لا يمكن الحكم بسهولة على أداء التعليم لكونه متعدد المداخل ومركب الاتجاهاهت، ولكن أحيانا تظهر لك مؤشرات تعطي تصورات مقنعة عن ظاهرة معينة في التعليم (قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية) ، وهي تمثل انعكاسا واحدا لمجموعة العوامل التي ربما يصعب التعبير عنها أو قياسها بشكل مباشر بسهولة، ومن ذلك ولاء العاملين في التعليم لمهنتهم وحبهم لها، فإذا نجحت المؤسسة التعليمية في خلق هذا الولاء فلن يكون ذلك سوى مظهر مباشر لجودة إدارة عملية التعليم وتماهيها مع توقعات العاملين فيها، وتمثل زيادة نسبة التقاعد المبكر مؤشرا لتراجع هذه العلاقة الودية بين المعلمين ومهنتهم، وبحسب أرقام تاريخية منسوبة إلى إحصاءات وزارة الخدمة المدنية لعام 1438-1439هـ، بلغ عدد حالات التقاعد المبكر في قطاع التعليم 14,817 حالة، مقابل 4,483 حالة في بقية الوظائف الحكومية. وإذا نسبنا هذه الأعداد إلى القوى العاملة في القطاعين، البالغة 501,495 موظفاً في التعليم و676,329 في بقية الوظائف، فإن النسبتين تبلغـان 2.95 % من المعلمين يتقاعدون مبكرا مقابل 0.66% من موظفي الدولة الآخرين المتقاعدين مبكرا. أي أن نسبة التقاعد المبكر في التعليم تعادل نحو أربعة أضعاف ونصف نظيرتها في بقية الوظائف الحكومية! و إذا تفكرنا في أن نسبة موظفي التعليم تمثل 41 % من موظفي الدولة عموما فإن أهمية تلك النسب تتضاعف ! وتطرح تساؤلات حول أسباب عدم الرضا عن الوظيفة.
ولعل ما يجعل السؤال أكثر أهمية أن لدينا مؤشرات أخرى، بعضها يظهر في الممارسة المهنية، وبعضها تكشفه الدراسات الدولية الحديثة، ففي نتائج الدراسة الدولية للتعليم والتعلم (TALIS 2024)، التي نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2025، أفاد 63 % من المعلمين السعوديين المشاركين في المرحلة المتوسطة بأنهم يعدون كثرة الحصص مصدراً مهماً للضغط المهني، وأن 62% يرون كثرة أعمال التصحيح مصدراً للضغط، بينما أعرب 26 % من المعلمين دون الثلاثين عن اعتزامهم ترك التدريس خلال السنوات الخمس التالية.
وهناك ظاهرة أخرى تؤكد هذه العلاقة الضعيفة بالمهنة وهي صعوبة استقطاب المعلمين المتميزين لتولي إدارة المدارس أو العمل في الإشراف التربوي، فهؤلاء غالبا يفضلون عدم الانتقال لتلك المهام حتى لا يصطدموا بتناقضات وتغيرات متتالية في الانظمة وعدم استقررا في الموقف التربوي وغير ذلك من المشاكل الكثيرة ، ومع أن المفترض أن تكون هذه التكليفات فرصاً للتقدم المهني، لكن بعض المعلمين المتميزين يفضلون البقاء في الفصول الدراسية بدلاً من الانتقال إليها، وكثيرا ما كنا نرى الأقل إمكانيات علمية وخبراتية يرضون بالانتقال لها طمعا في المنزلة الاجتماعية التي يكتسبوها من تلك المناصب، وهو ما راكم مع الوقت عددا كبيرا من العناصر الضعيفة في المواقع القيادية، بل ومع السنوات الطويلة يصل بعضهم إلى مهام إشرافية في ديوان الوزارة نفسه ليشاركوا في صناعة القرارات!
وقد قدمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أكتوبر 2026 نتائج مهمة عن مديري المدارس السعودية ضمن دراسة TALIS 2024، إذ أظهرت أن 65% من مديري المدارس المتوسطة عدّوا المحافظة على الانضباط المدرسي مصدراً مهماً للضغط، و52% عدّوا المسؤولية عن تحصيل الطلاب مصدراً للضغط أيضاً. وإذا أردنا معالجة هذه القضايا بصورة علمية، فإننا بحاجة إلى دراسة وطنية تتبعية، تشترك فيها وزارة التعليم وهيئة تقويم التعليم والتدريب والجهات المعنية بالتقاعد، وتتناول ثلاثة مسارات: أسباب التقاعد المبكر ومقارنتها بالقطاعات الأخرى بعد ضبط المتغيرات المؤثرة، وأسباب عزوف المعلم المتميز عن القيادة المدرسية والإشراف. كما ينبغي دراسة العلاقة بين الاستقرار التنظيمي، والأعباء التدريسية والإدارية، والحوافز المهنية، وقرارات المعلمين المتعلقة بمستقبلهم الوظيفي، مع الاستماع إلى المعلمين أنفسهم بدلاً من الاكتفاء بتفسير سلوكهم من الخارج. لكن أهم ما يهمنا في هذا المؤشر المبدئي الآن هو أنه يقول إن التعليم بحاجة إلى أن يهتم بصورته ويجعل من نفسه شيئا محببا لذويه حتى يمكنه أن يحقق إنجازات ذات قيمة حقيقية.
لا يمكن الحكم بسهولة على أداء التعليم لكونه متعدد المداخل ومركب الاتجاهاهت، ولكن أحيانا تظهر لك مؤشرات تعطي تصورات مقنعة عن ظاهرة معينة في التعليم (قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية) ، وهي تمثل انعكاسا واحدا لمجموعة العوامل التي ربما يصعب التعبير عنها أو قياسها بشكل مباشر بسهولة، ومن ذلك ولاء العاملين في التعليم لمهنتهم وحبهم لها، فإذا نجحت المؤسسة التعليمية في خلق هذا الولاء فلن يكون ذلك سوى مظهر مباشر لجودة إدارة عملية التعليم وتماهيها مع توقعات العاملين فيها، وتمثل زيادة نسبة التقاعد المبكر مؤشرا لتراجع هذه العلاقة الودية بين المعلمين ومهنتهم، وبحسب أرقام تاريخية منسوبة إلى إحصاءات وزارة الخدمة المدنية لعام 1438-1439هـ، بلغ عدد حالات التقاعد المبكر في قطاع التعليم 14,817 حالة، مقابل 4,483 حالة في بقية الوظائف الحكومية. وإذا نسبنا هذه الأعداد إلى القوى العاملة في القطاعين، البالغة 501,495 موظفاً في التعليم و676,329 في بقية الوظائف، فإن النسبتين تبلغـان 2.95 % من المعلمين يتقاعدون مبكرا مقابل 0.66% من موظفي الدولة الآخرين المتقاعدين مبكرا. أي أن نسبة التقاعد المبكر في التعليم تعادل نحو أربعة أضعاف ونصف نظيرتها في بقية الوظائف الحكومية! و إذا تفكرنا في أن نسبة موظفي التعليم تمثل 41 % من موظفي الدولة عموما فإن أهمية تلك النسب تتضاعف ! وتطرح تساؤلات حول أسباب عدم الرضا عن الوظيفة.
ولعل ما يجعل السؤال أكثر أهمية أن لدينا مؤشرات أخرى، بعضها يظهر في الممارسة المهنية، وبعضها تكشفه الدراسات الدولية الحديثة، ففي نتائج الدراسة الدولية للتعليم والتعلم (TALIS 2024)، التي نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2025، أفاد 63 % من المعلمين السعوديين المشاركين في المرحلة المتوسطة بأنهم يعدون كثرة الحصص مصدراً مهماً للضغط المهني، وأن 62% يرون كثرة أعمال التصحيح مصدراً للضغط، بينما أعرب 26 % من المعلمين دون الثلاثين عن اعتزامهم ترك التدريس خلال السنوات الخمس التالية.
وهناك ظاهرة أخرى تؤكد هذه العلاقة الضعيفة بالمهنة وهي صعوبة استقطاب المعلمين المتميزين لتولي إدارة المدارس أو العمل في الإشراف التربوي، فهؤلاء غالبا يفضلون عدم الانتقال لتلك المهام حتى لا يصطدموا بتناقضات وتغيرات متتالية في الانظمة وعدم استقررا في الموقف التربوي وغير ذلك من المشاكل الكثيرة ، ومع أن المفترض أن تكون هذه التكليفات فرصاً للتقدم المهني، لكن بعض المعلمين المتميزين يفضلون البقاء في الفصول الدراسية بدلاً من الانتقال إليها، وكثيرا ما كنا نرى الأقل إمكانيات علمية وخبراتية يرضون بالانتقال لها طمعا في المنزلة الاجتماعية التي يكتسبوها من تلك المناصب، وهو ما راكم مع الوقت عددا كبيرا من العناصر الضعيفة في المواقع القيادية، بل ومع السنوات الطويلة يصل بعضهم إلى مهام إشرافية في ديوان الوزارة نفسه ليشاركوا في صناعة القرارات!