من يعيب على الصحراء أن تصبح دولة ؟ – صالح الشادي

بعض الناس يحملون همّاً واحداً في الحياة: أن يذكّرونا بأننا كنّا فقراء. وكأن الفقر جريمة تُلاحق الأجيال، أو صكّ ملكية أخلاقية لمن وُلد على ضفة نهر. والحقيقة التي لا تحتاج إلى دفاع أن كثيراً من شعوب الأرض بدأت من لا شيء، حتى تلك التي تتباهى اليوم بمترو الأنفاق ومقاهي اللاتيه. الفرق أن بعضها نهض، وبعضها ما زال يبحث عن عذر.

يقولون: «كنتم حفاة، كنتم بدواً، لا تاريخ لكم». ويقولونها بنبرة من اكتشف أن الماء يبلّل. وما المشكلة؟ البداية ليست اختيارنا، لكن النهاية صنعنا.

والله سبحانه وزّع الأنهار على أقوام والرمال على آخرين لحكمة يعلمها، والحكمة ليست في ما وُهب لك، بل في ما صنعته به. وما بلغنا هو توفيق من الله أولاً، ثم جهد أجيال تعبت وبنَت، ولا يليق بنا أن ننسب إلى أنفسنا ما هو فضل الله ثم فضل من سبقنا.

والغريب أن كثيراً من هؤلاء «الخبراء» في شأننا لم يقرأوا عنه سطراً، لكنهم مستعدون لإلقاء محاضرة كاملة في كل مناسبة. يسألوننا: «ماذا قدّمتم؟» وهم جالسون على أطلال حضارة لم يبنوها، فوق أرض خصبة لم يزرعوها، بين أنهار لم يحفروها، ثم يطالبوننا بإثبات جدارتنا.

ثم يقولون: «أنتم متعالون». واعتزاز الإنسان ببلده ليس تعالياً، ما دام لا يُنقص من قدر أحد. الفرق بيننا وبين من يعيّر الناس بماضٍ قد غبر أننا نعتز بما رأيناه بعيننا من بناء، وهم يعتزون بما قرأوه في كتاب تاريخ منقوص. والفخر الحقيقي ليس أن تُذكر أرضك، بل أن تنفع الناس الذين يعيشون عليها.

والطرفة الكبرى أن هؤلاء المنتقدين يملكون كل مقومات النهوض: ماءً، وتربةً، وبحراً، وموقعاً، وتقنيةً دخلت بيوتهم قبل أن تدخل بيوتنا بعقود. ومع ذلك يسألوننا: «كيف نهضتم؟» والجواب البسيط: لأننا لم نكتفِ بالجلوس على الشاطئ ننتظر أن ترمي لنا الأمواج ذهباً. النهضة ليست هبة من الطبيعة، بل قرار من الإنسان، وتوفيق من الله.

وهناك دول لديها أنهار عظيمة، وأراضٍ سقاها الله بالخير، وسواحل ممتدة، وتقنية سبقت غيرها بعقود - ومع ذلك يعاني بعضها من اضطراب اقتصادي، أو تفاوت اجتماعي حاد، أو بنية تحتية أنهكها الإهمال. وهناك دول أخرى لا تملك إلا الرمال والشمس، فحوّلتهما إلى مدن ومصانع وطرق وجامعات. الفارق لم يكن في ما أنزل الله من موارد، بل في ما فعله الإنسان بما أُوتي. الموارد فرصة، والموقع ميزة، لكن العقل والإدارة والعمل هي التي تُحوّل الفرصة إلى حضارة. ونحن لا نقول هذا شماتةً بأحد، فكل شعب يمر بظروفه، وإنما نقوله لنصحّح ميزان المقارنة.

وحين نتحدث عن بلادنا، فإننا نتحدث عنها بوصفها تجربةً بشريةً نراها ونعيشها، لا أسطورةً نرويها. لم تقل: «نحن ضحايا الجغرافيا»، بل قالت: «سنصنع من الرمال مدناً، ومن الشمس طاقة، ومن النفط اقتصاداً، ومن الإنسان ركيزة». فتحت الجامعات، وبنَت المستشفيات، ومدّت الطرق، وأرسلت أبناءها وبناتها إلى أرقى جامعات العالم. وكل ذلك لم يكن لأن الله خصّها وحدها بالنعم - فالله يختار الجميع بنعم مختلفة، ويسأل كلّاً عما أُوتي - بل لأنها أخذت بالأسباب. ونحن نعترف أن في الطريق تجارب وملاحظات وربما أخطاء، وأن الكمال لله وحده، وأن كل نهضة تحتاج إلى مراجعة وتصحيح. هذا الاعتراف لا يُضعف الإنجاز، بل يجعله أصدق.

أما الحديث عن العطاء، فنحن لا نذكره لنتبارى به، ولا لنمنّ به على أحد، فالله يقول: «ولا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى». لكن من الإنصاف أن يُقال، بلا مبالغة ولا تفاخر، إن بلادنا من أكثر الدول عطاءً في مجال المساعدات الإنسانية قياساً إلى دخلها؛ فقد قدّمت عبر عقود مساعدات تنموية وإغاثية لعدد كبير من الدول الشقيقة والصديقة، ووقفت مع الفقراء والمحتاجين في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها. وهذا العطاء ليس استعلاءً، بل مسؤولية. من أُوتي خيراً شارك، ومن أُوتي علماً علّم، ومن أُوتي نعمةً شكر. والشكر لا يعني أن تُذلّ الآخر، بل أن تمدّ يدك وتقول: «تعال، لنقف معاً». وما قدّمناه أقل من أن نتفاخر به، وأعظم من أن ننساه.

لكن بعض المنتقدين يريدون أن يبقى السعودي «ابن الصحراء» إلى الأبد، حتى إذا نهض قالوا: «كان يجب أن يبقى مكانه». وإذا فتح جامعاته قالوا: «تقلّدون الغرب». وإذا صنع حضارته قالوا: «هذا نفط، لا فضل لكم». وكأن النفط يبني الجامعات وحده، ويعلّم الطلاب وحده، ويصنع القرارات وحده. والحق أن النفط مال، والمال يتحوّل إلى حضارة فقط إذا وُضع في أيدٍ تعرف كيف تبني، وإذا سبقه عقلٌ يخطّط ويدٌ تعمل.

الخلاصة بكل بساطة: الحضارة ليست ما وجدته تحت قدميك، بل ما صنعته فوق الأرض. ونحن لا نعتذر عن صحرائنا، ولا نعتز بما لم نصنع. نعتز بما شيّدناه بأيدينا، ونعرف أن في أعناقنا أمانةً نحو ما بُني، ونحو من لم يُبنَ له شيء. من وُلد في صحراء فحوّلها إلى دولة حديثة، يستحق أن يُذكر إنجازه. ومن ورث حضارة فحافظ عليها وطوّرها، يستحق أيضاً. أما من ورث مجداً لم يصنعه ثم جلس ينتقد الناس ويعيّرهم بما لا يد لهم فيه، فذاك هو المتعالي حقاً. ونقولها بلباقة، لأن الحجة القوية لا تحتاج إلى صوتٍ عالٍ.

بعض الناس يحملون همّاً واحداً في الحياة: أن يذكّرونا بأننا كنّا فقراء. وكأن الفقر جريمة تُلاحق الأجيال، أو صكّ ملكية أخلاقية لمن وُلد على ضفة نهر. والحقيقة التي لا تحتاج إلى دفاع أن كثيراً من شعوب الأرض بدأت من لا شيء، حتى تلك التي تتباهى اليوم بمترو الأنفاق ومقاهي اللاتيه. الفرق أن بعضها نهض، وبعضها ما زال يبحث عن عذر.

يقولون: «كنتم حفاة، كنتم بدواً، لا تاريخ لكم». ويقولونها بنبرة من اكتشف أن الماء يبلّل. وما المشكلة؟ البداية ليست اختيارنا، لكن النهاية صنعنا.

والله سبحانه وزّع الأنهار على أقوام والرمال على آخرين لحكمة يعلمها، والحكمة ليست في ما وُهب لك، بل في ما صنعته به. وما بلغنا هو توفيق من الله أولاً، ثم جهد أجيال تعبت وبنَت، ولا يليق بنا أن ننسب إلى أنفسنا ما هو فضل الله ثم فضل من سبقنا.

والغريب أن كثيراً من هؤلاء «الخبراء» في شأننا لم يقرأوا عنه سطراً، لكنهم مستعدون لإلقاء محاضرة كاملة في كل مناسبة. يسألوننا: «ماذا قدّمتم؟» وهم جالسون على أطلال حضارة لم يبنوها، فوق أرض خصبة لم يزرعوها، بين أنهار لم يحفروها، ثم يطالبوننا بإثبات جدارتنا.

ثم يقولون: «أنتم متعالون». واعتزاز الإنسان ببلده ليس تعالياً، ما دام لا يُنقص من قدر أحد. الفرق بيننا وبين من يعيّر الناس بماضٍ قد غبر أننا نعتز بما رأيناه بعيننا من بناء، وهم يعتزون بما قرأوه في كتاب تاريخ منقوص. والفخر الحقيقي ليس أن تُذكر أرضك، بل أن تنفع الناس الذين يعيشون عليها.

والطرفة الكبرى أن هؤلاء المنتقدين يملكون كل مقومات النهوض: ماءً، وتربةً، وبحراً، وموقعاً، وتقنيةً دخلت بيوتهم قبل أن تدخل بيوتنا بعقود. ومع ذلك يسألوننا: «كيف نهضتم؟» والجواب البسيط: لأننا لم نكتفِ بالجلوس على الشاطئ ننتظر أن ترمي لنا الأمواج ذهباً. النهضة ليست هبة من الطبيعة، بل قرار من الإنسان، وتوفيق من الله.