وعد بلفور.. 109 أعوام على الخطيئة الاستعمارية التي صنعت نكبة فلسطين – د.عبدالرحيم محمود جاموس

من تصدير المسألة اليهودية إلى فلسطين، إلى إقامة مشروع استيطاني يخدم المصالح الاستعمارية الغربية على حساب شعبها الأصلي في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1917، أصدرت الحكومة البريطانية، على لسان وزير خارجيتها آرثر جيمس بلفور، تصريحها الشهير الذي عُرف باسم «وعد بلفور»، متعهدة بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

لم يكن ذلك التصريح مجرد موقف سياسي عابر، أو تعبير عن تعاطف بريطاني مع تطلعات الحركة الصهيونية، بل كان قراراً استعمارياً بالغ الخطورة، أسّس لمسار تاريخي من الاقتلاع والتهجير والاستيطان ومصادرة الحقوق، وأدخل فلسطين وشعبها في واحدة من أطول المآسي الإنسانية والسياسية في التاريخ الحديث.

لقد كان وعد بلفور، في جوهره، وعداً ممن لا يملك لمن لا يملك، وتدخلاً استعمارياً في مصير أرض ليست لبريطانيا، ولا تملك حق التصرف بها أو تقرير مستقبلها. فقد تجاهلت بريطانيا بصورة متعمدة إرادة أهل فلسطين وحقوقهم التاريخية والوطنية، وهم شعب عربي متجذر في أرضه، يمتلك تاريخه ومدنه وقراه ومؤسساته الاجتماعية والثقافية والدينية، وله امتداده عبر عشرات مئات القرون.

ومع ذلك، قررت قوة استعمارية أن تمنح الحركة الصهيونية تعهداً بإقامة وطن قومي على هذه الأرض، دون أن يكون للشعب الفلسطيني، صاحب الأرض، أي رأي أو اعتبار.

ولم يكن التجاهل البريطاني للشعب الفلسطيني مجرد نقص في الصياغة السياسية، بل كان تعبيراً عن عقلية استعمارية تعاملت مع فلسطين باعتبارها أرضاً يمكن التصرف بمصيرها وإعادة تشكيل واقعها السياسي والديمغرافي، دون اعتبار لحقوق سكانها الأصليين. فقد تحدث نص الوعد عن عدم المساس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، لكنه لم يعترف بالفلسطينيين باعتبارهم شعباً له حقوق سياسية ووطنية، ولم يشر إلى حقهم في تقرير المصير والاستقلال. وهكذا مُنحت الحركة الصهيونية اعترافاً سياسياً بمشروعها القومي، بينما جرى اختزال الشعب الفلسطيني في وصف جماعات سكانية لا تتمتع بالاعتراف السياسي والوطني الذي يستحقه.

إن فهم الأبعاد الحقيقية لوعد بلفور يقتضي العودة إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه الحركة الصهيونية، وإلى ما عُرف في أوروبا بالمسألة اليهودية، وهي المسألة التي ارتبطت بما تعرضت له الجماعات اليهودية من تمييز واضطهاد وملاحقة ومذابح وقيود على حقوقها المدنية والسياسية والاجتماعية، ولا سيما خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، واستمرت مظاهرها في القرن العشرين.

لقد كانت معاناة اليهود في أوروبا حقيقة تاريخية لا يجوز إنكارها أو التقليل من شأنها، كما تعرضت جماعات يهودية في بلدان عربية وإسلامية، في مراحل مختلفة، لضغوط واضطرابات وقيود واعتداءات وعمليات تهجيركانت تقف خلفها القوى الاستعمارية والصهيونية المتنفذة .

غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه هو: هل كان إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين حلاً عادلاً لهذه المأساة، أم كان نقلاً للمشكلة الأوروبية إلى أرض شعب آخر لم يكن مسؤولاً عنها؟

لقد نشأت الحركة الصهيونية الحديثة في البيئة الأوروبية، وتبنت مشروعاً سياسياً قومياً يقوم على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، واستطاعت توظيف الاضطهاد الذي تعرض له اليهود والمخاوف المتعلقة بمستقبلهم في خدمة مشروعها السياسي، مستفيدة من التنافس الاستعماري الأوروبي ومن مصالح القوى الكبرى في المنطقة. وهنا تكمن المفارقة التاريخية والأخلاقية؛ فبدلاً من أن تتحمل الدول والمجتمعات التي مارست التمييز والاضطهاد ضد اليهود مسؤولية معالجة تلك المظالم وضمان حقوقهم ومساواتهم في أوطانهم، جرى تقديم فلسطين باعتبارها الحل، وكأن الشعب الفلسطيني مسؤول عن مأساة لم يصنعها ولم يكن طرفاً فيها.

إن حق اليهود في الأمن والكرامة والمواطنة والعيش دون اضطهاد في أوطانهم الأصلية حق إنساني أصيل، لكنه لا يمنح أحداً الحق في اقتلاع شعب آخر من وطنه، ولا يمكن أن يكون علاج ظلم تاريخي سبباً في صناعة ظلم تاريخي جديد. فالمسألة اليهودية الأوروبية لم تكن مسؤولية الفلسطينيين، ولم يكن من العدل أو المنطق أن يتحملوا تبعاتها السياسية والإنسانية.

ومن الضروري هنا التمييز بين اليهود بوصفهم جماعات دينية وثقافية وإنسانية، وبين الحركة الصهيونية بوصفها حركة سياسية ذات مشروع قومي استيطاني، وبين الحكومات الإسرائيلية وسياساتها. فاليهود ليسوا كتلة واحدة، ولم تكن مواقفهم من الصهيونية واحدة، كما أن اليهودية بوصفها ديناً لا يجوز اختزالها في سياسات دولة أو أيديولوجية سياسية.

وقد شهدت العقود المحيطة بقيام «إسرائيل» هجرة واسعة لليهود من بلدان عربية، منها العراق واليمن ومصر وليبيا والمغرب وتونس والجزائر وسوريا وغيرها.

وتفاوتت ظروف خروج هذه الجماعات من بلد إلى آخر، بين الاضطهاد والتمييز والتضييق ومصادرة الممتلكات، وبين الخوف من الحروب والتحولات السياسية، والهجرة المنظمة التي عملت المؤسسات الصهيونية على تشجيعها واستقطابها. كما شهدت أوروبا موجات من الهجرة اليهودية إلى فلسطين لأسباب دينية وقومية وأمنية واقتصادية وسياسية متعددة، ولم تكن تجارب المهاجرين واحدة، ولا يصح تصوير جميعهم باعتبارهم انتقلوا قسراً أو بالطريقة ذاتها.

لكن الحقيقة السياسية التي ينبغي إدراكها أن الحركة الصهيونية عملت على تحويل الهجرة اليهودية إلى مشروع استيطاني منظم، يستهدف إقامة كيان سياسي ذي سيادة على أرض مأهولة بشعب آخر، مستفيدة من الدعم البريطاني والغربي. وهكذا ارتبط مصير قطاعات واسعة من اليهود بمشروع سياسي جعل استقرارهم ووجودهم في فلسطين مرتبطين بقيام دولة على حساب الفلسطينيين، بدلاً من معالجة جذور الاضطهاد وضمان حقوق اليهود أينما وجدوا.

إن المأساة هنا أن اليهود، الذين تعرضوا للاضطهاد في مواطنهم الأصلية، جرى توظيف مآسيهم ومخاوفهم في مشروع استعماري، فأصبحوا في مواجهة شعب فلسطيني اقتُلع من وطنه، وتحول الفلسطينيون إلى ضحايا لمشروع لم يكونوا مسؤولين عن نشأته.

وبذلك لم تُحل المسألة اليهودية حلاً إنسانياً عادلاً، وإنما نُقلت تبعاتها إلى الشرق العربي، وأُنتجت مأساة فلسطينية ممتدة. فالضحايا لا ينبغي أن يتحولوا إلى أدوات لإنتاج ضحايا جدد، ولا يجوز أن يكون أمن جماعة بشرية مبرراً لإنكار حقوق جماعة أخرى.

ولم يصدر وعد بلفور في فراغ، ولم يكن منفصلاً عن المصالح الإستراتيجية للإمبراطورية البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى، والتنافس الاستعماري على تركة الدولة العثمانية، وأهمية فلسطين الجغرافية والإستراتيجية في حماية المصالح البريطانية والطرق المؤدية إلى الهند والشرق. فقد التقت مصالح الحركة الصهيونية مع الحسابات الاستعمارية البريطانية في إطار رؤية رأت في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين مشروعاً يمكن توظيفه في إعادة تشكيل التوازنات السياسية والإستراتيجية في الشرق العربي.