نحن أهدأ من الضجيج وأثبت من العاصفة وأوعى من الشائعة والمبالغة – رمضان جريدي العنزي

لا ترهبنا صافرات الإنذار، ولا تُزعزع ثباتنا صواريخُ العدو، لا تزعجنا العواصف مهما اشتدت، ولا تهزنا التهديدات، ولا ينال منا ضجيج الكلمات، ولا ضوضاء الحديث، وثرثرة التحليلات، وأنباء الفاسقين، وأمنيات الحاقدين، ولغو المحدثين، لا نتبدل ولا نتغير، ونحفظ هدوءنا حين يحاول الضجيج أن يصنع من الخوف واقعاً، فهذه أرضنا تعودت أن تقف شامخة حين تضطرب من حولها المواقف، وأن تواجه الخطر بعقل ثابت، وإرادة لا تنكسر، وثقة لا تهتز، نحن لا نستخف بالخطر، ولا نغفل عن الأحداث، ولا نتعامل مع التهديدات بمنطق الغفلة، لكننا نعرف بأن الخطر يواجه بالوعي، وأن الأزمات تدار بالعقل، وأن المجتمع الشامخ يلفظ الهلع، ويرفض الفوضى، فليعلُ صوت الإنذار ما شاء، فالأوطان العظيمة لا تُقاس بما يُقذف عليها، بل بما يبقى فيها من ثبات حين يتساقط الخوف، ومن يقين حين تضطرب النفوس، وهنا وطن ثابت بقيادته وأهله، راسخ بعزيمته، واثق بقدرته، يعرف أن الأمن يُصان، والوطن يُحمى، والراية لا تنحني، ومن ظن أن الخوف يُرعبنا، فقد أخطأ العنوان، هنا وطن إذا اشتدت العواصف، ازداد ثباتًا، وإذا ارتفع الخطر، ارتفعت رايته شامخة عالية، قد تعصف الرياح، لكن الجذور لا تتعلم الانحناء، وقد تضطرب الأجواء، لكن الأرض لا تفقد ثباتها، وقد تتسارع الأخبار، وتتعدد الروايات، وتتسابق الحسابات في صناعة العناوين، لكن العاقل لا يجعل هاتفه قائدًا لعقله، ولا يجعل من كل شائعة حقيقة، ولا من كل تحليل نبوءة، ولا من كل صوتٍ مرتفع دليلًا على صحة ما يقول، في زمن الفتن، ليست كثرة الكلام فضيلة، وليس السبق إلى النشر بطولة، وليس نقل كل ما يصل إلى المرء وعيًا، الوعي أن تعرف متى تتحدث، ومتى تصمت؛ ومتى تنقل، ومتى تتثبت؛ ومتى تتابع، ومتى تُغلق أبواب الضجيج، فالكلمة في أوقات الشدة ليست حروفًا عابرة، قد تكون طمأنينةً في قلب، وقد تكون خوفًا في قلب آخر، وقد تكون وعيًا يحمي مجتمعًا، وقد تكون شائعةً تشعل قلقًا لا مبرر له، ولهذا، فإن أعظم ما يفعله الإنسان في أوقات الاضطراب أن يحفظ اتزانه، لا ينجرف خلف كل خبر، ولا يركض خلف كل إشاعة، ولا يمنح المجهولين سلطةً على مشاعره، ولا يسمح لثرثرة المجالس أن تصنع له حقيقة، فليس كل ما يُقال يُصدّق، وليس كل ما يُنشر يُتداول، وليس كل من تحدث امتلك علمًا، وقد يكون الصمت في موضعه أبلغ من ألف كلمة، وقد يكون التثبت أبلغ من ألف تحليل، إن الذين يريدون أنينالوا من الأوطان لا يبحثون دائمًا عن ثغرةٍ في حدودها؛ أحيانًا يبحثون عن ثغرةٍ في وعي أهلها، وعن نافذة يدخلون منها إلى نفوسهم بالخوف والإشاعة والارتباك، وهنا يكون الوعي الوطني حصنًا لا يقل أهمية عن أي حصن آخر، حين يكون الإنسان واثقًا، واعيًا، متزنًا، فإنه لا يسمح للضجيج أن يصادر سكينته، ولا للأخبار أن تستنزف طمأنينته، ولا للتهديدات أن تسلبه رشده، نحن نعرف أن الأيام ليست كلها هادئة، وأن الأوطان قد تمر بظروف صعبة، وأن المنطقة قد تضطرب، وأن الأخطار قد تقترب؛ لكننا نعرف أيضًا أن لكل ظرف رجاله، ولكل خطر مؤسساته، ولكل مرحلة وسائلها، وأن مسؤولية المواطن في أوقات الشدة أن يكون جزءًا من الوعي والاستقرار، لا جزءًا من الفوضى والتهويل، فإذا جاءت الأخبار، قابلناها بالعقل، وإذا ارتفعت صافرات الإنذار، قابلناها بالهدوء والالتزام، وإذا انتشرت الشائعات، قابلناها بالتثبت، وإذا حاول الحاقدون أن يصنعوا من أمنياتهم واقعًا، تركنا أمنياتهم لهم، ومضينا في طريقنا، لا يعنينا ما يتمنى الحاقدون، ولا ما يروّج المرجفون، ولا ما ينسج المتربصون؛ فالأوطان لا تُدار بأمنيات الآخرين، ولا تتشكل وفق رغباتهم، نحن نعرف وطننا، ونعرف قيمته، ونعرف أن الاستقرار الذي ننعم به ليس صدفة، وأن الأمن ليس كلمة تُقال، وإنما منظومة تُبنى، ومؤسسات تعمل، ورجال يسهرون، ومجتمع يعي مسؤوليته، ولهذا فإن الثبات ليس شعارًا نرفعه حين تهدأ الأمور، بل موقفٌ يظهر حين تضطرب، ففي الرخاء يستطيع الجميع أن يتحدث عن القوة، أما في الشدة فتظهر حقيقة الثبات، هناك من تصنعه المواقف، وهناك من تكشفه المواقف، هناك من إذا اضطربت حوله الأصوات، استقام صوته الداخلي، وهناك من إذا ارتفع صوت الخطر، فقد القدرة على التمييز، ونحن نختار أن نكون من الذين لا تسرق الأحداث عقولهم، ولا تُسقطهم الشائعات، ولا تجعلهم التهديدات أسرى للقلق، سنظل نرى الأمور بحجمها الحقيقي، لا نستهين بالخطر، ولا نُضخّمه، لا ننكر الواقع، ولا نستسلم للتهويل، نحن أهدأ من الضجيج، وأثبت من العاصفة، وأوعى من الشائعة، وقد تعلو أصواتٌ كثيرة، وقد تتبدل الروايات، وقد يكثر المحللون والمتحدثون، لكن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، والوطن لا يحتاج إلى المبالغة كي يثبت قوته، يكفي أن يبقى أبناؤه متماسكين، يكفي أن يبقى وعيهم حاضرًا، يكفي أن يعرف كل إنسان أن دوره في الأزمات ليس أن يزيد النار حطبًا، بل أن يكونجزءًا من إطفائها، فليعلُ صوت الإنذار ما شاء، ولتشتد العواصف ما شاء، ولتكثر التهديدات ما شاء، لن نسمح للخوف أن يقودنا، ولا للضجيج أن يحدد مواقفنا، ولا للشائعات أن تعبث بعقولنا، نحن لا نزعم أن الطريق بلا عواصف، نحن نعرف أن العواصف تأتي، لكننا نعرف أيضًا أن الجذور العميقة لا تقتلعها الرياح، قد تضطرب الأجواء، لكن قلوبنا لا تضطرب، قد يتبدل المشهد، لكن بوصلتنا لا تتبدل، قد ترتفع الأصوات، لكن صوت العقل يبقى أعلى، فليقل الحاقدون ما شاؤوا، وليحلّل المحللون ما شاؤوا، ولينشر المرجفون ما شاؤوا؛ أما نحن، فنعرف أرضنا، ونعرف وطننا، ونعرف أن الثبات ليس أن لا تأتي العاصفة، بل أن تأتي العاصفة، فنظل واقفين، فالتهديد عابر، والضجيج عابر، والعاصفة عابرة، أما الوطن الراسخ، فباقٍ، لا تهزّه الريح، ولا تُزعجه الأصوات النشاز، فالعاصفة مهما اشتدت إلى زوال، فليعلم من يتربص بنا، وليفهم من يهددنا، أن وطناَ يسكنه هذا اليقين، ويحرسه هذا الوعي، ويقف خلفه شعب متماسك، لا يهمه صرخة منافق، ولا تهزه عاصفة، ولا تنال منه أمنية حاقد.