من 425 إلى 2790: قرارات دولية لا تنهي الاحتلال وتُنهي مهمة اليونيفيل

منذ صدور القرار 425 في العام 1978 دخل لبنان في علاقة مع قرارات مجلس الأمن لم تكن يوماً مجرد علاقة قانونية بين دولة ومنظمة دولية. فقد أنشأ القرار 425 قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بناءً على طلب الحكومة اللبنانية وذلك بهدف تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية، واستعادة السلام والأمن الدوليين، ومساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعلية في الجنوب. لكن القرار الذي كان يفترض أن يفتح الطريق أمام استعادة السيادة اللبنانية بقي، لسنوات طويلة، عاجزاً عن تحقيق غايته الأساسية. وبقيت إسرائيل في أجزاء من الأراضي اللبنانية إلى أن انسحبت قواتها من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000 تحت ضغط عمليات المقاومة، فيما تحولت اليونيفيل تدريجياً من قوة يفترض أن تواكب الانسحاب الإسرائيلي إلى قوة دولية دائمة الحضور في منطقة حدودية شديدة الحساسية. بعدها جاء القرار 1559 في العام 2004 بلغة مختلفة. فقد جمع بين الدعوة إلى احترام سيادة لبنان واستقلاله، وانسحاب القوات الأجنبية وحلّ الميليشيات ونزع سلاحها وتوسيع سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها. الثابت أن القرار 1559 جاء في قلب مرحلة شديدة التوتر حول النفوذ السوري في لبنان، ومستقبل النظام السياسي، والسلاح، والعلاقة بين لبنان وسوريا، وأن اغتيال الحريري أعاد رسم المشهد اللبناني والإقليمي بصورة عميقة. في العام 2006 صدر القرار 1701 لإنهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان. وكان لافتاً أنه لم يضع المسؤولية على طرف واحد؛ فقد دعا إلى وقف هجمات حزب الله ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية الهجومية، وربط وقف الأعمال العدائية بانتشار الجيش اللبناني واليونيفيل في الجنوب، وبانسحاب القوات الإسرائيلية بالتوازي مع هذا الانتشار. كما رفع عديد اليونيفيل إلى 15 ألف جندي. لكن القرار 1701 شأنه شأن القرار 425 لم يتحول إلى تسوية نهائية للمشكلة اللبنانية.وبعد حرب 2024 عاد القرار 1701 إلى واجهة المشهد من خلال الركون إليه في ترتيب اتفاقية وقف الأعمال العدائية في 26 تشرين الثاني 2024 وبات الإطار المرجعي للنقاش حول الجنوب والسلاح والجيش اللبناني والانسحاب الإسرائيلي. انسحاب اليونيفل والقرار 2790 في 28 آب 2025 أصدر مجلس الأمن القرار 2790 بالإجماع والذي مدّد ولاية اليونيفيل لكنه تضمن عبارة «للمرة الأخيرة» حتى 31 كانون الأول 2026. لكن المفارقة الأكثر أهمية موجودة في القرار نفسه، أنه اعتبر أن الوضع القائم في لبنان يشكل «تهديداً للسلم والأمن الدوليين» وطالب إسرائيل بالانسحاب إلى شمال الخط الأزرق، بما في ذلك خمسة مواقع داخل الأراضي اللبنانية التي يشير القرار إلى استمرار وجود القوات الإسرائيلية فيها، مع التنويه الى استمرار الانتهاكات والغارات الجوية والطائرات المسيّرة على لبنان. إذا كان القرار 2790 يربط بين انسحاب إسرائيل وانتشار الدولة اللبنانية من جهة، وبين انسحاب اليونيفيل من جهة أخرى، فهل ما زالت شروط الانتقال الذي افترضه القرار متوافرة على الأرض؟ هنا ينبغي على الدبلوماسية اللبنانية أن تكون أكثر دقة وجرأة في مخاطبة المجتمع الدولي، لأنه إذا كان وجود السلاح خارج سلطة الدولة عنصراً من عناصر عدم الاستقرار فإن وجود قوات أجنبية داخل الأراضي اللبنانية هو أيضاً عنصر لا يمكن تجاوزه عند تقييم أسباب عدم الاستقرار. والتساؤل المشروع اليوم: كيف يمكن لليونيفيل أن تنسحب فيما تبدو الحاجة إليها أكبر؟ وإذا كانت إسرائيل لا تزال محتلّة لأراض لبنانية، وإذا كان الجيش اللبناني لم يستلم جميع المواقع، وإذا كانت الانتهاكات مستمرة، فلماذا يصبح خروج القوة الدولية هو الأولوية بدلاً من معالجة أسباب عدم الاستقرار؟ من يحدد شكل القوة الدولية في الجنوب؟ تزداد المسألة حساسية عندما يصبح شكل القوة الدولية التي ستبقى في الجنوب موضوعاً للنقاش بين الدول. فإذا كانت وظيفة القوة الدولية هي مراقبة تنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار فمن المنطقي أن تكون مستقلة ومحايدة تجاه طرفي النزاع. أما إذا أصبحت الدولة المحتلة الموجودة عسكرياً داخل الأراضي اللبنانية طرفاً مؤثراً في تحديد طبيعة وهوية القوة الدولية التي يمكن أن تبقى أو تدخل الجنوب، فإن السؤال لا يعود تقنياً. فلا يمكن أن تكون الأراضي اللبنانية مسرحاً لوجود عسكري إسرائيلي، ثم تصبح إسرائيل في الوقت نفسه طرفاً في تحديد الجهة الدولية التي يُسمح لها بالعمل في هذه الأراضي. الثابت أن القرار 1559 جاء في قلب مرحلة شديدة التوتر حول النفوذ السوري في لبنان، ومستقبل النظام السياسي من هنا يجب أن تكون الأولوية الدبلوماسية اللبنانية واضحة، فأي ترتيبات دولية مستقبلية في الجنوب يجب أن تقوم على قرار لبناني ودولي، لا على قبول أو رفض طرف يحتل جزءاً من الأرض التي يفترض أن تعمل فيها هذه القوة.المعلومات المتوافرة حالياً تشير إلى أن المسألة أكثر تعقيداً من مجرد انسحاب اليونيفيل. ففرنسا وعدد من الدول الأوروبية والعربية يبحثون بالفعل في ترتيبات لما بعد اليونيفيل، كما عقدت في باريس اجتماعات عسكرية لبحث احتمال وجود دولي أو أوروبي جديد في لبنان. وفي الوقت نفسه، أعلنت أكثر من عشر دول أوروبية استعدادها للمساهمة في مهمة لدعم الجيش اللبناني. لكن الفرق جوهري بين تمديد اليونيفيل باعتبارها قوة تابعة للأمم المتحدة وبين إنشاء مهمة دولية أو أوروبية جديدة قد تكون طبيعتها ومهماتها وقواعد اشتباكها مختلفة.يستند المدافعون عن إنهاء المهمة إلى أن اليونيفيل قوة مؤقتة، وأن الغاية النهائية من القرار 1701 هي تمكين الدولة اللبنانية والجيش اللبناني من تولي المسؤولية الأمنية كاملة في الجنوب. غير أن السؤال لا يتعلق بمبدأ انتقال المسؤولية إلى الدولة اللبنانية، وهو مبدأ لا خلاف عليه، بل بتوقيت هذا الانتقال وشروطه والفراغ الذي قد ينشأ عنه في ظل استمرار الاحتلال والانتهاكات. ثمة تساؤلات مشروعة في هذا الصدد: ما هي المهمة التي ستطلب من هذه القوات؟ وما هي قواعد الاشتباك التي ستكرسها؟ وما مدى استقلالها عن إرادات الدول الكبرى وعن طرفي النزاع؟ ليس المطلوب من وزارة الخارجية اللبنانية أن تكتفي بالقول إن لبنان يريد تمديد اليونيفيل، بل المطلوب أن تقدم إلى مجلس الأمن حجة متكاملة تقول إن الظروف التي كانت قائمة عند اعتماد القرار 2790 قد تغيرت بصورة جوهرية، وهذه الحجة لا تعني رفض الدولة اللبنانية لمبدأ حصرية السلاح بيدها. بإمكان الدبلوماسية اللبنانية أن تؤكد على سيادة الدولة وقرار انتشار الجيش اللبناني، وفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي لكن أن تربط ذلك بتحقيق شرط انسحاب جميع القوات الأجنبية من الأراضي اللبنانية. وفي ظل عدم القدرة على تحقيق ذلك نتيجة واقع الاحتلال فالحل يكون بطلب عدم انسحاب اليونيفل قبل أن تتحقق الشروط التي تجعل هذا الانسحاب آمناً ولا يؤدي إلى فراغ. من القرار 425 إلى القرار 2790 ثمة تساؤل مشروع: ماذا حققت القرارات الدولية للبنان خلال ما يقارب نصف قرن؟ فالقرار 425 نص بوضوح على الانسحاب الإسرائيلي واستعادة السلام ومساعدة الدولة اللبنانية على استعادة سلطتها في الجنوب. والقرار 1559 تحدث عن السيادة اللبنانية وسحب القوات الأجنبية وبسط سلطة الحكومة على كامل الأراضي. والقرار 1701 جمع بين وقف العمليات العسكرية، والانتشار اللبناني والدولي، والانسحاب الإسرائيلي، وبناء منطقة جنوبية خالية من السلاح غير الحكومي. أما القرار 2790 فيطلب مرة أخرى الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الدولة اللبنانية، وحصرية السلاح والسلطة بيد الحكومة، لكنه في الوقت نفسه يحدد نهاية ولاية القوة الدولية التي يفترض أن تساعد على تنفيذ هذا الانتقال. هل نحن أمام مسار متكامل نحو استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها، أم أمام إدارة دولية متعاقبة للأزمة اللبنانية من قرار إلى قرار؟ نعم لا يكفي أن نرفض القرارات الدولية... يجب أن نخاطبها.قد يكون من السهل لبنانياً انتقاد مجلس الأمن واتهامه بازدواجية المعايير أو بالخضوع لموازين القوى الكبرى. لكن السياسة الخارجية الفعالة لا تكتفي بالاعتراض بل تحتاج إلى صياغة بديل. وفي حالة اليونيفيل، البديل واضح وهو أن تطلب الحكومة اللبنانية رسمياً إعادة النظر في الجدول الزمني للقرار 2790، وأن تقدم إلى مجلس الأمن تقريراً موثقاً عن الواقع الميداني الجديد، وأن تربط استمرار الوجود الدولي بوجود الاحتلال والانتهاكات وعدم اكتمال الانتشار اللبناني، وأن تطلب عدم حصول أي فراغ أمني قبل الاتفاق على آلية بديلة تحظى بتفويض واضح من مجلس الأمن وقبول لبنان. أما في حال تعذر التمديد الكامل، فيمكن طرح تمديد انتقالي إلى حين استكمال آلية بديلة، بدلاً من الانتقال من وجود دولي قائم وفاعل إلى فراغ ثم محاولة ملئه لاحقاً. السيادة لا تتجزأ الأزمة اللبنانية اليوم ليست في القرار 2790 بل في كيفية قراءة لبنان لموقعه داخل النظام الدولي. فإذا كانت الدولة اللبنانية تطالب بتطبيق 1701، فمن حقها أن تطالب بتطبيق كل عناصره، لا تلك المتعلقة بالسلاح وحده. وإذا كان المجتمع الدولي يطالب الدولة اللبنانية ببسط سلطتها على كامل أراضيها، فعليه أن يطالب في الوقت نفسه بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية. اليونيفيل أنشئت أصلاً لمساعدة لبنان على استعادة سلطته، وإنهاء مهمتها في لحظة وجود احتلال وانتهاكات مستمرة يحتاج إلى تفسير سياسي وقانوني مقنع. ولا ينبغي للبنان أن يرفض أي وجود دولي لمجرد أنه دولي، ولا أن يقبله لمجرد أنه أوروبي أو غربي. المعيار يجب أن ينطلق من اعتبارات وطنية، وأن تُبنى الإجابة على سؤال واضح: هل يساعد هذا الوجود على حماية السيادة اللبنانية وتنفيذ القرارات الدولية بصورة متوازنة، أم أننا أمام أداة جديدة لإدارة الصراع وفق مصالح القوى الكبرى؟لبنان لا يحتاج إلى قوة دولية تحل محل اليونيفيل بأي ثمن. لبنان يحتاج إلى قوة دولية ذات تفويض واضح، محايدة، غير خاضعة لإرادة أي طرف من أطراف النزاع، تعمل على أرض لبنانية وبقرار دولي، إلى أن تتحقق الشروط التي تسمح فعلاً بانسحابها. ويبقى التساؤل الأهم الذي من حق اللبنانيين وخاصة الجنوبيين معرفة جوابه: ما الذي تم الالتزام به فعلاً في المفاوضات المباشرة، وما الذي بقي خارج الإطار المعلن، ومن يملك قرار تحديد طبيعة القوة التي ستدخل الجنوب بعد اليونيفيل؟