سوريا… لن تنتهي الحرب

«لا تراجع بعد الآن» - مصطفى كمال، 1921

من الممكن لنظرية «الانقلاب» أو المؤامرة أو التدخّل الخارجي أن تفسّر وصول مجموعةٍ ما إلى الحكم، ولكنها لا يمكن أن تفسّر تشكيل نظامٍ حاكم واستمراره لمدّة طويلةٍ من الزمن.

يشرح الباحثون في تاريخ سوريا الحديث عن طبيعة «التحالف الاجتماعي» الذي استند إليه نظام «البعث» في بداياته وأمّن له قاعدةً وشرعيّة، وتفهم بسرعةٍ أنّ المسألة لم تكن «أيديولوجية» وحزبية بحت (إلا على مستوى الكوادر والناشطين)، بمعنى أنّ أكثر الفئات التي شكّلت ودعمت نظام «البعث» في سوريا: الفلاحون، أعيان الريف الصغار والمتوسطون - middling بتعبير حنا بطاطو، حديثو التعليم، إلخ) قد فعلت ذلك لأسبابٍ مادية واجتماعيّة لا ترتبط بـ«البعث» حصراً وكانت ستقف، هي نفسها تقريباً، مع أيّ حركةٍ من حركات ثوريّي ذاك الزمن تعتمد السياسات نفسها وتؤدّي دوراً مشابهاً وتؤمّن لهم سبيلاً للتمثيل والارتقاء - أي لو حكم الناصريون مثلاً بدلاً من «البعث».

هذا مقابل تيّارٍ صغيرٍ من الباحثين ارتكز على التفسيرات الطائفية والثقافوية للسياسة في سوريا، على مثال دراسات ميشال سورا، وهي سيئة أكاديمياً ومنهجياً قبل أن تكون سيئة سياسياً، ولم تكن - لعقودٍ - ذات شأنٍ وتقدير في الدراسات عن سوريا؛ ولكن تمّ بعثها بالعربية في السنوات الماضية، وترجمتها ونشرها والاحتفاء بها، بغية توظيفها في سرديات الحرب الأهلية (وهي قد تكون كُتبت في الأصل لهذه الغاية).

المسألة الثانية هي أنّ هذا «التحالف العريض نسبياً» الذي قام عليه نظام الأسد كان بشكله الأصلي «حلفاً مكلفاً»، بمعنى أنّ الدولة تلتزم بدعم الفلاحين وتقديم الخدمات لهم، وعليها أن تؤمّن الوظائف والسكن لأهل المدن، وتقدّم المواد الأساسية بأسعارٍ رخيصة، وأن تُبقي - في الوقت ذاته - على سوقٍ خاصٍّ كبير يلعب فيه التجّار. ولديك فوق ذلك ظروف حربٍ وضرورة أن تبني جيشاً كبيراً و«توازناً إستراتيجياً» وسياسة خارجية.

لهذه الأسباب يمكن قراءة الاقتصاد السياسي لسوريا أثناء العقود التي سبقت الحرب باعتباره مساراً طويلاً تحاول فيه السلطة الحفاظ على ما أمكن من هذه المنظومة التي تعرف أنها دعامة حكمها، وتمويلها، وترقيعها والبحث عن ريعٍ خارجي (أو«جيوستراتيجي») لإنقاذها. وماذا تفعل وقت الأزمات، وهي كثيرة؟ عن أي أجزاءٍ من هذه البنية تتخلّى؟ أيّ تهمله؟ وعلى أيٍّ منها تحافظ؟ ومن سيربح من هذه التحولات ومن سيصبح خارجاً؟ والنزعة صوب «الليبرالية» الاقتصادية كانت فعلياً نزعةً صوب من التخفّف من المزيد من هذه «الأعباء» الاجتماعية، وتسليم أهلها إلى «السّوق» والقطاعات الناشئة في الخدمات و«السياحة»، أو الهجرة.

أوّل ما دمّرت الحرب السوريّة كان ما كان قد تبقّى من هذا «العقد السياسي» ومنظومته. قبل سقوط «النظام» في السنة الماضية بكثير كان النظام القديم قد انتهى حقّاً، وانتهت معه حقبة، بل عصرٌ كامل في تاريخ سوريا: بميّزاته وعلّاته، شعاراته و«إجماعاته»، أساطيره ومثله (ومن بينها أمورٌ مثل العروبة ووحدة سوريا ونصف-علمانية الدولة). ولكنّ الحرب قد دمّرت، في الآن نفسه، النسيج السياسي والاجتماعي للكيان السوري.

لا بدّ أن نكرّر هنا أنّ الانطباع السائد بأنّ هناك كيانات مشرقية أكثر «أصالة» أو «طبيعيّة» أو منعة من غيرها ما هو إلا خرافة. الجمهورية السورية بهذا المعنى هي تماماً مثل لبنان أو الأردن، ولبنان لم يكن يوماً «جزءاً من سوريا»، ببساطةٍ لأنّ الاثنين هما بلدان حديثان عمرهما قرن لا أكثر. حدود الجمهورية السورية لا تمثّل كياناً تاريخياً (بمعنى إنك لن تجد في التاريخ دولاً أو سلالاتٍ أو تقسيمات إدارية اعتمدت الحدود ذاتها أو ما يشبهها واعتبرتها كلّاً موحّداً إلا - ربما - لفترات قصيرة في الماضي السحيق)، ولا هي حدودٌ طبيعية؛ ما صنع حقّاً هذه الأوطان كانت مؤسسات الإدارة الاستعمارية في الأصل، ومن بعدها الدولة الوطنيّة.

«أعطوا السلفي فرصة»

بعد السابع من كانون الأول، لاحظتُ نزعةً غريبة من حولي: كالكثيرين من جيلي، كان لديّ العديد من الأصدقاء (بعضهم كان من الأقرب إلي، إنسانياً وفكرياً) انفضّت علاقتنا وانقطعت بسبب حرب سوريا. اكتشفنا تدريجياً، في الأشهر الماضية، أنّنا نعود إلى التواصل بسهولة، إذ لم يعد من سببٍ للضغينة والخلاف، ولا أحد يمتلك أن يزايد على الآخر: «أنت ساهمت في التبرير لقضية نظامٍ خاسرة، كما حذّرناك»، «وأنت ساهمت في إيصال القاعدة إلى الحكم، كما حذّرناك»*. الشيء الأهمّ هو أنّ أكثرنا يتّفق على أنّه، بعد كلّ ما حصل، إن كان هناك من معنىً متبقٍّ للسياسة في سوريا، نقطة بداية ممكنة، فهي في أن يقف الجميع ضدّ الجولاني.

«الجميع» لن يقف ضدّ الجولاني بطبيعة الحال، ولا يجب تقليل قدر الشعبية التي سيحظى بها نظام الجولاني / الشرع (بشأن التسمية: أنا شخصياً ضدّ التنابز بأسماء الخصوم أو تحويرها، وافترض أنّ واجبك هو أن تنادي الفرد أو التنظيم كما يسمّي نفسه، ثمّ تقول ما تشاء. مشكلتي هنا هي أنّه لا يحقّ لك أن تخرج علينا في كلّ مرحلة باسمٍ جديدٍ وهويّة محدثة لك ولتنظيمك، وتطلب منّا أن نتأقلم مع كل تسمية جديدة ونميّزها عن الشخصيات السابقة. جرّب ذلك قبلك المغنّي الأميركي الراحل «برنس» وقد قد حصل معه تماماً ما يحصل معنا اليوم).

شعبية الجولاني / الشرع ليس مردّها فقط أنّ سواداً من الناس يؤيّدونه، ولا لأنّ الغرب والخليج أوصلاه، بل هو يجد شعبية لدى الطبقة الوسطى والنخب

شعبية الجولاني / الشرع ليس مردّها فقط أنّ سواداً من الناس يؤيّد أيّ ساكنٍ للقصر ويصفّق له، ولا لأنّ الغرب والخليج أوصلاه إلى الحكم ويدعماه، بل هو أيضاً سيجد شعبية في أوساطٍ من الطبقة الوسطى والنخب داخل سوريا وخارجها. الكثير من هؤلاء كانوا لا يؤمنون بالحركات المدنية والليبرالية، لا بسبب التبعية والعمالة، بل لأنها لا تمتلك شارعاً وقوة، وكانوا لا يؤمنون بالحركات السلفيّة لا بسبب طائفيّتها الإجرامية، بل لأنّ الغرب لا يهضمها ويحاربها، فجاء من يجمع بين الاثنتين: السطوة ورضا الغرب. صدّام حسين جديد.

وهذا النموذج سيجذب الكثيرين: تخيّل أن يكون إلى جانبك أبو قتادة، وفي الوقت ذاته سفارة أميركية وتمويل السعودية ومشاريع المنظمات الدولية. والعلماني من هؤلاء، بالمناسبة، هو أسوأ من الطائفي المتعصّب، والعناصر التي تجذبهم إلى شخصية الشرع هي نفسها التي تجعلنا نرفضه.

بغضّ النّظر عن كيفية وصوله إلى الحكم، وكيف مهّدت له إسرائيل الطريق، وأدخلته القوى الخارجية مع ميليشياته إلى دمشق (في نهاية الأمر، لم تكن مخابرات الجولاني هي التي اشترت أركان نظام الأسد وقادة جيشه وجنّدتهم)، وبغضّ النظر عن ماضي هؤلاء وتاريخهم وتراثهم الإبادي، وأنهم أرسلوا سيارات مفخّخة لقتل المدنيين في ثلاث دولٍ عربية على الأقل، وعن معنى أن تسلّم أهل سوريا والجيش والتعليم والدولة إلى هؤلاء المجرمين، وانعكاس ذلك على العلاقة بين الناس في كامل المشرق العربي.

قبل ذلك كلّه، القصّة هي أنّك، إن كنت تعتبر أنّ هناك أيّ سببٍ للتطبيع مع نظامٍ افتتح عهده عبر قتل الأقليات وقمع الأكثرية، وتجد أنّ له شرعيّة من أي نوع، فيحقّ لنا أن نسألك: ما كانت مشكلتك بالضبط مع نظام الأسد؟ المسألة عندي، باختصار، هي أنّي أعرف هؤلاء الناس، وأعرف أنّه - مهما كانت الأسباب ومهما كان الثمن - فأنا من المستحيل أن أقبل بوضع نفسي - أو مَن أحبّ وأكترث له - تحت حكمهم وسلطتهم لدقيقةٍ واحدة، فلا يمكن أن أطلب ذلك من شعبٍ أكنّ له أيّ قدرٍ من الاحترام.

أنت، حين «تعقلن» للسوريين حكم الجولاني وتنساق مع سردية تشرّع لحكم «القاعدة»، فأنت قبل كلّ شيء تمارس خيانةً في حق الشعب السوري واحتقاراً له - إنهم يستحقّون أن يحكمهم مَن لا يمكن أن ترضى بمثله. وحين تطلب من النّاس أن يتقبّلوا ببساطة احتمال الإبادة والقتل الجماعي وحكم التكفيريين، بدلاً من أن تدافع عنهم وتعطيهم بديلاً، فأنت هنا تدفعهم دفعاً إلى أحضان إسرائيل. هنا أيضاً تجد معنىً لـ«الصراع الوجودي»، ونحن لا نحارب الصهيونية حتى نأتي بما يشبهها.

سوريا تحت الاحتلال

الواقع الحقيقي على الأرض هو أنّه في سوريا، اليوم، لا أحد آمن. «مذابح الأقليات» تتصدّر الأخبار، ولكن أغلب السوريين يعيشون تحت حكم الخوف. لا يزال قتل العلويين وخطفهم مستمرّاً بشكلٍ يومي، من دون تغطية أو اهتمام، ولكنّ الخطف والقتل والابتزاز يمارَس يومياً أيضاً في أكثر مناطق سوريا، فكلّ بقعةٍ تحكمها «قوى أمر واقع» مختلفة، أو تنظيمات متنوعة و«فئات اجتماعية» مسلحة (في بعض قرى القنيطرة، مثلاً، «الأمن» هم فعلياً عشائر جلبهم الجولاني / الشرع، غرباء عن القرى وأهلها، وأصبحوا أقرب إلى مافيا، وقِسْ على ذلك).

والجرائم وصلت إلى حدّ أنّه في الكثير من المدن الكبيرة أصبحت الناس، حرفياً، لا تجرؤ على الخروج بعد العتمة. والمسألة هي أنّ الحكام على الأرض لم يسروا حتى مسرى الأنظمة الجديدة في أيامها الأولى، حيث التقليد هو أن يُظهروا للناس استقامةً واحترافيةً، أقلّه في البداية ومرحلة الانتقال، بل انطلقوا منذ الأشهر الأولى في استخدام سلطتهم لسلب العقارات وطلب الخوّات وتلفيق التّهم.

ما أريد الوصول إليه هو أنّ هذه هي طبيعة «التحالف الاجتماعي» الذي يستند إليه حكم الجولاني / الشرع، وهو لن يأتي برجالٍ من المرّيخ ليديروا دولته ويحكموا عشرين مليون سوري، بل سيستخدم الفئات التي ناصرته في الحرب الأهلية. وهذا يفسّر إلى حدّ ما أحداث السويداء: لا ريب في أنّ الجولاني / الشّرع كان يفضّل أن يُثبت للغرب ولإسرائيل أنّه رئيسٌ «مسؤولٌ» و«دولتي» ويستحقّ ثقتهم ويمكن الاعتماد عليه (هو يعرف أنّ فرصته الوحيدة لحكم سوريا هي في أن يحظى بالقبول الأميركي والإسرائيلي).

وهو بالتأكيد كان يفضّل ألّا تحصل تجاوزات طائفية وفظاعات (وهؤلاء ليسوا علويين)، وأن تتصرّف قواته باحترافية حتى لو تعرّضت للاعتداء. ولكنّ المشكلة هي أنّ الجولاني يقدر على التحكّم بالبيانات الصادرة عن وزاراته، لكنه لن يقدر على التحكّم بالميليشيات التي تمثّله على الأرض، وتلك التي انضمّت إليها بعد سقوط النظام، و«القوى الاجتماعية المسلّحة» التي تحالفها، و«الفزعات» التي تؤازر... إلخ. من هنا كانت المفارقة بين بياناتٍ تصدر من دمشق تعطيك الانطباع بأنك لست أمام جيش دولةٍ فحسب، بل جيش عمر بن عبد العزيز، وبين مشاهد من الأرض تُريك قذاراتٍ لا توصف.

ونحن لا نشاهد إلا ما يختار القتلة أن يصوّروه وينشروه. كلّنا رأينا، هل تريدون من الناس أن يصدّقوا أنّ هؤلاء المجرمين هم «جيش» و«أمن»؟ وأن يقبلوا بوجودهم، سلطةً مسلّحة، بينهم وحول عائلاتهم؟ قد يقال إنّ مؤيّدي الشرع ومؤسساته لا يكفون لبناء «تحالف اجتماعي» واسعٍ وذي شرعية، وهذا صحيح، ولكنهم أكثر من كافيين لبناء دولة ميليشيات على الطريقة الصومالية.

دمّرت الحرب السوريّة ما كان قد تبقّى من هذا «العقد السياسي» ومنظومته. ولكنّها قد دمّرت، في الآن نفسه، النسيج السياسي والاجتماعي للكيان السوري

والبديل الوحيد هو في أن يقف الجميع ضدّ الجولاني (يخبرني أحد الأصدقاء أنه كان في الماضي من النوع الذي ينبري للدفاع عن الأمويين، حين يعتبر أنه يتمّ اختزالهم بالصراع الطائفي، أو تشويه التاريخ على حسابهم، وعدم التفريق بين أفراد السلالة، ولكنه توقّف عن ذلك واعتزل حين بدأ هؤلاء الأوباش ينسبون أنفسهم إلى بني أمية).

تخيّلوا أن يصبح من المعتاد أن يصدح «مؤثّرون» عرب، في المجال العام، بخطابٍ طائفي كاره، وبدعوات لـ «الجهاد» ضدّ طوائف بأكملها، أو يعيّرون الناس بأصولهم الطائفية، ويفتون بأنّ «الدروز» خارجون عن الملّة والوطن. وتخيّلوا أنه علينا أن نستمع لمثل هذه اللغة الحقيرة ونعتبرها كلاماً سياسياً نناقشه ونردّ عليه.

بالمناسبة، وهذه من الأمور التي يُفترض أن تكون بديهيّة، فلا أحد أفضل من أحد والكلّ قادرٌ على الشرّ، ولكنّ الدروز - الذين تخوّنهم جماعياً – لا يزيد عددهم على المليونين في كلّ العالم، وهم أبناء دينٍ مغلق عمره في هذه الأرجاء أكثر من ألف سنة؛ مَن منّا يقدر - حقّاً - أن يرجع بأصوله في هذه المنطقة عشرة قرون؟ وإن كان دورك المرسوم هو أن تنساق في خطاب الإبادة والترويج للجولاني، فإيّاك أن تفعل ذلك تحت اسم القضيّة. لا شيء يُسيء إلى قضية فلسطين مثل هذا.

«الإبادة»، لمن يعرف شيئاً عن أدبيّاتها، أنت لا يُفترض أن تقاومها حين يبدأ القتل الجماعي وإحراق القرى، بل قبل ذلك بكثير. نحن نعرف أنّ الإبادة لها مقدّمات، وثقافة ولغة تعطيها منطقاً وتجعلها مقبولة. وحين تصبح الإبادة مفردةً رائجة في لغتك، وفي خطابك السياسي والاجتماعي والديني، والشعارات والهتافات والأغاني، فأنا لن أنتظر حتى تستلّ السّكاكين، ومَن شبّ على شيءٍ من الصعب أن يحيد عنه.

إن كانت السنوات الماضية قد علّمتنا شيئاً، فهو معنى أن تأخذ موقفاً، وكيف ومتى، وإنّك إن كنت لا تقدر على تغيير الباطل، فلا يجب أن تقبل به وتتركه يستفحل عبرك. البعض لديه «حساباته» و«تكتيكاته»، ولكننا لسنا أصحاب سلطة أو مصلحة، لا نمتلك غير رأينا وضميرنا، ولا سبب لدينا لأن نساوم في مثل هذه الأمور.

نقطة البداية

الاقتباس في بداية المقال هو قولٌ شهيرٌ ذو مكانة في الذاكرة القومية التركية، يقال إنّ أتاتورك حفّز به جنوده قبيل معركةٍ فارقة من معارك حرب الاستقلال. كان مصطفى كمال قد أتمّ إعداد خطٍّ دفاعي قرب نهر سقارية (أو سكارية) في الأناضول، بعد أن تراجع الأتراك أمام اليونانيين حتى أصبحوا يدافعون عن تخوم أنقرة. الفكرة من كلام أتاتورك كانت بمعنى «في يومٍ من الأيام، نحن طرقنا أبواب فيينا، ثم تراجعنا وتراجعنا وتراجعنا حتى وصلنا إلى هنا، ولكن لن يكون هناك من تراجعٍ بعد هذه النقطة».

بعيداً عن خطاب الحماسة القومية، أنا أجد هذه الأمثولة مفيدةً على مختلف الصّعد، بما في ذلك المستوى الفردي و«التنمية البشرية». مهما بلغت الأوضاع سوءاً، فإنّ الانحدار لن يتوقّف إلا مع نقطة تحوّلٍ يتوقّف فيها التراجع والتنازل، وهو ما نحتاجه هذه الأيام: في فلسطين، في سوريا، وفي مجمل هذه البلاد التي يعتصرها الإباديون من كلّ الأصناف (وإن استخدمنا التشبيه العسكري في القصة أعلاه، فإنّ نقطة البداية هنا قد تكون عبر أن تتعلّم كيف تبني خطّاً دفاعياً، وتعرف من سيقف معك خلفه).

هناك، إن شئنا الاختزال، من يريد أن «يتقبّل» إبادة غزّة، وأن يتجاوزها، وينحني لمن ارتكبها، ويبني على أنقاضها مستقبلاً و«استقراراً»، وهو يريد فعل الأمر ذاته مع الإبادات الأخرى. المسألة «الأيديولوجية» هي أنّ هؤلاء الناس هم في مكان ونحن، باختصار، في مكانٍ آخر.

الطّريف أنّ البعض لا يفهم (أو لا يريد أن يفهم) طبيعة العلاقة بين الجولانيالشرع وإسرائيل، وشكّل التفاوض بينهما، ودوره المرسوم في عالم «ما بعد المجزرة». المعادلة يا إخوان ليست في أن يقبل الشرع بالتطبيع مع إسرائيل أو لا يقبل، الجولاني يعرض التطبيع سلفاً وإسرائيل هي التي ترفض، وتضع عليه شروطاً متزايدة وتطلب خدمات، لكي «تقبل» هي بالتطبيع مع نظامه - هكذا هو الأمر حرفياً.

والجولاني عرض على الصهاينة، علناً، استخدام أجواء سوريا في الحرب ضدّ إيران، مع أنهم لم يطلبوا إذنه، وقد يكون ذهب أبعد من ذلك وأتاح لهم مهبطاً في شرق البلاد تستخدمه طائراتهم أثناء الحرب. وهو، حين ضربته إسرائيل، لم يذهب إليك ولم يطلب العون ضدّها، بل ذهب إلى واشنطن والرياض، فلا حاجة لأن تقيم له فزعةً لم يطلبها. الفكرة الأساس هنا، إن أردت الحديث في «الجيوسياسة»، وهو ما سيثبته الزمن، هو أنّ التبنّي الغربي والعربي (والإسرائيلي قريباً) لنظام الجولاني ليس هدفه الحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها، بل مردّه أنهم يعدّونه لـ«مهمّةٍ ما» في المستقبل، والسؤال الحقيقي هو عن طبيعتها (وشعوري هو أنّ المهمّة هي نحن).

الساذج هو مَن يعتبر أنه سيُقام فوق هذه المجازر سلام واستقرار، وأنه سيوطّد حكمه على خراب البلاد ونظام الإبادة. البديل، ولا غيره، هو أن يقف الجميع ضدّ الجولاني. وحتى لو صرنا «أقلية»، وساد بنو صهيون وبنو الجولاني، ولم يَعد لنا مكانٌ في بلادنا، فهم لن يرثوا هذه الأرض؛ بل سنعيد لهم القول الشهير الذي يقال للخسيس، حين يعتبر أنه قد انتصر وقد قُضي الأمر له: «حظّاً سعيداً لك في الحروب القادمة».

* هامش واستطراد حول مفهوم «الصداقة»: من يفهم شيئاً عن الحياة يعرف أنّ الصداقة هي أمرٌ عظيم، لا يمكن أن يقاربه بخفّة من لا يعرف قيمة الأشياء. والصداقة تختلف بالكامل عن المصلحة والزمالة وكلّ هذه الأمور؛ ومَن لا يمتلك رفاقاً حقيقيين يعيش في عالمٍ صعب. الحبّ والزواج هما صداقة قبل أيّ شيء، السياسة صداقة، توارد الفكر والقراءة صداقة، وأنت لا تختار أهلك ولكنك تختار صديقك.

وقد نشأ مع الزمن بيني وبين «أصدقائي الحقيقيين»، تلقائياً، ما يشبه الاتفاق غير المحكي، أو السنّة، مفادها أنه مهما بلغت درجة الاختلاف (وقد وجدنا أنفسنا في أماكن متعارضة إلى درجاتٍ لن تصدّقوها) فنحن لا نسيء إلى بعضنا في العلن - وإلا فأنت هنا تسيء إلى نفسك وإلى ماضيك وإلى ذكرى الصداقة (وهذه قد طبّقتها للمرة الأولى مع وسام سعادة). ما يسهّل الأمر بالطبع هو أنّ أصدقائي الحقيقيين لن يصبحوا عن وعيٍ مرتزقة أو أبواقاً فارغة، وأكثر رفاقي من تلك المرحلة خاصّة ليسوا إعلاميين وما شابه، بل أناسٌ محترمون يمارسون أعمالاً شريفة.