أو ينتج شيئًا يمكن للمعلم أن يقيس من خلاله حدوث التعلم؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تستخدم لمحاسبة المعلم على كل دقيقة، وإنما لتصميم نظام تعليمي أكثر ذكاءً في إدارة الوقت.
ولعلنا بحاجة إلى الانتقال من مفهوم «زمن الحصة» إلى مفهوم «هندسة وقت التعلم».
فالحصة ليست كتلة واحدة من الزمن. إنها مجموعة من المراحل والأنشطة، ولكل مرحلة وظيفة. والاختلاف بين معلم وآخر لا ينبغي أن يكون في وجود هذه الوظائف من عدمها، وإنما في كيفية تنفيذها وتوزيعها وفق طبيعة الدرس واحتياجات الطلاب.
وقد يكون من المفيد أن تقدم الوزارة أو المدرسة إطارًا مرنًا لوقت الحصة، لا تعليمات جامدة؛ يوضح الحد الأدنى من العناصر التي ينبغي أن تتوافر، ويترك للمعلم مساحة واسعة في كيفية تحقيقها.
فمثلًا، لا نقول للمعلم: «خصص خمس دقائق بالضبط للتهيئة».
بل نقول: «ابدأ الحصة بما يربط التعلم الجديد بالمعرفة السابقة ويهيئ الطالب له».
بل نقول: «اجعل وقت المعلم في الشرح بالقدر الذي يخدم هدف التعلم، مع إتاحة وقت كافٍ لممارسة الطالب وتطبيقه».
وهنا أيضًا تبرز أهمية التخطيط. فبيانات OECD عن المعلمين تشير إلى أن وقت التخطيط وإعداد الدروس يمثل جزءًا مهمًا من عمل المعلم، وأن توزيع وقت المعلم بين التدريس والتخطيط والتقويم والمهام الأخرى يختلف بين الأنظمة التعليمية.
ومن ثم، إذا كنا نريد من المعلم أن يحسن استثمار وقت الحصة، فعلينا أن نستثمر كذلك في الوقت الذي يسبق الحصة.
لا يمكن أن نطلب من المعلم حصة عالية الجودة إذا كان التخطيط لها يحدث بصورة عشوائية، أو إذا كان مثقلًا بأعمال إدارية تستهلك الوقت الذي يحتاجه للاستعداد المهني.
إن القضية في النهاية ليست: هل نثق بالمعلم أم لا؟
بل: كيف نبني نظامًا يثق بالمعلم ويهيئه في الوقت نفسه لاستخدام هذه الثقة بصورة مهنية؟
لكنه يحتاج قبل الحرية إلى معرفة واضحة بما نريد أن يتعلمه الطالب.
ويحتاج إلى بيئة مدرسية لا تستنزف وقت الحصة في أعمال يمكن تنظيمها خارجها.
وبذلك تصبح الحصة الدراسية مساحة مهنية حقيقية، لا مسرحًا لتنفيذ تعليمات، ولا مساحة شخصية مغلقة لا يعرف النظام ماذا يحدث داخلها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس:
«هل لدينا بالفعل تصور وطني واضح لما ينبغي أن يحدث في وقت الحصة»؟
إذا كانت الإجابة نعم، فعلينا أن نراجعه ونسأل: هل يستند إلى الأدلة، وهل يقيس وقت التعلم الفعلي، وهل يمنح المعلم المرونة اللازمة؟