نزار صابور… من الأيقونة إلى رماد الحرب

يختصر معرض «عبر الزمن» للفنان السوري نزار صابور في بيروت نحو خمسة عقود من التجريب التشكيلي، من البورتريه إلى الأيقونة والتجريد. بين الرماد والتراب وورق الذهب والخشب، تتشكّل لغة بصرية تستحضر الموروث الروحي والأسطوري السوري، وتوثّق تحوّلات الذاكرة والمكان، وصولاً إلى آثار الحرب والدمار في تجربة فنية متجدّدة

معرض استعاديّ للفنان السوريّ نزار صابور في غاليري «جاه» في بيروت، يعيد تسليط الضوء على تجربة تشكيلية فريدة وعريقة مُنحت عنوان «عبر الزمن». عنوان المعرض ملائم لأنّ مسار صابور طويل ويشهد زمنياً على محطات ومراحل، بعضها صعب وقاسٍ جداً مثل الحرب السورية التي آلمت وجدانه كثيراً وعبّر عنها بأعمال كثيرة. لكن قبل الحرب، كانت لصابور تجربة صوفية إشراقية منبعها الأيقونة التي أطلّ منها على رحاب التعبير المعاصر، فلوحته لا تستعيد زمن النساك والقديسين بقدر ما تجسّد نكوص الإنسان الحديث في لحظة وجودية آنية.

يحلم صابور بعالم خالٍ من الصراع، مليء بالحب والنور، ويسعى إلى إطلاقية لونية تفرج عن قلق داخليّ، لذا كانت «الأيقنة» في فنه أفضل شكل لبلوغ كنه الذات، ببساطة الحب نفسه، مستمدّة عناصرها من الحياة. الفن بالنسبة إليه شحنة انفعالية تخرج بقوة من القلب إلى القلب. ورغم أنه درس في روسيا وتأثر بالفن الشعبي الروسي وبفن الأيقونات وبأعمال الفنانين الحداثيين كاندينسكي وماليفيتش وشاغال، إلا أنّه أصرّ على البقاء ابناً لبيئته المشرقية، مهتماً على الدوام بالنَسَب الشرقي لشخوصه وبحركة التكوين والزخرفة.

من الأيقونة إلى المقدّس الإنساني

تحمل أعمال صابور دلالات روحية نابعة من افتتانه بالأيقونات الدينية مذ كان طفلاً ينظر إلى أيقونة صغيرة في فتحة تشبه الكهف في جدار منزل العائلة. أمام هذه الأيقونة، كان ثمة مصباح زيتيّ بسيط مضاء باستمرار عاكساً نوره على الأيقونة. أما عناصر «الأيقنة» في أعماله، فتتمثّل في اللوحات الثلاثية (Triptyque) والخشب المنقوش، وورق الذهب، والرماد، والرمل، واللون المطفأ، والخزائن الخشبية. فالإطار الخشبي يتخذ لديه دور الوسيط في ثنائية الداخل والخارج، لينقلنا من الحيّز المادي إلى المطلق.

«من دون عنوان». ٢٠١٩/٢٠٢٢. مواد مختلفة على كانفاس. ٤٤* ٣١٠ سم

تمتدّ هندسة التعبير في لوحاته الأيقونية إلى رسم العناصر الإيقاعية داخل اللوحة إلى حدّ الأسلبة، مثل «موتيفة» القديس وهالته. وثمة الأبجديات الهندسيات الأولى، الدائرة والمثلث والمربع، مع مفردات وإشارات تنتظم حركتها مثل الألواح النحتية السورية القديمة، حيث يتقابل النحت مع الرسم، ويدور حوار بين الكتلة الخشبية ومسطحات اللون.

تبدو لوحته مساحة صوفيةً متخفّفة من آثار العالم الاستهلاكي، منطويةً على العالم الداخليّ الذاتي، مرتدّةً إلى الذاكرة الروحية، شاهدةً على الزمان والمكان. فالبيئة المسيحية بين القلمون ومعلولا السوريتين لم يغب تأثيرها وإلهامها لدى نزار صابور، مع تجاوزه البعد الديني المحدّد إلى البعد الإنسانيّ الأشمل، وليست الأيقونة في أي حال بعيدة عنه.

لا يناقش صابور المقدس بل يسلّم بداهةً بوجوده، فهو ليس عالماً ماورائياً، غيبيّاً فحسب، بل هو وجوديّ وراهن. وإذ يبني صابور حدود لوحته من خلال مضاعفة سماكة إطارها الخشبي (خزانتها) فإنّه لا يحجب عن لوحته حرية تعبيرها الفني، بل يفتح عين الناظر إلى اللوحة على «المقدس» الذي تقترحه في بؤرة الإطار. لا ينتمي هذا المقدس إلى الغيب فحسب بل هو مسكن الإنسان وأرضه. عناصره هندسية: المثلث يردّ إلى مكانة الرقم ثلاثة في التصورات الدينية والروحية، والدائرة هي شكل قبب المساجد والكنائس والمزارات والهالة الروحانية فوق رؤوس القديسين، والمربع لخلق الحركة التي تولّد الوحدة المكانية والزمن الخاص بالعوالم المقدسة. ولعلّ صابور استلهم من الأرابيسك العربي تكرار الوحدة المعينة لخلق الزمان.

خمسة عقود من التحوّلات التشكيلية

تنقّلت مسيرة نزار صابور الفنية بين البورتريه والمنظر الطبيعي والأيقونة الدينية والتجريد، فضلاً عن استكشاف المواد الطبيعية. المعرض الاستعادي الحالي في «غاليري JAh» في كليمنصو، بالاشتراك مع «غاليري دمشق»، وتنظيم من أسامة ملوح، يجمع أعمالاً فنية أنجزت بين عامي 1976 و2022، مختصراً نحو خمسة عقود من التجارب الفنية المرتبطة بالتاريخ والثقافة والروحانية السورية، فصابور المولود في اللاذقية عام 1958 درس الفنون الجميلة في جامعة دمشق قبل نيله الدكتوراه في فلسفة الفن من «أكاديمية ستروغانوف» في موسكو.

«من دون عنوان». 1979. مواد مختلفة على كانفاس. 80* 60 سم.

وقد أسهمت خلفيته الأكاديمية هذه في تطوير معارفه بالحضارات القديمة والتقاليد الدينية، وفي إثراء مفرداته الفنية والإنسانية، فأعماله التي تعود إلى أواخر السبعينيات من القرن الماضي متجذرة في التعبير التصويري، مع بورتريهات ذاتية وتكوينات تعكس اهتماماً بالإنسان ومحيطه العام، كما هي اللوحة الشخصية التي تعود إلى عام 1978 ويرتدي فيها صابور لباساً أزرق داكناً، ضمن خلفية هندسية ذات أشكال رمزية، وفي لوحة لطبيعة صامتة من فخار وتمثال نصفي منحوت وزجاجات وأغراض مألوفة مرتبة في ديكور منزلي. هذه الأعمال من المرحلة الأولى مثيرة للاهتمام، إذ تكشف علاقة صابور بالرسم الكلاسيكي التقليدي قبل استكشافه التدريجي للأسطح الأكثر تعقيداً. ألوان منتقاة بعناية وافتتان بالإمكانات التعبيرية للأشكال والمواضيع البسيطة.

حين تتحوّل عناصر الأرض إلى ذاكرة

أحد أبرز جوانب فن نزار صابور استخدامه للمواد، فالتراب والرمل والرماد والأصباغ المستخرجة من نوى الزيتون المحروقة تغدو عناصر أساسية لأسلوبه الفني، ويضفي ورق الذهب أحياناً لمسة ألق على سطح اللوحة المرتبطة بموضوع ديني. فاستخدام هذه المواد يهب لوحاته بعداً مادياً استثنائياً. الأسطح الخشنة وقوامها غير المنتظم وطبقاتها المتراكمة توحي بمظهر الجدران القديمة والقطع الأثرية واللوحات الجدارية المتآكلة.

ثمة ما هو مؤثر في فكرة استخدام صابور عناصر الأرض نفسها لكي تمثّل تاريخها، فالجوهر المادي للوحاته جزءٌ لا يتجزّأ من مواضيعها. ويسهم استخدامه المتكرر للخشب في الثراء المادي والروحي على السواء، إذ تشبه أعماله لوحات دينية صغيرة، فيما توحي أعمال أخرى بأشكال معمارية أو قطع أثرية، وغالباً ما تشارك الحواف والإطارات والفواصل في تكوين العمل الفني، موسّعة إطار اللوحة نحو جوهرها المركزي.

«من دون عنوان». ٢٠١٩. مواد مختلفة على كانفاس. ٤٤* ٣٠ سم

للأيقونة الدينية مكانة مهمة في تطور نزار صابور الفني، فشخوصه الأمامية ذات القامات الطويلة والتعبيرات الجليلة تحيلنا على الأيقونات القديمة. نشاهد في المعرض مثلاً صورة زرقاء للمسيح على الصليب أمام خلفية ذهبية. التباين بين الأزرق الحادّ والذهبي الدافئ والقلب الأخضر الصغير يمدّنا بإحساس بصريّ رائع.

وفي أعمال أخرى ذات طابع أيقونيّ نرى قديسين ووجوهاً محاطة بهالات ذات تعابير غير جليّة. يتبدّى لنا شغف صابور بالبعد الروحانيّ والإنسانيّ، فالألم والتأمل والحنان والزهد مفردات بصرية متكررة وشديدة الحضور في لوحاته، تربط على نحو فريد قروناً من الفن الديني مع الرسم المعاصر.

تشكل المواقع التاريخية في تدمر ومعلولا مصدر إلهام لصابور، فهندستها المعمارية ومكانتها الروحية أمدّتاه بتأملات تعبيرية حول التراث الثقافي والذاكرة الجماعية، فضلاً عن الدمار الذي لحق بهذه الأمكنة خلال الحرب السورية.

التجريد والأسطورة... طبقات من التاريخ السوري

للتجريد حصته أيضاً في أسلوب نزار صابور، فعدد من أعماله المعلقة في المعرض تتمحور حول الدوائر والأشكال الهندسية والعلامات المتكررة والكتابات الرقيقة. سلسلة من أعماله هذه تعود إلى سنة 2016 وفيها أشكال دائرية داكنة محاطة بأسطح منقوشة، مع تدرجات دقيقة من الرمادي والأسود والعاجي والبرتقالي.تتميز هذه اللوحات بجاذبية خاصة بفضل توازناتها الهندسية وتنوّع ملمسها. توحي الدوائر بالأجرام السماوية أو الأختام القديمة أو الرسوم البيانية الرمزية، بينما تستحضر الأنماط المحيطة بها الفسيفساء والتفاصيل الزخرفية.

التراب والرمل والرماد والأصباغ عناصر أساسية في أسلوبه الفني

وفي لوحة تجريدية من العام 1998 تأتي الألوان أكثر قتامة، مع لمسات من البنفسجي والأصفر والأحمر متناثرة على سطح أسود. تكوين يتميز بعمق مثير، حيث تبدو أشكال صغيرة مضاءة كأنها منبثقة من داخل طبقات اللون المتراكمة.

الإرث الأسطوريّ القديم، مثل ملحمة غلغامش، وحضارات بلاد ما بين النهرين القديمة، هي مصدر إلهام أساسيّ لصابور، أسوةً بالأيقونة، فكثيراً ما تظهر في لوحاته شخوص بشرية وحيوانات وهياكل معمارية ورموز معاً، ما يوحي بروايات مستمدة من حقب تاريخية مختلفة.

في عدد من أعمال المعرض الاستعادي، المتعدّدة الوسائط، نرى أشكالاً مألوفة وسط مساحات من التجريد والنقوش وشظايا الزخرفة، حيث تتقاسم الأشكال والكتابات السرد البصريّ. في هذا النوع من التجريد «الأسطوري»، تختلط الأساطير القديمة بالطقوس الدينية بتجارب النزوح والدمار المعاصرين وبالتجوّل بين هذه الحقب المختلفة يمكن إدراك كيفية تطوير الرسام علاقته العميقة بتاريخ بلاده، فكل حقبة تضيف بعداً جديداً إلى استكشاف تعبيره الفني المتجدّد.

«عبر الزمن»: حتى 15 تشرين الثاني (نوفمبر) ـ غاليري «جاه» (كليمنصو ـ بيروت)