وراء قرار الدعم السعودي.. حكاية مروءة شأن الملك سلمان وقد لامست قلوب المواطنين – فائز بن سلمان  الحمدي

إنَّ للمُلكِ جلالًا تُقيمُه السطوة، وجلالًا تقيمه المكرُمات؛ فأمَّا الأوَّلُ فمَداره على ما تَملِكُه الدولةُ من أسباب المنعة، وأمَّا الثاني فمَدارُه على ما تَملِكُه القيادةُ من نفائس الشمائل، وسَنا المروءة، وشرف الرعاية. وبين الجلالين بَوْنُ ما بين سلطانٍ تستقرُّ هيبتُه في الأبصار، وسلطانٍ تستقرُّ مودَّته في السرائر؛ إذ ليس كلُّ ما أذعنت له الجوارحُ استمالَ القلوب، ولا كلُّ ما عَظُمَ في موازين القوَّة عَظُمَ في موازين الفضيلة.

وإنَّ من أسمى مناقب الولاية أن يصبح همُّ الرعية بعضَ همِّ الراعي، وأن تكون شؤون الناس حاضرةً في ضميره حضورَ الأمانة التي لا تغفل، والوديعة التي لا تُهمَل كما هو الملك سلمان؛ فلم تحجُبُه أُبَّهةُ السلطان عن أنين الحاجة، ولم تصرفه جسامة التدبير عن دقائق المعاش، ولم تستغرقه شؤون الدولة الكبار عن تلك الشؤون التي تبدو في عيون الدواوين صغارًا، وهي في عيون أصحابها ملءُ الحياة. فكم من أمرٍ تهون منزلته في صحائف الحساب، وتعظم وطأته في بيتٍ محدود الدخل! وكم من زيادةٍ يسيرةٍ في ميزان المال، جسيمةٍ في ميزان الحاجة! وما أشد افتراق الأرقام حين تُقرأ في دفاتر الخزانة، وحين تُقرأ في وجوه الآباء، وعيون الأمهات، وأحلام الصغار!

وما أكرم السياسة التي يقودها سلمان حين يكون لها من بصيرة العقل ما يُحسن تدبير المصالح، ومن رهافة الوجدان ما يُدرك مواضع المشقَّة؛ فلا تستبدُّ بها صرامةُ الأرقام حتى تنسى الإنسان، ولا يستغرقُها بريقُ المنجز حتى تغفل عن الأعباء التي قد يحملها الناس في سبيله.

وفي هذا الأفق من المعاني يجيء التوجيه الكريم لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، بناءً على ما عرضه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، باتخاذ إجراءاتٍ داعمةٍ للمواطنين، مواكبةً لما أُعلن من تعديل تعريفتي الكهرباء والمياه.

وهو توجيه تنطوي دلالته على معنى جليل من معاني الولاية؛ ذلك أن التدبير الذي يلحظ آثار القرار في معايش الناس، ويجعل إلى جانب مقتضيات التحوُّل أسبابًا للتخفيف، إنما يصل بين واجب النهوض بمصالح الدولة وواجب الرعاية لأهلها، فلا يطغى أحد الواجبين على الآخر، ولا يُنسى الإنسان في غمرة البناء. وليس من كمال السياسة أن تعرف كيف تدبِّر الثروة فحسب، بل أن تعرف كيف تصون الطمأنينة؛ فإنَّ الثروةَ قِوامُ العمران، والطمأنينةَ قِوامُ الإنسان.

ولقد تضمَّنت هذه الإجراءاتُ زيادةً شهريةً مقدارها خمسمائة ريال لفئاتٍ من الموظفين والمتقاعدين والمستحقين من أسر المتوفَّين، ودعمًا للأسر المستفيدة من الضمان الاجتماعي، وفق الضوابط المقررة؛ وهي مقاديرُ يُعرف حسابُها بالعدد، ولكنَّ آثارَها المرجوَّة لا تُستقصى بمجرَّد العدد. فليس المالُ في حياة الناس أوراقًا تتداولها الأيدي فحسب، بل هو في مواضع الحاجة قوَّةٌ تسند الضعيف، وسعةٌ تُذهب بعض الضيق، وأناةٌ يستردُّها من أرهقته مطالبُ العيش، وفسحةٌ من الرجاء تنفتح لمن كادت تُطبِق عليه وجوهُ النفقة.

وإنَّ للعطاء إذا وافق موضعَه سرًّا لا يُحيط به وصف؛ فقد يُعطي المرءُ كثيرًا فلا يبلغ من النفس مبلغَ القليل الذي جاء في أوانه، وقد يُنفق المالُ فينقضي أثرُه المادي، وتبقى في القلب ذكرى المروءة لا تنقضي. وما كلُّ عطاءٍ يُوزن بمقداره، فإنَّ من العطاء ما تُضاعف الحاجةُ قدرَه، وتُعلي الرحمةُ شأنَه، وتُخلِّد المروءةُ ذكرَه.

ثم إنَّ من رفيع الدلالة أن تتَّسع دائرةُ هذه الرعاية للمتقاعد الذي أودع الوطنَ زهرةَ سنيه، واستنفد في خدمته جهدَ شبابه، حتى إذا انقضت أيامُ العمل بقي له من حقِّ الاعتبار ما لا تنقضي به السنون؛ وللأسرة التي فقدت عائلَها، فصار عليها من أعباء الحياة ما كان يتقاسمه معها؛ وللمحتاج الذي لا يملك من أسباب السعة ما يملكه غيره.

وهنا تتجلَّى مروءةُ الوفاء من الملك سلمان في أبهى معانيها؛ إذ ليس الوفاءُ أن تُكرمَ اليدَ ما دامت قادرةً على العطاء، ثم تُعرضَ عنها إذا أدركها الوهن، ولا أن تحفظَ للعامل منزلتَه ما دام في ميدان العمل، ثم تُسقطَ من حسابك حقَّه إذا أدبر عنه الشباب. فإنَّ للأعمار التي بُذلت في خدمة الأوطان حُرمة، وللسواعد التي أقامت صروحها ذِمامًا، وللبيوت التي فقدت عائلَها حقًّا في العناية، وللضعفاء نصيبًا من رحمة المجتمع؛ وما استقامت مروءةُ أمةٍ إذا لم يكن لضعيفها في قوَّتها حظ، ولماضي أبنائها في حاضرها وفاء.

إنَّ الوفاءَ الحقَّ لا يقف عند آخر يومٍ من الخدمة؛ لأنَّ فضلَ الباذل لا ينتهي بانتهاء بذله، كما أنَّ ضوءَ المصباح لا يُنكر بعد انطفائه ما كان قد بدَّد من الظلمات.

ولم تقف الإجراءات عند مداواة بعض أعباء الحاضر، بل جاوزت ذلك إلى ما يُرجى أن يكون تعزيزًا لأسباب الكفاية في المستقبل، من خلال رفع الحد الأدنى للأجر اللازم لاحتساب العامل السعودي كاملًا في نسب التوطين، على مراحل معلومة. وفي ذلك تتبدَّى عنايةٌ بمكانة العمل الوطني، وسعيٌ إلى الارتقاء بمستويات الأجور، وإلى أن يكون انخراط المواطن في ميادين الإنتاج سبيلًا إلى معيشةٍ أرحب، واستقرارٍ أمكن، ومشاركةٍ أرسخ في بناء النهضة.

وما أحوج السياسة الرشيدة كما نراها في الملك سلمان إلى هذا الجمع بين إسعاف الحاجة وإصلاح أسبابها، وبين التخفيف من وطأة اليوم وتمهيد سُبُل الغد؛ فإنَّ المعونة تُخفِّف العارض، وأمَّا العمل الكريم فيرجى أن يُقيم للإنسان من أسباب الاستغناء ما يصون مروءته ويُعزِّز طمأنينته. وليس أبلغُ التدبير ما اقتصر على إزالة العناء ساعةَ وقوعه، بل ما استشرف أسبابه، واستدرك عواقبه، وأقام من دعائم الاستقرار ما يجعل الإنسان أقدرَ على مواجهة تقلُّبات الحياة.

وهكذا تتراءى الحكمة في الملك سلمان حين لا تنفصل رعاية الحاضر عن بصيرة المستقبل؛ فلا تؤخذ الغاية العظيمة ذريعةً لإغفال الوسيلة العادلة، ولا يُجعل الطموحُ إلى الغد مسوِّغًا لنسيان مشقَّة اليوم.

وإنَّ للأوطان منازلَ في النفوس لا تُدركها مقاييسُ الجغرافيا، ولا تُحيط بها أوصافُ السياسة؛ فالوطنُ ليس تُرابًا تُقيم عليه الأجساد، ولكنه ميثاقٌ تُقيم عليه الأرواح، وليس حدودًا تصونها القوَّة وحدها، بل رابطةٌ تحفظها المودَّة، وتوثِّقها العدالة، وتُزكِّيها المروءة. وما استقرَّ وطنٌ في وجدان أبنائه بمثل ما يستقرُّ حين يشعرون أنَّ لهم فيه كرامةً لا تُبتذل، وحقًّا لا يُهمل، ومكانةً لا تزول بتقلُّب الأحوال؛ وأنَّ الدولة التي تستنهض عزائمهم للبناء لا تغفل عن حاجاتهم في مسيرة البناء.

فإذا كانت القوَّةُ سياجَ الأوطان، فإنَّ العدلَ روحُها، وإذا كان الرخاءُ زينةَ عمرانها، فإنَّ الطمأنينة زينة نفوس أهلها؛ وما قيمة سياجٍ حصينٍ إذا لم يكن وراءه إنسانٌ عزيز؟