أصدرت لجنة مختصة في جامعة MIT (معهد ماساتشوستس للتقنية) تقريرا في الثالث عشر من شهر أغسطس 2026 عن الذكاء الصناعي: واقع استخدامه ومستقبله في الجامعة، وتكمن أهمية هذا التقرير في أن ما ورد فيه يمكن أن ينطبق في جزء كبير منه على كل الجامعات، بل ربما على كل المؤسسات التعليمية. استغرق إعداد التقرير والأبحاث المؤسسة له خمسة أشهر. سعت فيه اللجنة المكلفة «لفهم دور الذكاء الصناعي التوليدي في الحياة الجامعية والمهمة التربوية للجامعة، وتقديم التوصيات بكيفية التعامل مع تحدياته وفرصه.» والحقيقة أن التقرير كان متوازنا وواقعيا، خلاف ما قد يبدو للقارئ من بعض الإشارات في أوله.
كانت مهمة اللجنة تتلخص في:(1) تقويم الاستخدام الحالي للذكاء الصناعي في الجامعة،(2) تحديد الابتكارات في التدريس وتقويم الطلاب،(3) اقتراح سياسة لاستخدام الذكاء الصناعي.
تكونت اللجنة من طلاب بكالوريوس، ودكتوراه وأساتذة من كل الكليات وموظفين من وحدات ذات علاقة.
لكن قبل البدء باستعراض أهم ما ورد في التقرير لا بد من الإشارة إلى أمر كان واضحا في التقرير وهو أن التقرير يتحدث عن واقع جامعة MIT، وبيئتها وثقافة التدريس والبحث فيها، وأعرافها (سماها التقرير: التجربة التربوية). والتي تميزت كما يظهر من التقرير بتوفير بيئة عمل بحثية جماعية تشاركية وتربوية، ربما تكون خاصة بالجامعة. فهو لا يتحدث عن الجامعات عموما، أو عن البيئة التربوية في التعليم العالي بشكل عام. فكثير من القلق وكثير من المقترحات كانت مستندة على واقع الجامعة ذاتها. فالتقرير يرى أن الذكاء الصناعي وبعض الممارسات المرتبطة به ربما يهدد بعض جوانب هذه البيئة.
ابتدأ التقرير بالنص على أن (هذا التقرير دعوة للعمل).
اقتنعت اللجنة من عملية البحث أن «مجتمع جامعة MIT وخاصة أعضاء هيئة التدريس لا بد أن يتصدوا لعدد من الأسئلة العميقة المتعلقة بهيكل ومعنى وقيمة التعليم في الجامعة في عصر يكون فيه الذكاء الصناعي أحد عوامل متعددة تعقد مهمة الجامعة».
في هذا التقرير قامت اللجنة بتوضيح الجوانب الرئيسية للوضع التعليمي الحالي في الجامعة، ووضعت ثمانية مبادئ اعتمدت عليها، وترجو أن تكون موجهة للجامعة في العمل المستقبلي، وأوصت بإجراءات عاجلة وأخرى بعيدة المدى لأعضاء هيئة التدريس والإداريين.
فيما يتعلق بالذكاء الصناعي في واقع الجامعة، يؤكد التقرير أن الذكاء الصناعي التوليدي موجود في كل مكان. فالطلاب يستخدمونه بكثرة، بمشاعر مختلفة تجاهه. واتجاه الأساتذة نحوه يتراوح ما بين الاستكشاف المندفع والاعتماد المتزايد عليه إلى الشك والوجل منه والرفض. وهناك رغبة عامة لتبادل الخبرات والأفكار عنه.
بشكل عام يرى التقرير أن الذكاء الصناعي وممارساته تهدد ثقافة جامعة MIT من حيث تغيير هذه البيئة التربوية سواء في الجامعة أو في سكن طلابها القائمة على جعل الطلاب يعيشون حياة (تجربة) علمية بحثية تشاركية. كما أنه يزيد من عزلة الطلاب، خلاف ما تدعو له ثقافة التعلم التشاركية في الجامعة، ويهدد إتقان الطلاب وثقتهم بأنفسهم، يُضعف (العقد الاجتماعي) بين الأستاذ والطالب، يصعّب عملية تقويم الطلاب، يتحدى / يعترض عقودا من أعراف جامعة MIT وقيمها المميزة لها، فيما يتعلق بالصرامة والجد المطلوبين للتعلم، وحل المشكلات التعاوني، والاستقامة الشخصية.
يؤكد التقرير أن الذكاء الصناعي يوجِد تغيرات سريعة واضطرابات هيكلية [تغيرات جذرية] مستقبلية ، على جامعة MIT أن تتجاوب مع ذلك، ولا تتجاهله. يخلص التقرير إلى أن:
الطلاب مرتبكون وقلقون بسبب نقص الوضوح والاتساق فيما يتعلق باستخدام الذكاء الصناعي وتبرير ذلك، سواء في مقرر معين أو في كل المنهج.
كل مادة تدرّس في MIT من المحتمل أن تحتاج لأن تُفحص، وربما يعاد بناؤها ليُتأكد أن طريقة تدريس الطلاب ولماذا يتعلمون وكيف يقومون يراعي الذكاء الصناعي.
الذكاء الصناعي يغير ما يحتاج الطلاب أن يعرفوه، وكيف يفعلونه.
زيادة على التطبيقات لمقررات ومجالات معينة فإن ظهور الذكاء الصناعي يتطلب إعادة تقويم واسعة وشاملة لطبيعة ونطاق وهدف التعليم العالي اليوم.
لنكن متواضعين. فالذكاء الصناعي ابتكار حديث، وينتشر في حياتنا بشكل متسارع يصعب على المجتمع ملاحظة نتائجه والتكيف معها الآن، ولذلك يبدي التقرير روح التواضع فيما يقدمه من مقترحات.
لنكن جريئين. فالذكاء الصناعي رغم عدم وضوح نتائجه إلا أنه يحتاج إلى تعامل جاد وتغييرات جذرية. ويؤكد التقرير على أن الجامعة في مكانة تؤهلها لإيجاد طرق لتوظيف هذه التقنية الجديدة لصالح المجتمع والطلبة. فالذكاء الصناعي يقدم فرصا غير عادية من حيث توفير إمكانات غير مسبوقة للتعليم الخصوصي (معلم خاص للطالب) والتدريب ولتسريع القوي للبحث في كثير من المجالات. واقتناص هذه الفرص يحتاج ويستحق الجرأة. وعلى الجامعة أن توفر للطلاب انخراطا واستعمالا بنّاءً للذكاء الصناعي، وفهما عميقا لإمكاناته وسلبياته.
لنضع الإنسانية في المركز. فالبحث العلمي مع أهميته إلا أنه وسيلة لغاية أهم، لذلك يجب ألا يطغى استخدام الذكاء على الجانب الإنساني والجوانب الاجتماعية من عملية البحث والتطوير.
التركيز على التعلم. كثير من الواجبات التي تقدم في الجامعة لتعزيز التعلم يمكن للذكاء الصناعي حلها. استخدام الطلبة غير المنضبط للذكاء الصناعي يمكن أن يجعل التقويم التقليدي أقل موثوقية بوصفه مؤشرا لتعلم الفرد، وربما أضعف الثقة في الدرجات والشهادات. بالنسبة للتربويين فإن هذا التغير الجذري في المعايير والتوقعات يمكن أن يكون مربكا بشكل عميق. لكن ما يجب أن يقلق هو أن كثيرا من استخدامات الذكاء الصناعي يحرم الطلاب من الفرص للتعلم. إلا أن التهديد الذي قدمه الذكاء الصناعي للطرق المعتادة للتدريس والاختبار قد يكون في حقيقته أمرا حسنا، لكي نعيد النظر في الممارسات السابقة ونطورها.
التدريس بوعي. تحتاج كثير من المقررات في الجامعة إلى إعادة نظر ومراجعة دقيقة. الذكاء الصناعي يهدد الفرضيات التدريسية التي توجه اختيار المحتوى التدريسي وطرق التدريس والتقويم. حان الوقت للتفكير بعمق وتأنٍ في ما ندرّسه وكيف ندرسه. التدريس الواعي يعزز التعلم الواعي.
لا يوجد قياس واحد يناسب الجميع. لكل حال ما يناسبها.
التعزيز وليس الأتمتة. يجب أن يعزز الذكاء الصناعي عملنا وممارساتنا، وليس أن يحل بديلا عنا. يجب أن يعزز الذكاء الصناعي الفضول العلمي والإبداع والتعلم، ولا يتولى تنفيذها بشكل آلي.
يجب أن نفكر في ما هو أبعد من قاعة الدراسة والجامعة. يجب أن يتعلم الطلاب استخدام الذكاء الصناعي بحكمة في حياتهم العامة وخدمة المجتمع.
يؤكد التقرير بعد هذه المبادئ أن الغاية ليس حماية الطلاب من الذكاء الصناعي، وليس المحافظة على الأنماط التربوية الحالية لذاتها، إنما الغاية هي أن يدعم استخدام الذكاء الصناعي تطوير أناس يستطيعون التفكير نقديا ويتصرفون بمبادرة، ويعملون بإنتاجية مع الآخرين ويفهمون نتائج اختياراتهم في عالم مشترك.
يؤكد التقرير في النهاية أن الذكاء الصناعي يقدم عددا من التحديات، لكنه أيضا يقدم عددا من الفرص الثمينة. انتهى التقرير إلى عدد من التوصيات:
تعديل العملية التربوية، لتناسب عالم الذكاء الصناعي.
التركيز على الناس والمجتمع وخبرة الإقامة داخل الجامعة.