ضبط النفس والحزم وفجوة المصلحة.. قراءة في مآلات الأزمة اليمنية – أبوبكر  الموسى

تقيس كثير من التقديرات الحروب المعاصرة بمعيار السيطرة الميدانية المباشرة وعدد الضربات المتبادلة، وهذا المعيار ربما يصلح للحروب المتكافئة بين جيوش نظامية متماثلة الالتزامات ويفقد جزءًا كبيرًا من صلاحيته في النزاعات غير المتكافئة، لأنها تضع دولة مسؤولة أمام مجتمعها وأحكام القانون الدولي في مواجهة مكون مسلح بدوافع أيديولوجية من غير الدول لا يحكمه شيء من هذه الالتزامات، وفي مثل هذه البيئة يتحول مجرد بقاء المكون المسلح على قيد الحياة إلى سردية يوظفها في التعبئة، بينما يُقاس نجاح الدولة بمؤشرات مختلفة، منها القدرة على تأسيس واقع أمني مستدام يمنع عودة التهديد من الجهة نفسها.

وقد تداولت بعض مراكز الدراسات الغربية قراءات تتمحور حلولها المقترحة حول فكرة تسوية تنهي الاستنزاف، منها ما يعد تقاسم سلطة محلي شامل مخرجًا كما في بروكينغز الدوحة عام 2016 الذي وصف الصراع بـ«الجمود المتبادل المكلف»، ومنها ما يرى أن الرياض قد تضطر إلى قبول حكم فعلي لمساحات أوسع كما في تقرير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية عن حرب الصواريخ عام 2020، ويضاف إليهما تجربة هدنة 2022 التي رصد كارنيغي ترتيباتها الاقتصادية وانهيارها، وتقوم هذه القراءات على فرضية أن النزاعات تنضج للحل حين يدرك أطرافها عجز الخيار العسكري..

..وتواجه هذه القراءات أربعة اعتراضات محورية، أولها أنها تعالج مشكلة أمنية بأدوات إدارية لا تكفي وحدها، فالتهديد يتمثل في منظومات صواريخ ومسيّرات تعبر الحدود وتهدد الأمن القومي، وثانيها أنها تكافئ أسلوب الابتزاز، فتقاسم السلطة مع الميليشيا يمنحها موارد الدولة التي استولت عليها ويحول السلاح إلى أداة تفاوض دائمة، وقد استغلت الميليشيا هدنة 2022 في إعادة التعبئة وتعزيز جبهاتها بحسب كارنيغي، وثالثها أن تقاسم السلطة يضفي على ميليشيا قائمة على السلاح والجباية مظهر الحكم دون أن يمس بنيتها، فتحتفظ بالقدرة على التهديد، ورابعها أن الطرح بقبول حكم فعلي لمساحات أوسع يتعارض مع المرجعيات الثلاث، المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني الشامل وقرار مجلس الأمن 2216 الصادر عام 2015 تحت الفصل السابع، الذي طالب الحوثيين فورًا ودون شروط بوقف العنف والانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها بما فيها صنعاء والتخلي عما استولوا عليه من أسلحة ومنظومات صواريخ، وفرض حظرًا على توريد السلاح إليهم، وأكد وحدة اليمن وسيادته ودعمه لشرعية دولته.

وقد بدأت بعض هذه المراكز الغربية نفسها تتراجع تدريجيًا عن تصوراتها السابقة وتراجع لغتها التحليلية أمام ثبات الواقع السياسي، حيث أشار معهد تشاتام هاوس في أكتوبر 2026 إلى أن الضغط العسكري المنفصل عن إستراتيجية سياسية متماسكة يعيد إنتاج ظروف التوتر، وهو تحول في القراءة الغربية يأتي متأخرًا ليلتقي في هذا المبدأ مع الموقف السعودي الذي سبق الجميع وربط الحسم الأمني بمسار سياسي مستدام ضمن المرجعيات الثلاث.

وتتقاطع فرضية نضج النزاع للحل التي قامت عليها تلك القراءات مع قراءة الميليشيا نفسها عند منطق واحد تفسره أدبيات النزاعات غير المتكافئة منذ دراسة أندرو ماك عام 1975، وهو أن الدول الكبرى تتنازل في بعض هذه النزاعات بناء على مصلحة أعلى تراها، فتنتج فجوة القوة فجوة مصلحة يكون فيها الأقوى أكثر حذرًا وعرضة للضغط السياسي، وعلى هذا المنطق قامت إستراتيجية الميليشيا طوال السنوات الماضية، فقد رصد تقرير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية عام 2020 اعتمادها على الصواريخ والمسيّرات لرفع الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية على التدخل، ورصد كارنيغي عام 2022 أن إستراتيجيتها التفاوضية أن تطلب أكثر وتتنازل أقل، وبهذا تقرأ الميليشيا خيارات التهدئة المرحلية قيدًا بنيويًا على الدولة وتنسب مكاسبها الميدانية إلى قدراتها الذاتية، وهي في حقيقتها قرارات سياسية تحفظ الاستقرار وتقلل الكلفة الشاملة، وينشأ عن هذا التقدير الخاطئ فكرة بنوع من التكافؤ في قواعد الاشتباك، وحين تسقط الاستثناءات التي منحتها الدولة للميليشيا ضمن تلك القواعد تفرض الدولة شروطها السيادية، فيتبين أن ما اعتبرته الميليشيا قيدًا على خصمها كان في حقيقته درع الحماية الذي منع انكشافها وتفككها منذ البداية.

ويتضح مما سبق أن المملكة تقرأ الأزمة اليمنية وفق رؤيتها الخاصة، وتنتهج فيها ضبط النفس والحزم معًا، نهجًا يرفض الحلول المؤقتة ويتجه إلى معالجة الجذر، وسبق هذا النهج مسار سياسي طويل، فأعلنت المملكة في 2021 مبادرتها لإنهاء الأزمة اليمنية والتوصل إلى حل سياسي شامل بوقف إطلاق النار تحت مراقبة الأمم المتحدة، وقدمت للشعب اليمني دعمًا إنسانيًا وتنمويًا تجاوز 29 مليار دولار، وعملت مع التحالف والشركاء الدوليين على خارطة طريق وافقت عليها الحكومة اليمنية ورفضتها الميليشيا، وتستند هذه المسارات السياسية إلى المرجعيات الثلاث ومنها قرار مجلس الأمن 2216.

وتحملت المملكة في هذا المسار كلفة معنوية وأخرى اقتصادية، وجعلت من هذا التحمل أقوى المؤشرات على مضيها في قرارها حتى نهاية المطاف، وتمثلت الكلفة المعنوية في الصورة الذهنية العامة التي تضع دولة كبرى ومحورية في الاقتصاد العالمي في مواجهة مباشرة مع ميليشيا لا تمتلك شرعية ولا تلتزم بقواعد القانون الدولي، وقبلت المملكة بهذه الصورة الذهنية لأن كلفة التغاضي عن واقع تهديد أمني على حدودها الجنوبية أعلى بمراحل منها، وفي الجانب الاقتصادي استهدفت الميليشيا بالصواريخ الباليستية والمسيّرات مرافق حيوية، ويقوم رهان هذا الاستهداف على صدمة تدفع الدولة إلى مناقشة تهدئة عاجلة بكلفة عالية، وأجابت المملكة عن هذا الرهان برفع سقف الخسائر المحتملة التي تقبل بها، حيث أعلن الناطق الرسمي باسم قوات التحالف في 4 يوليو 2026 أن الرد على أي استهداف للمملكة سيكون بحزم وبقوة غير مسبوقة، ويدل رفع هذا السقف على أن قرار إنهاء خطر الميليشيا قرار نهائي لا رجعة فيه، فقيمة الغاية السياسية هي التي تحدد حجم التضحيات ومدتها كما قرر كلاوزفيتز في «عن الحرب»، ومن يقبل بالأثمان الأعلى يعلن أن غايته أرفع قيمة منها، وبذلك تنقلب فجوة المصلحة التي راهنت عليها الميليشيا.

وفي عملية «فجر اليمن» التي أعلنتها الحكومة اليمنية الشرعية في 5 أكتوبر 2026 بهدف استعادة الأراضي اليمنية من الميليشيا، ودعمتها المملكة، دلالة على مضي المملكة في مسارها دون تراجع، انطلاقًا من أولويات أمنية ومصالح عليا مباشرة: تحييد التهديدات العابرة للحدود، وتفكيك منظومات الصواريخ والمسيّرات، وتأمين الملاحة البحرية، وتبقي الحل السياسي ضمن المرجعيات الثلاث ومع الدولة اليمنية الشرعية، وتجرد الميليشيا من غطاء التعبئة والشعارات التي استخدمتها لتبرير استمرارها.