قبل سنوات قليلة، كان السؤال الذي يتكرر في البيوت السعودية: كم ساعة يقضي أبناؤنا أمام الجوال؟
أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يفعل أبناؤنا بالجوال عندما يكون الذكاء الاصطناعي حاضرًا فيه؟
فالأمر لم يعد مجرد مشاهدة مقاطع أو تصفح مواقع التواصل. أصبح الطالب يستطيع أن يسأل الآلة عن واجبه، والشاب أن يطلب منها إعداد سيرته الذاتية، والأب أن يستعين بها في عمله، والأم أن تستخدمها للتخطيط أو البحث أو حتى كتابة الرسائل.
هنا تظهر معضلة جديدة أمام الأسرة: هل تستطيع أن تضع حدودًا للذكاء الاصطناعي، أم أن عليها أن تتعلم كيف تعيش معه؟
عندما ظهرت الهواتف الذكية، حاولت بعض الأسر التعامل معها بمنطق المنع: لا هاتف، لا إنترنت، لا تطبيقات معينة.
والشيء نفسه يحدث مع الذكاء الاصطناعي. فمن الصعب أن نقول للطالب: «لا تستخدم الذكاء الاصطناعي»، بينما هو جزء متزايد من الأدوات التعليمية والمهنية التي سيواجهها في حياته.
ولهذا تبدو المسألة أكبر من وضع قيود على التطبيقات؛ إنها تتعلق ببناء وعي داخل الأسرة.
وقد تعاملت وزارة التعليم مع هذا التحول بصورة مباشرة، فأصدرت بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» دليلًا إرشاديًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم العام، موجّهًا إلى الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور، ويتناول الاستخدام الأخلاقي والمسؤول ومخاطر هذه الأدوات وكيفية الاستفادة منها.
وهذا التحول في الخطاب مهم؛ لأن السؤال لم يعد: كيف نمنع التقنية؟ بل: كيف نستخدمها دون أن نفقد السيطرة على طريقة تفكيرنا؟
يعود الطالب من المدرسة، ويجد واجبًا في مادة اللغة العربية أو الرياضيات. بدل أن يحاول حله، يفتح أداة للذكاء الاصطناعي، يكتب السؤال، ثم ينسخ الإجابة.
هنا يجب أن نفرق بين استخدام الذكاء الاصطناعي للتعلم واستخدامه للتخلص من التعلم.
قد يطلب الطالب من الأداة أن تشرح له درسًا لم يفهمه، أو أن تعطيه أمثلة إضافية، أو أن تناقش معه أخطاءه. هذا استخدام يمكن أن يعزز التعلم.
أما أن تطلب منه أن يؤدي المهمة كاملة ثم يضع الطالب اسمه عليها، فهنا تتحول التقنية من مساعد تعليمي إلى بديل عن الجهد الذي يفترض أن يبذله الطالب.
ولهذا فإن أفضل حد تضعه الأسرة ليس «ممنوع استخدام الذكاء الاصطناعي»، وإنما: «استخدمه ليساعدك على الفهم، لا ليقوم بالتفكير بدلًا منك».
الأسرة التي تريد التعامل بوعي مع الذكاء الاصطناعي تستطيع أن تضع مجموعة بسيطة من القواعد.
أولها: لا تسلّم للآلة كل مهمة تستطيع القيام بها بنفسك.
وثانيها: لا تعتبر إجابة الذكاء الاصطناعي حقيقة لمجرد أنها مكتوبة بثقة.
وثالثها: لا تشارك البيانات الشخصية أو المعلومات الحساسة بلا حاجة.
ورابعها: إذا استخدمت الذكاء الاصطناعي في مهمة دراسية، فيجب أن تعرف وتفهم ما قدمه لك.
هذه القواعد قد تكون أكثر فاعلية من المنع؛ لأنها تنتقل مع الابن من المنزل إلى المدرسة ثم إلى الجامعة وسوق العمل.
الموضوع لا يتعلق بالواجبات المدرسية وحدها.
فالطالب الذي يتعلم اليوم استخدام الذكاء الاصطناعي سيستخدمه غدًا في الجامعة والعمل. وسوق العمل نفسه يتغير مع هذه الأدوات.
وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية تشير إلى أن التحولات التي يقودها الذكاء الاصطناعي والأتمتة أصبحت تعيد تشكيل سوق العمل، وأن التحدي يرتبط بشكل متزايد بالمهارات اللازمة للفرص الجديدة. كما تعمل المملكة على منظومة لتصنيف المهارات والمهن تساعد على مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية، مستفيدة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.
وهذا يعني أن الأسرة عندما تعلم ابنها استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة صحيحة، فإنها لا تعطيه مهارة تقنية فحسب، بل تساعده على الاستعداد لبيئة مهنية تتغير باستمرار.
الموظف الذي يعرف كيف يطلب من الذكاء الاصطناعي كتابة تقرير ليس بالضرورة موظفًا متميزًا.
أما الموظف الذي يعرف ماذا يطلب، وكيف يراجع الناتج، ويكتشف الخطأ، ويضيف خبرته، ويتخذ القرار النهائي، فهو يستخدم التقنية بصورة مختلفة.
الخطر ليس أن يصبح أبناؤنا مستخدمين للذكاء الاصطناعي
هناك فرق بين أن تقول لابنك: «استخدم الذكاء الاصطناعي»، وبين أن تقول له: «استخدمه، ثم أخبرني لماذا قبلت هذه الإجابة؟».
وهذا التفكير النقدي سيكون أكثر أهمية كلما أصبحت الآلة أكثر قدرة على إنتاج إجابات مقنعة.
ففي الماضي، كان من السهل نسبيًا أن نعرف أن بعض المعلومات على الإنترنت مشكوك فيها بسبب مصدرها أو أسلوبها.
أما اليوم، فقد تأتي المعلومة في صياغة ممتازة، وبأسلوب مقنع، ومع ذلك تكون غير دقيقة.
لذلك يحتاج الأبناء إلى مهارة جديدة يمكن اختصارها في ثلاث كلمات:
لا يمكن أن نطلب من الأبناء أن يكونوا أكثر وعيًا من البيئة التي يعيشون فيها.
إذا كان الأب يستخدم الذكاء الاصطناعي في كل شيء دون مراجعة، والأم تتعامل مع كل معلومة رقمية باعتبارها حقيقة، فمن الصعب أن نطلب من الأبناء التحقق والتفكير النقدي.
وليس مطلوبًا من الأب أو الأم أن يصبحا خبيرين في الذكاء الاصطناعي، بل يكفي أن يكون لديهما فضول للتعلم، وأن يتحول الحوار داخل المنزل من:
«كيف استخدمته؟ ولماذا؟ وهل تحققت مما قاله؟»
هذا النوع من الحوار يصنع وعيًا أكبر من عشرات التعليمات.
لن تستطيع الأسرة أن تمنع الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى أبنائها، ولن يكون من الواقعي أن تراقب كل سؤال يكتبونه وكل إجابة يحصلون عليها.
لكنها تستطيع أن تضع حدودًا سلوكية وأخلاقية.
تستطيع أن تعلم أبناءها أن هناك أشياء لا ينبغي مشاركتها، ومهام لا ينبغي تسليمها بالكامل للآلة، ومعلومات يجب التحقق منها، وقرارات لا ينبغي أن يتخذها الذكاء الاصطناعي نيابة عن الإنسان.