يعد الزنا من كبائر الذنوب التي حذر الشرع الشريف من الوقوع فيها، لما يترتب عليه من آثار دينية وأخلاقية، ولذلك تتكرر التساؤلات حول حكم دعاء الزاني وصلاته، وما إذا كانت المعصية تمنع قبول الأعمال الصالحة، وهل تقبل توبته إذا ندم وعزم على عدم العودة إلى الذنب.
وأكد الفقهاء أن الزنا من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب، وقد حذر الله سبحانه وتعالى منه في آيات عديدة بالقرآن الكريم، حتى لا يقع المسلم في هذه المعصية، مشيرين إلى أن الزاني يظلم نفسه بارتكاب هذا الذنب، وأن المعاصي قد تكون من أسباب حرمان العبد من ثواب بعض أعماله الصالحة أو عدم قبول دعائه، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة رد جميع أعماله، فقبول الأعمال من الأمور التي لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى.
وأوضح الفقهاء أن المعصية بوجه عام قد تكون سببًا في عدم استجابة الدعاء، لكن قد يستجيب الله دعاء العبد رغم إقامته على المعصية، وله في ذلك حكم بالغة، فلا يجوز للإنسان أن ييأس من رحمة الله أو يتوقف عن الدعاء والاستغفار بسبب ذنبه.
واستدل البعض بحديث ورد فيه: «تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد: هل من داع فيستجاب له؟ هل من سائل فيعطى؟ هل من مكروب فيفرج عنه؟ فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلا استجاب الله له إلا زانية تسعى بفرجها أو عشار»، وذكروا أن الحديث يتضمن تحذيرًا من الكبائر وبيانًا لما قد تسببه من موانع قبول الدعاء.
وبشأن حكم صلاة من وقع في الزنا، فإن قبول الصلاة أو ردها أمر لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، أما من ناحية صحتها، فتكون صحيحة إذا استوفت شروطها وأركانها، ولا يجوز للزاني ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها بسبب ارتكابه المعصية.
ويجب على من وقع في هذه الكبيرة أن يبادر بالتوبة إلى الله تعالى، من خلال الإقلاع عن الذنب، والندم على ارتكابه، والعزم الصادق على عدم العودة إليه مرة أخرى، مع الإكثار من الأعمال الصالحة والاستغفار.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمود شلبي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الله سبحانه وتعالى يقبل توبة من وقع في الزنا إذا تاب توبة صادقة، فهو الغفور الرحيم، ومهما بلغت ذنوب العبد فإن باب التوبة مفتوح أمامه.
وأضاف شلبي، ردًا على سؤال ورد إليه خلال بث مباشر لشخص قال فيه: «وقعت في الزنا وندمت فهل يقبل الله توبتي؟»، أن الله يقبل توبة العبد بشرط الإقلاع عن المعصية وعدم العودة إليها، مع الإكثار من الأعمال الصالحة، موضحًا أن الله قد يبدل السيئات حسنات لمن تاب وآمن وعمل صالحًا.
واستشهد بقوله تعالى في سورة الفرقان: «والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا، إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا».
وأوضحت دار الإفتاء المصرية أن من وقع في معصية أو ارتكب ذنبًا، فعليه أن يبادر بالتوبة والاستغفار، ويستحب له أن يتوضأ ويحسن وضوءه، ثم يصلي ركعتين يستحضر فيهما قلبه ويخشع لله تعالى، وبعد ذلك يستغفر الله سبحانه وتعالى ويسأله المغفرة.
وأكدت دار الإفتاء أن صلاة التوبة مستحبة باتفاق المذاهب الأربعة، مستدلة بما ورد عن أبي بكر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له»، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: «والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم».
وشددت دار الإفتاء على أن التوبة لا تقتصر على أداء الركعتين والاستغفار، بل لا بد من تحقق شروطها، وفي مقدمتها الندم على ارتكاب المعصية، والإقلاع عنها، والعزم الصادق على عدم العودة إليها، وإذا تعلق الذنب بحقوق الآخرين وجب رد الحقوق إلى أصحابها.