الحكّام الجدد: تغييرٌ في القصر

« كلّنا هارفرد اليوم» - لاري سامرز وزير الخزانة السابق، تعليقاً على تهديد ترامب بقطع التمويل الفيديرالي عن الجامعة

«كلّنا هارفرد اليوم» لاري سامرز وزير الخزانة السابق، تعليقاً على تهديد ترامب بقطع التمويل الفيديرالي عن الجامعة

سنقدّم موضوعنا اليوم عبر مقولتين، هي لأستاذين عزيزين عرفتهما في الماضي. الأوّل هو المؤرّخ الأميركي بيتر غران الذي عملت معه على ترجمة كتاب عن ملكية الأرض في مصر الخديوية (هو أصلاً للباحثين المصريين رؤوف عباس وعاصم الدسوقي، وقد نشرته فيما بعد دار جامعة سيراكيوز). على مدى سنةٍ أو أكثر، كان غران يتّصل بي بالهاتف للتنسيق في شؤون الكتاب، فهو في الساحل الشرقي يدرّس في فيلادلفيا، وأنا في الغرب. هذه الاتصالات الطويلة كانت تبدأ بالحديث العملي ثم تنتقل إلى مواضيع مختلفة وغران أساساً هو من يتكلّم وأنا أستمع أو أسأل: في الأكاديميا، في فلسفة التاريخ، وفي السياسة الأميركية.

لم أعرف إلا فيما بعد قدر الخدمة التي كان غران يسديها إليّ، وهو يعطيني من وقته بكرم (هو في النهاية مؤرخ جليل، له باعٌ طويل في نقد الاستشراق منذ ما قبل إدوراد سعيد، وأنا طالبٌ مجهول، لم أكن أعرف غران ولم أقرأ أعماله، والسبب الوحيد لوجودي هنا هو الثلاثة آلاف دولار). من جهةٍ أخرى، فإن مثقفي الأكاديميا في أميركا هم إجمالاً كائناتٌ وحدانيّة، محبطة، وعندهم وقت فراغ: قلّة من الجمهور تهتمّ بما يكتبون، وطلابهم يستمعون إلى محاضراتهم فقط لأنهم مجبرون على ذلك ويريدون علامة جيّدة - وهم يعبّرون لك عن هذا الواقع، بقصدٍ وغير قصد، بكلّ الأشكال الممكنة. الفكرة هي أنني استفدت من هذه المحادثات الهاتفية المطوّلة أكثر مما تستفيد من صفٍّ جامعيٍّ ممتاز، وقد غيّرت فيَّ الكثير.

كانت تمرّ، تلك الأيام، «انتخاباتي» الرئاسية الأولى في أميركا، وكانت بين جورج بوش وجون كيري. حتّى تفهموا الخلفية، في مكانٍ مثل جامعة بيركلي، كان الانحياز واضحاً: غالبية كبيرة من الناس حولك سوف تصوّت للديموقراطيين مقابل أقلية بسيطة، أصغر منها بكثير، ستصوّت لمرشّح حزب الخضر؛ وإن كان هناك من جمهوريّ حولي بين الأساتذة والطلاب فأنا لم أره، أو هو كان يختبئ. للأمانة، في حفلة لعيد ميلاد جرت بعد الانتخابات بقليل، تحلّق كلّ الحضور فجأةً حول أحد الضيوف حين اكتشفوا أنه قد صوّت لجورج بوش في الانتخابات الأخيرة - أنا استخلصت منه المعلومة - وبدأوا باستجوابه بدهشةٍ وفضول كأنه حيوانٌ نادر، ثم أصبحوا يعاملوه باعتباره هو شخصياً من أخسرهم الانتخابات وعرقل اليسار العالمي (الطريف هنا هو أنّ هؤلاء اللائمين كانوا كلّهم طلاباً في جامعات نخبوية، وذاك الجمهوري الوحيد بينهم يعمل بواباً وحارس مبنى).

شرح لي غران يومها أنّ أغلب الحوار السياسي الذي تسمعه من حولك، و«صراع القيم» بين بوش وكيري، لا علاقة له بحقيقة الانتماءات وتوزّعها، فالمسألة لها أساسٌ مادّيّ بسيط. في مكانٍ مدينيٍّ كثيف، مثل منطقة سان فرانسيسكو أو نيويورك أو واشنطن، يكون أكثر الناس من حولك يعملون في اقتصادٍ يرتبط مباشرة بالدولة وتوزيعها: أبحاث، تعليم، وظائف حكومية وسياسية؛ أو قطاعات تقنيةٍ وفنية تعتمد إلى حدٍّ بعيد على دعم الدولة وتمويلها وعقودها.

هذه الفئات، يضيف بيتر غران، سوف تميل دوماً للتصويت للمرشح الديموقراطي، فهو مرشّح «الدولة الكبيرة» (نسبياً)، فيما الجمهوريون، ضمن دورة السياسة الأميركية، هم الذين يأخذون الدولة صوب التقشّف والتقليص (austerity). بالمقابل، النخب في أماكن قصيّة، وقطاعات أخرى «سوقية»، لا تعتبر نفسها «أولاد دولة»، ولا تعرف من القطاع العام سوى الضرائب، فهي لن تجد سبباً لعدم تأييد الجمهوريين.

المعنى هنا هو أنّ هناك جانباً «سوسيولوجياً» مركزياً في سلوك النخب الأميركية وتوزعها وصراعاتها، وفهمها ضروريّ لفهم السياسة الأميركية. أمّا إرجاع هذه الأمور بتبسيط إلى اختلافاتٍ أيديولوجية مفترضة بين الحزبين، أو الزعم أن هناك فارقاً نوعياً بينهما في المواضيع الأساسية، مثل الاقتصاد والعنصرية والسياسة الخارجية، فهذه مبالغات وأوهام.

هذا يأخذنا إلى كلام الراحل جان سالم عن النظام الأميركي. وجان سالم كان ربّما أكثر أستاذٍ يمكن أن تستفيد منه في الجامعة اليسوعية في بيروت، يدرّس التاريخ الدستوري الغربي في صفٍّ يبدأ مع الإمبراطورية الرومانية وينتهي في زمن الجمهورية الفرنسية الحديثة، وهو من النوع الذي تفهم بسرعة - وأنت تتعامل معه - أنه نمطٌ فريدٌ لن يتكرّر. سعة المعرفة التي كانت عند جان سالم، من التاريخ والقانون إلى الفلسفة واللاهوت، من الصعب أن تجد مثلها في عالمنا المتخصّص (وأعتقد أنه كان عضو شرف في الأكاديميا الفرنسية أو شيئاً من هذا القبيل، ولكنه يعيش حياةً متواضعة ويعلّم في بيروت - بين أقرانٍ هم بوضوحٍ ليسوا من مستواه).

جان سالم لم يكن يمينيّاً، بل ملكيّاً (monarchist)، وأنا أقصد ذلك بالمعنى الحرفي: كان يؤيد الملكيات الأوروبية ضدّ أيّ ثورةٍ عليها، ويكره التنوير وكلّ ما خرج منه بشغف، ويقيم فصل حدادٍ صغيراً في الصفّ وهو يحدّثنا - بصوتٍ متهدّج - عن كيف قتلت «الدهماء» الملك لويس السادس عشر، ذاك الطفل الكبير، الملك الطيب الساذج المظلوم.

وهو كان لطيفاً جداً معي: كنت آخذ صفه حين وصلني القبول من جامعة جورجتاون، فشجّعني وشدّ على يدي، ثم فكّر وكتب لي على ورقة اسم أستاذٍ لبنانيّ في الجامعة، هو الوحيد الذي يعرفه هناك، وتأسّف لأنّه لا يقدر على فعل أكثر - هو في النهاية فرانكوفوني قديم، لا يحبّ الأميركيين ويعتبر أكاديميتهم هراء - وأوضح لي بشفافية أن الأستاذ المذكور قوّاتي قديم (شكرته بالطبع وقدّرت بعمقٍ طيب نيّته، ولكنني رميت الورقة جانباً).

«هناك جانب «سوسيولوجي» مركزي في سلوك النخب الأميركية وتوزعها وصراعاتها، وفهمها ضروريّ لفهم السياسة الأميركية».

الفكرة هي أنّ المرحوم كان يميّز بين نمطين من الأنظمة السياسية التي تطوّرت تاريخياً في الغرب، والتفريق هنا لا يرتبط بالمؤسسات والقوانين وشكل الدستور، بل بطريقين تاريخيين أفرزا نمطين مختلفين من المجتمعات السياسية: البلد الذي تأسست فيه السياسة على انقسام أيديولوجي تاريخي حاد، والبلد الذي لم تتطوّر السياسة فيه بهذا الشكل الصراعي.

المجموعة الأولى تضمّ دولاً مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا حيث لـ«اليمين» و«اليسار» معنى إيديولوجي عميق، يعود إلى انقسامات تاريخية شديدة في مرحلة الحداثة، ملكيون ضد جمهوريين وشيوعيون ضد فاشيين، ولا يزال النظام الليبرالي الحالي يحمل ملامحها الاستقطابية. هذا مقابل بلادٍ مثل بريطانيا وأميركا والدنمارك، لم تشهد ثوراتٍ واستقطاباتٍ إيديولوجية حادّة في ماضيها التأسيسي، فمعنى «اليمين» و«اليسار» فيها نسبيٌّ و«مخفّف». أن تكون ناشطاً يسارياً (شيوعياً أو عمالياً) في إيطاليا يعني في العادة انتماءً عميقاً وجزءاً تكوينياً من شخصيتك، ورثته في الغالب أباً عن جدّ وتحمله بحماسة، والعائلة تحتفل بالأول من أيار كأنه عيد زواج أهلك، وأنت تحمل في الوقت ذاته تراثاً من العداء، ودماء، وكراهية مستحكمة تجاه الطرف الآخر.

في أميركا، بالمقابل، أنت تكون شاباً طموحاً من عائلةٍ محلية نافذة، فتنظر بهدوءٍ إلى الولاية التي أنت فيها وسياقها السياسي، وتختار الحزب الذي يناسبك أكثر. وقد تغيّر العائلة انتماءها السياسي حين تنتقل من ولايةٍ إلى أخرى، كما حصل مع آل بوش، وقد يكون أخٌ ديموقراطياً والثاني جمهورياً. الأحزاب في أميركا، كان جان سالم يختم، ما هي إلا مؤسسات انتخابية لاختيار النخب، ولا تمثّل انقساماتٍ إيديولوجية راسخة، وهذا عنصرٌ أساسي في «مرونة» النظام الأميركي واستقراره.

«السؤال الكبير» في أميركا اليوم، كما أراه، مستوحىً من هذه الأفكار: هل يُعقل أن تكون أميركا تنتقل اليوم، في عصر الحداثة المتأخرة، من نمطٍ إلى آخر؟ وهل ما نراه أمامنا هو بلدٌ ينشأ فيه «انشطار إيديولوجي» حادّ، ومؤسسة سياسية منقسمة وصراعٌ بين النخب، على الطريقة الأوروبية القارية؟

توطئة تاريخية

على عكس ما يتصوّر الكثير من المنظرين اليمينيين في أميركا، فإن النخبة الأميركية «المعولمة» كما يسمّونها (النخبة الاقتصادية «المتروبوليتية»، «الدولية»، سمّها ما شئت، التي تشتبك مصالحها مع مصالح الإمبريالية في الخارج) هي ليست بنت أواخر القرن العشرين، وسياسات اللبرلة الأميركية والعولمة المتسارعة إثر نهاية الحرب الباردة و«نافتا».

في الحقيقة، هذه الفئة المتحكّمة هي بنت نهايات القرن الأسبق، أي التاسع عشر، حين خرجت أميركا على العالم، للمرّة الأولى، بقطاعٍ صناعيّ تنافسيّ كبير، وقد توافق هؤلاء الصناعيون الجدد على أنهم يريدون بيع سلعهم حول العالم، ويريدون دولة تدخليّة تفتح لهم هذه الأسواق، وتؤمن شروطاً امتيازية لتجارتهم؛ وهم لذلك ليسوا «انعزاليين» وقوميين أجلافاً، بل «كوزموبوليتيون» يراقبون من كثب ما يجري في العالم، لأنّ أحداثه تنعكس عليهم مباشرة. هذه المرحلة كانت أيضاً، بالتوازي، مرحلة انطلاق الإمبراطورية الأميركية (وكان إلى جانب هؤلاء الصناعيين والمصرفيين أيضاً منتجون زراعيون من الولايات الداخلية، يعانون من أزمة فائضٍ في الإنتاج).

قبل ذلك، كان شكل «بارونات الصناعة» في أميركا مختلفاً. في تلك الحقبة، كانت أميركا - اقتصادياً - بلداً حمائياً، يفرض جمارك مرتفعة على الخارج ودورته الاقتصادية داخليّةً أساساً. هذا، بالمناسبة، كان مستحيلاً لولا الحرب الأهلية والقضاء على نفوذ المزارعين الكبار في الجنوب (هم والجنوب الأميركي كانوا فعلياً في علاقة «طرفية» مع أوروبا ويريدون استمرار التجارة معها، وأرباحهم من تصدير القطن إلى مصانع القارة هي أكبر بكثير من عائدات بيع القمح في السوق الداخلي).

ما كان يحصل في تلك المرحلة هو «دمج» الجنوب في الاقتصاد الأميركي، حيث أصبحت الزراعة فيه موجهة لخدمة القطاع الصناعي الناشئ بدلاً من تصدير المواد الأولية للخارج؛ ومع أواخر القرن، أصبح في أميركا صناعات كفؤة تقدر على منافسة الأوروبيين، يرفدها قطاعٌ مصرفيٌّ كبير وقويّ.

الحقبة ما بين نهاية الحرب الأهلية ونهاية القرن التاسع عشر مهمّة جداً وتأسيسية في التاريخ الأميركي، وهي تعاني من قلّة نسبية في الاهتمام والدراسة. في كتابٍ مرجعي أصدرته هيئة رسمية أميركية عن تلك المرحلة، يشرح المؤلف أن أكثر المؤرخين إما يدرسون حقبة ما قبل الحرب (Antebellum)، والحرب ذاتها ومرحلة «الإعمار» التي لحقتها، أو هم يقفزون مباشرة إلى أوائل القرن التالي و«العشرينيات الصاخبة»، وأميركا أضحت قوة صناعية ودولية، فروع مصارفها تزنّر العالم، وهي أكبر مصدّر للقمح في تاريخ البشرية.

المشكلة هي أن المرحلة ما بين الاثنتين، أي الخمسين سنة بين نهاية «الإعمار» وبدايات القرن العشرين، هي التي جرى فيها تطوّر أميركا الصناعية التي نعرفها، وانتقل البلد والمجتمع (ونخبه بالطبع) من حالة أميركا الـ«جفرسونية» القديمة (الدولة الصغيرة والصناعات الصغيرة وصغار الملّاكين) إلى أميركا «لنكولنية»: دولة مركزية ومجتمع صناعي كثيف، أكثر أهله موظفون وعمّال بالأجرة.

يشرح نيك جونسون، الأكاديمي في جامعة شيكاغو، جزءاً من هذه القصة في مقالٍ له عن حرب ترامب التجارية. هو يقول إنه، إلى جانب هذه النخبة «الدولية» التي بدأت بتوجيه السياسة في أميركا، كانت هناك أيضاً نخبةٌ منافسة ظلّت تعارضهم حتى الخمسينيات، وهي مكونة أيضاً من رجال أعمال ومزارعين ومنتجين لا يعتمدون على التصدير، ولا يتفهمون فكرة أن يبني بلدهم إمبراطورية، ويموّل جيشاً ضخماً، وأن يعرّضوا أنفسهم لعاديات السياسة الدولية وحزازياتها. ولكن هذا الصراع قد حسم بسرعة لصالح الفئة «المعولمة» ودخلت أميركا عهداً طويلاً من الجمارك المنخفضة وبناء «السوق الحرّ» حول العالم.

وجونسون يعتبر أنّ حرب ترامب التجارية ما هي إلا انعكاسٌ لحربٍ داخليّة بين النّخب، أو بالأحرى نتيجة احتقار اليمين الأميركي الجديد وعدائه لهذه النخبة «المعولمة»، المصرفية، التي يراها ترامب وجمهوره باعتبارها عدوّه الطبيعي. هناك فئةٌ من «المليونيريين الصغار» تؤيّد ترامب، يضيف جونسون، قد تشبه بشكلٍ ما طبقة رجال الأعمال «الانعزالية» في أوائل القرن العشرين، وهي مكونة أساساً من رجال الأعمال الذين أثروا بفعل مراكمة أصولٍ أميركية منتجة: ملاكون عقاريون، أصحاب شركات ومتعاقدون صغار، سلاسل مطاعم سريعة، مغاسل سيارات، ناس أثروا بفضل الـ«بيتكوين».

هؤلاء قد يدعمون ترامب في حربه المزعومة ضدّ نخب «وول ستريت» والشركات المعولمة ونخبتها الثقافية والإعلامية، ولكنهم لا يمتلكون قوة مالية حقيقية ولا يمسكون بمفاصل الاقتصاد. في الوقت ذاته، فإن سياسات ترامب تؤذي جميع قطاعات الرأسمالية العليا: المصارف، الأسهم، التقانة، وحتى قطاع الطاقة والنفط. المشكلة في تحليل جونسون أنّه، بعد عرضٍ طويلٍ وتاريخي، لا يجد تفسيراً لما يفعله ترامب إلا «الكراهية»، وبالمعنى الشخصي والفردي: أنّ ترامب يكره هذه «الطبقة» لدرجة أنه مستعدٌّ لتخريب سوق التجارة الدولي، والمخاطرة بزوال نظام الدولار، فقط لكي يضعفهم ويغيظهم.

انقلاب على المنظومة

على العكس من جونسون، يقدّم الماركسي بيري أندرسون - كعادته - تحليلاً شديد البنيوية لما يجري في الغرب: كلّ شيء نراه حولنا في السياسة هو انعكاسٌ لأزمةٍ بنيوية في الرأسمالية (أو النيوليبرالية). أزمة الكساد العالمي في الثلاثينيات أنتجت التحدي الفاشي والشيوعي في وجه الليبرالية، الحرب العالمية الثانية أنتجت المنظومة الكينزية في الغرب ورأسمالية الدولة الراعية، وأزمة الكينزية وانسداد أفق التراكم فيها أوصلا إلى التحرير النيوليبرالي في السبعينيات. ما نشهده اليوم من شعبويات، يحاجج أندرسون، هو ببساطة نتيجة لأزمة 2008 وتبعاتها، والتي خرجت بعدها - أو استقوت - شعبوياتٌ على اليمين (مثل AFD وترامب ولوبان) وعلى اليسار (ميلانشون وبيرني ساندرز وسيريزا).

غيّر النظام النيوليبرالي المجتمع في الغرب خلال العقود الماضية على أكثر من مستوى، يقسمها أندرسون إلى ثلاثة محاور للغضب والاحتجاج الشعبوي: أوّلاً، أدى التحرير الاقتصادي اإلى ازدياد الفوارق بين الناس حتى في دولٍ ثرية مثل أميركا (انعدام المساواة)، ثانياً، أدى تفكيك البنى النقابية وهيمنة السوق على المجتمع إلى سلب الناس إرادة القرار السياسي في الأمور التي تهمّ، وحصرها في يد مؤسساتٍ نخبوية مثل الاتحاد الأوروبي وكبار المتبرعين في أميركا (الأوليغارشيا)، وثالثاً، أدّى التعامل المتزايد مع البشر باعتبارهم مجرد «عوامل إنتاج» في السوق إلى استيراد العمالة الرخيصة بكثافة، من دون اعتبارٍ للتبعات الاجتماعية والثقافية لهذه العملية (الهجرة).

يضيف أندرسون أن شعبويات اليمين واليسار تتشارك في الهجوم على الركنين الأولين (الاقتصاد الذي يخدم الأثرياء وسلب السيادة السياسية من الشعب) ولكن شعبوية اليمين سوف تحظى دائماً بامتيازٍ على شعبويات اليسار لأنها وحدها من يمتلك القدرة على التعبير عن النزعات المعادية للهجرة (وطرْح حلولٍ عملية على الجمهور، من نمط ترحيل من «يجب ألا يكون هنا» وإيقاف دفق الهجرة فوراً)، وهو ما لا يمكن لليسار أن ينافس فيه.

«في مكانٍ مثل جامعة بيركلي، كان الانحياز واضحاً: غالبية كبيرة من الناس حولك سوف تصوّت للديموقراطيين مقابل أقلية بسيطة، أصغر منها بكثير، ستصوّت لمرشّح حزب الخضر»

الجزء المفيد في مقال أندرسون الذي يحمل عنواناً معبّراً («تغيير نظامٍ في الغرب؟») أنه يشرح أن المشترك الثاني بين الشعبويات أنها، على عكس الفاشية والشيوعية في الماضي، لا تطرح بدائل فعلية للنظام النيوليبرالي المأزوم. أنت تنتقد «وول ستريت» ولكنك لا تطرح اقتصاداً بديلاً، تهاجم الأوليغارشيا ولكنك لا تشرح ما سيأخذ مكان «الدولة العميقة»، تكره المهاجرين من دون أن تربط الأمر بالإمبراطورية التي تخرّب بلادهم الأصلية. هذا فسّر لي لماذا لم أتحمّس يوماً لأمثال سيريزا وساندرز - وتحديداً حين كانت موجتهم تعلو، والجميع من حولك يتحمّس لهم ويرى فيهم الأمل ويريد تجنيدنا خلفهم. هذا، من ناحية، لأني لا أجدهم مختلفين جذرياً عن شعبويي اليمين، وأيضاً لأنّ الشعاراتية الجوفاء تعني أنهم، حتى وإن وصلوا إلى الحكم، فهم إمّا سيرضخون ويعملون ضمن النظام القديم (كما حصل مع سيريزا)، أو سيقودون مناصريهم إلى أزمةٍ وكارثة تجعل الناس تكفر، إلى أمدٍ بعيد، بمفهوم «التغيير».

عودةً إلى موضوعنا، أن يفتقر ترامب إلى «إيديولوجيا بديلة» لا يعني أنه غير قادرٍ على إحداث تغييراتٍ هائلة وتاريخية: على التقليد السياسي في أميركا، على تشكيل الطبقة الحاكمة والمؤسسات، بل وعلى السوق الدولي بأكمله. الفكرة هي أن الظروف متوافرة لديه، على الأقلّ لسنتين على حد قول بيري أندرسون، لكي يعمل بحريّة فائقة وهو يعلم أنها ولايته الأخيرة. وهو في الوقت ذاته متحرّر من تأثير المتبرعين وكبار رجال الأعمال، بل ومن مؤسسة الحزب الجمهوري ذاته، ويمتلك أكثرية في المجلسين.

خاتمة: أزمة نظام

أقول مجدداً إن هناك جانباً «سوسيولوجياً» لعدد من إجراءات ترامب «الجذرية» في بداية ولايته. سدّ التمويل على مؤسسات مثل «يو أس ايد»، وآلاف البرامج الفيديرالية في أميركا وحول العالم، لا يتعلّق فقط بعصر الإنفاق والتوفير في مالية الدولة. إيلون ماسك في النهاية ماهرٌ في الحساب، وهو يعرف أنّ كامل ميزانية «يو أس ايد» لا تمثّل إلا نثرةً في مجمل الميزانية الفيدرالية في أميركا وعجزها الهائل. ولكنّ الوزن الحقيقي لـ«يو أس ايد» أنها - مثل الجامعات النخبوية - تمثّل مستقرّاً ومرتعاً للنخب الليبرالية التي تعاديه.

هذه الجمعيات - من البرامج الكثيرة والمنظمات التي تمولها أميركا حول العالم وصولاً إلى قناة «الحرة» وأمثالها - هي المكان الذي تهاجر إليه كوادر الحكومات السابقة حين تخرج من البيت الأبيض، وأعضاء الكونغرس المتقاعدون، ومحترفو «الدولة العميقة» إجمالاً. على الهامش: هذه الصراعات في دول المركز تنتج ظواهر طريفة في بلادنا، حيث أصبح الكثير من وكلاء أميركا واعين تماماً لهذه التوازنات ولتأثيرها المباشر عليهم.

بعض وسائل الإعلام اللبنانية التي تتموّل من أميركا ورأس المال الدولي «اندمجت» في الانتخابات الأميركية الأخيرة بشكلٍ ناشطيٍّ محموم - ضدّ دونالد ترامب طبعاً. وهذا بالطبع لم يكن عن جرأةٍ نبتت لديهم، ولا لأنّ القضية حقّاً أخلاقية بين بايدن وترامب، بل لأنهم يفهمون أنّ رؤساءهممشغّليهم الحقيقيين في واشنطن هم مع ترامب على طرفي عداء، وأن مصائرهم مرتبطة، وأن النظام الأميركي لم يعد تصالحياً ومفتوحاً كما في السابق (واليوم، عدد من هذه الدكاكين تقفل أو تقلّص نشاطها).

خلف هذه الأمور كلّها قاعدة بسيطة ومنطقية: لو أني استلمت الحكم في بلد، فمن الطبيعي جداً أنّ أول ما سأفعله هو أن أطرد أعدائي من وظائفهم وأقطع عنهم أبواب الرزق والنفوذ. ولكن هذا ليس انقلاباً سياسياً اعتيادياً، ولا هو يجري في بلدٍ وزمنٍ عاديّين. هناك طبقة حاكمة في أوروبا وأميركا ترى البساط وهو يسحب من تحتها بالمعنى التاريخي: اليمين الجديد يفوز البارحة بالانتخابات التمهيدية في رومانيا، ويتصدّر استطلاعات الرأي في ألمانيا نفسها.

منذ فترة قصيرة كنت ألتقي قريباً يزور لبنان، هو صناعي يعيش في ألمانيا منذ زمنٍ طويل، وقد نجح فيها وتزوّج ألمانيّةً و«اندمج» بامتياز. أعرف أنه كان يسارياً شيوعياً في شبابه، فسألته عن تصويته في الانتخابات الماضية، وبدا وكأنه متردّد في الإجابة. هنا تأكّد إحساسي: «اعترف، أنت صوّتت للـAFD، أليس كذلك؟»، فهزّ برأسه مؤكّداً، ثمّ شرح لي أن أكثر جوّه ومن هم في سنّه صوتوا مثله (ربما بدأتم تلاحظون أن عندي مهارة ما في استخراج هذا النوع من المعلومات).

أزمة النيوليبرالية اليوم عميقة و«موضوعيّة»: نموذجٌ للنموّ تأسّس على الدّين، ولم يعد قادراً على الاستمرار إلّا عبر خلق كمياتٍ متزايدة من هذا «الرأسمال الوهمي». ولكن ما يجري على مستوى «البنية الفوقية» لا يقلّ أهميّةً. النظام الدستوري الألماني، ومؤسسات الحكم فيها، تمّ تأسيسها تحديداً لكي تمنع ما يجري اليوم، أي أن تنزلق السلطة من تآلف أحزاب الوسط وتخرج حركات متطرّفة وتحصل على تمثيل. وفكرة أن يصوّت مهاجر عربيّ فيها، له ماضٍ شيوعيّ، لصالح الحزب النيو- نازي، فهذا يعني أن تعبير «أزمة نظام» ليس من المبالغة شيء.