من يصنع السينما ومن يملكها؟

يوم الأربعاء الماضي، بعد التريض، وفي ذلك الوقت الهادئ الذي أعود فيه إلى زنزانتي وأجلس أمام التليفزيون، ظهر تقرير صحفي عن أزمة حق الأداء العلني، وهو حق الفنانين في عوائد مستمرة من إعادة عرض أعمالهم، وعدم الاكتفاء بأجور مبدئية. كان التقرير صاخبًا ومشحونًا، لكنه اختزل أزمة معقدة في مواجهة تبدو بسيطة: فنان يطالب بحقه، ومنتج يقول إن الصناعة لم تعد تحتمل أعباء جديدة. ظللت أشاهد، لكنني شعرت أن شيئًا أساسيًا غاب عن الصورة. فأنا لا أشاهد هذه الأزمة من خارج الصناعة. أنا أحد العاملين فيها، وبالتالي واحد من أصحاب المصلحة فيها. ولهذا لم أجد نفسي أمام سؤال: من على حق، المنتج أم الفنان؟ وإنما أمام أسئلة أوسع: من يصنع السينما؟ ومن يملكها؟ ومن يحدد قيمة العمل؟ ومن يحصل على القيمة التي ينتجها هذا العمل عندما يستمر عرضه واستخدامه بعد انتهاء إنتاجه؟ من هنا أكتب، ليس للدخول في معركة بين طرفين، وإنما لمحاولة فهم ما تكشفه أزمة حق الأداء العلني عن صناعة السينما والدراما: عن القانون الذي ينظم الحقوق، وعن طبيعة العمل السينمائي والدرامي باعتباره عملًا جماعيًا، وعن السوق الحاكمة للصناعة وتأثيرها على التكلفة وتقسيمها وإدارة الربح، وتأثير كل ذلك على السينما والدراما كحركة ثقافية. القانون: ماذا يقول؟ وأين تكمن الفجوة؟ قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 يميز بين حق المؤلف والحقوق المجاورة. فالمادة 147 تمنح المؤلف حقًا استئثاريًا في الترخيص أو المنع لأشكال متعددة من استغلال مصنفه، من بينها الأداء العلني وإعادة البث والإتاحة للجمهور. وفي المقابل، تمنح المواد الخاصة بالحقوق المجاورة فناني الأداء حقوقًا مالية وأدبية على أدائهم، لكن القانون يضع قيدًا مهمًا عندما يكون الأداء قد سُجّل ضمن مصنف سمعي بصري: حقوق فنان الأداء على هذا التسجيل لا تسري بالطريقة نفسها ما لم يتفق على غير ذلك. كما أن القانون يعامل المصنف السينمائي أو التليفزيوني باعتباره عملًا يشارك في تأليفه أكثر من طرف، ويمنح المنتج دورًا مركزيًا في استغلال المصنف وعرضه، ما لم يوجد اتفاق مكتوب يخالف ذلك. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. الأداء العلني ليس ببساطة «فلوس كل مرة الفيلم يتعرض فيها». هو في الأصل أحد حقوق الاستغلال المالي للمصنف أو للأداء، وقد نشأ في مصر تاريخيًا داخل منظومة حقوق المؤلفين والملحنين والشعراء، حيث يمكن تحديد صاحب المصنف الذي يعاد استخدامه: أغنية لها مؤلف وملحن، أو نص له مؤلف. استطاعت منظومة حماية هذه الحقوق أن تتطور بصورة واضحة نسبيًا في مجال الموسيقى، وهو تاريخ ارتبط مبكرًا بتأسيس جمعيات لإدارة حقوق المؤلفين والملحنين في مصر. لكن الفيلم والمسلسل مختلفان في بنيتهما. العمل السمعي البصري ليس إبداع شخص واحد يُعاد تشغيله، بل عملية إبداعية جماعية تُنتج مصنفًا واحدًا، فيها مؤلف وسيناريست ومخرج وممثلون ومصورون ومونتيرون وموسيقيون ومصممون وعشرات المهن الأخرى، وكل منهم يضيف جزءًا من القيمة. غير أنه ليس كل من شارك في صناعة الفيلم يصبح قانونًا «مؤلفًا» للمصنف، وليس كل من ظهر أو عمل فيه يصبح تلقائيًا صاحب حق مستقل في كل إعادة عرض. ولهذا فإن نقل نموذج الأداء العلني من الأغنية إلى الفيلم كما هو يخلق سؤالًا لم يُحسم بما يكفي: هل نحن أمام حق للمؤلف في استغلال مصنفه؟ أم حق لفنان الأداء في استغلال أدائه؟ أم أمام حق اقتصادي جديد يجب تصميمه خصيصًا للمصنف السمعي البصري وتوزيعه بين المشاركين فيه؟ وهذا يفسر التناقض الذي يبدو لأول وهلة غريبًا: لماذا يحصل مؤلف أغنية داخل فيلم على حق عند إعادة استخدام الأغنية، فيما لا يحصل بالضرورة مؤلف الفيلم أو مخرجه أو ممثلوه على مقابل مستقل عن كل إعادة عرض للفيلم نفسه؟ الإجابة ليست أن القانون يعتبر هؤلاء أقل قيمة، وإنما أن الحقوق التي يمنحها القانون مختلفة في طبيعتها. بل إن القانون نفسه يسمح للمؤلف بنقل حقوقه المالية كتابة وبالتفصيل، ويضع قواعد للتعاقد على المقابل، فيما يعد وضع فناني الأداء داخل المصنف السمعي البصري أكثر تعقيدًا بسبب علاقة الأداء بالمصنف النهائي. ومن هنا تصبح عبارة «حق الأداء العلني للممثلين» أضيق من الأزمة نفسها. فالمشكلة ليست الممثل وحده، ولا النجم وحده، ولا حتى سؤال: من يدفع؟ المشكلة هي كيف نوزع القيمة الاقتصادية التي ينتجها الفيلم أو المسلسل عندما يظل يُعرض ويُعاد عرضه ويباع لمنصات وقنوات وأسواق جديدة بعد انتهاء الأجر الأصلي لمن شاركوا في صناعته؟ فإذا كان العمل يحقق قيمة جديدة من إعادة عرضه، فمن المنطقي أن يكون هناك نقاش حول كيفية توزيع هذه القيمة على أصحاب المساهمات الإبداعية فيه، لكن هذا التوزيع يحتاج إلى قاعدة واضحة: من يستحق؟ وبأي صفة؟ وعلى أي نوع من الاستغلال؟ وكيف تُحسب النسبة؟ ومن يدفع في المقام الأول؟ وكيف نضمن ألا يتحول الحق إلى امتياز تفاوضي جديد لأصحاب القوة الأكبر داخل الصناعة؟ هنا تظهر أيضًا مشكلة النجم. يمكن للعقد أن يحمي من يعمل في المستقبل، وأن يحدد بوضوح حقوق العرض الأول وإعادة العرض والعرض في المنصات ومدد الاستغلال والمقابل المالي. ولكن، إذا تُرك الأمر للعقود الفردية وحدها، فإن الفنان الأكثر شهرة وقدرة على التفاوض يستطيع أن يطلب شروطًا أفضل، فيما يبقى الأقل شهرة أو العنصر الأضعف تفاوضيًا خارج المعادلة. في المقابل، إذا فُرضت نسبة مفتوحة على كل مشارك في إبداع العمل دون تحديد واضح، فقد تتحول التكلفة إلى عبء جديد على إنتاج يعاني أصلًا من ارتفاع تكاليفه ومن تغير اقتصاد التوزيع والمنصات. وهذه ليست حجة لإسقاط الحق، بل دليل على أن المشكلة تحتاج إلى نظام لتوزيع العائد، لا مجرد إضافة بند جديد إلى عقد. وقد عكست المناقشات الأخيرة هذه الفجوة: فهناك من يرى أن الحقوق المالية للمبدعين مشروعة، وفي المقابل تحذر غرفة صناعة السينما من أثرها على تكلفة الإنتاج والتوزيع. لا نقول إن القانون «لا يعطي» الممثلين والمخرجين أي حقوق، ذلك غير دقيق. ولا نقول إن كل المشاركين لهم تلقائيًا حق أداء علني، لأن ذلك أيضًا غير دقيق. نقول إن القانون لديه بالفعل منظومة لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، لكنه لا يقدم حلًا بسيطًا لمشكلة توزيع العائد من إعادة استغلال المصنف السمعي البصري الجماعي، وهنا تكمن الفجوة التي كشفها الجدل الحالي. وهذا أدق وأعمق سياسيًا من تحويل القضية إلى أزمة «ممثل ضد منتج». ليس المطلوب أن نختار بين المنتج والفنان، وإنما أن نعيد تعريف العلاقة الاقتصادية داخل الصناعة نفسها. نحتاج إلى قواعد واضحة لحقوق إعادة العرض والاستغلال اللاحق، وآلية مستقلة وشفافة للتحصيل والتوزيع، وعقود مستقبلية تحدد كل حق على حدة، وقاعدة تمنع أن تتحول الحماية إلى امتياز للنجم وحده، وفي الوقت نفسه لا تسمح بأن يصبح الأجر الأول الذي يحصل عليه العامل ذريعة لمصادرة كل قيمة مستقبلية للعمل. عندها فقط يمكن أن يصبح النقاش حول «الأداء العلني» جزءًا من إصلاح أوسع لصناعة السينما والدراما، بدلًا من أن يبقى معركة على اسم حق لا يزال كثير من العاملين في الصناعة أنفسهم لا يعرفون عنه بدقة: هل نطالب بحق قائم بالفعل، أم نحاول صياغة حق جديد يناسب طبيعة السينما الجماعية؟ أزمة صناعة السينما والدراما: عندما تتغير السوق ولا تتغير قواعدها بالسرعة نفسها أزمة السينما المصرية اليوم لا تبدأ من حق الأداء العلني، ولا تنتهي عند أجور الممثلين. الحق ظهر في لحظة أصبحت فيها الصناعة نفسها تعاني خللًا في نموذجها الاقتصادي: تكلفة الإنتاج ترتفع، في حين لم تتطور طرق استرداد هذه التكلفة بالسرعة نفسها؛ سوق العرض تتغير، والمنصات تعيد تشكيل علاقة الجمهور بالعمل، والتوزيع الخارجي أصبح أكثر أهمية لبعض الأفلام، في الوقت الذي لا تزال فيه السوق المصرية، رغم حجمها التاريخي، غير قادرة وحدها على ضمان نجاح الفيلم. ولهذا فإن أي نقاش حول إضافة حق مالي جديد إلى دورة الإنتاج يجب أن يبدأ من السؤال الأسبق: كيف تعمل سوق السينما والدراما المصرية أصلًا، ومن يملك مفاتيحها؟ المشكلة الأولى هي أن الفيلم المصري أصبح يعيش في سوق موزعة بين الداخل والخارج، دون أن يكون أي منهما سوقًا مضمونة. السوق المصرية هي القاعدة الطبيعية لأي صناعة سينمائية مصرية، لكن الإيرادات المحلية لا تكفي دائمًا لاسترداد تكلفة الفيلم، خصوصًا عندما يرتفع سعر الإنتاج وتصبح المنافسة على الشاشات شديدة. في المقابل، أصبح التوزيع العربي، خاصة في أسواق الخليج، جزءًا أساسيًا من حسابات تمويل الفيلم واسترداد تكلفته. هذا الاعتماد على الخارج قد يفتح سوقًا أوسع للفيلم المصري، لكنه في الوقت نفسه يجعل قرارات الإنتاج مرتبطة بذائقة وأسعار وشروط أسواق أخرى. ومع الوقت يمكن أن يتحول الفيلم من عمل يبحث أولًا عن جمهوره المصري إلى منتج يحاول أن يكون قابلًا للبيع في أكثر من سوق عربية. وعندما يصبح جزء كبير من استرداد تكلفة الفيلم معتمدًا على بيعه خارج مصر، يصبح سؤال من هو الجمهور الذي يُصنع الفيلم من أجله سؤالًا اقتصاديًا أيضًا. في الداخل، توجد مشكلة أكثر عمقًا: الجمهور موجود، لكن الوصول إليه ليس متاحًا بالتساوي. عدد دور العرض وتوزيعها جغرافيًا وقدرتها على استيعاب أفلام مختلفة يؤثر مباشرة في فرص الفيلم. هناك مناطق لا تصل إليها الأفلام المصرية بالقدر نفسه الذي تصل به إلى القاهرة والمدن الكبرى، وهناك جمهور لا يستطيع الذهاب إلى السينما بصورة منتظمة بسبب سعر التذكرة وبعد دور العرض. وبذلك تصبح عبارة «الفيلم لم ينجح في شباك التذاكر» مضللة إذا لم نسأل أولًا: كم شاشة وصل إليها؟ وكم عرضًا حصل عليه؟ وفي أي مناطق؟ وفي أي مواعيد؟ وكم ظل موجودًا في دور العرض قبل أن يُستبدل بفيلم آخر؟ السوق لا تقيس فقط رغبة الجمهور في مشاهدة الفيلم؛ إنها تقيس أيضًا قدرة الفيلم على الوصول إلى الجمهور. وهنا تظهر إحدى أكثر مشكلات السوق حساسية: تركيز القوة في التوزيع والعرض. عندما تكون الجهة التي تمتلك أو تسيطر على عدد كبير من دور العرض قريبة في الوقت نفسه من الإنتاج أو التوزيع، فإنها لا تملك فقط مكانًا لعرض الفيلم؛ بل تملك جزءًا من الطريق الذي يمر منه الفيلم إلى الجمهور. هذا ليس اتهامًا بوجود مخالفة بعينها، وإنما وصف لمشكلة هيكلية: من يملك الشاشات يستطيع أن يؤثر في عدد العروض، وتوقيتها، ومدة بقاء الفيلم، والمواقع التي يظهر فيها. ولذلك يصبح التوزيع ليس مجرد مرحلة تأتي بعد الإنتاج، بل جزءًا من القوة التي تحدد أي فيلم لديه فرصة تجارية أصلًا. في هذا النمط من الإنتاج والتوزيع، يكون النجم أكثر أهمية من العمل نفسه، لأن اسمه يمنح الموزع ودور العرض قدرًا أكبر من اليقين التجاري. وبذلك تدخل الصناعة في دائرة مغلقة: الفيلم يحتاج إلى نجم كي يضمن التوزيع، والنجم يستطيع رفع أجره لأنه إحدى الأدوات القليلة التي تراهن عليها السوق لضمان التوزيع والإيراد. يصبح ارتفاع أجور النجوم مشكلة حقيقية عندما يكون عنصر واحد قادرًا على ابتلاع نسبة كبيرة من ميزانية الفيلم. لكن المشكلة لا تتوقف عند الأجر المعلن؛ فقد تضخمت أيضًا تكلفة العناصر المحيطة بالنجم: مساعدين، وسيارات، وكرفانات، وخدمات خاصة، وإقامة، وتجهيزات، وفترات انتظار، وشروط مرتبطة بجدول التصوير. في الفترة الأخيرة، كانت هذه الزيادة في تكاليف الإنتاج جزءًا أساسيًا من النقاش حول أزمة الصناعة، مع الإشارة إلى أن بعض الخدمات المرتبطة بالنجوم أصبحت تمثل تكلفة كبيرة على نحو خاص. وفي الوقت نفسه، وبخلاف تكلفة النجوم، تكلفة الفيلم نفسه ارتفعت في كل بند تقريبًا. معدات التصوير، والإضاءة، والصوت، وأماكن التصوير، والديكورات، والملابس، والمكياج والشعر، والطعام والإقامة، والمؤثرات، والمونتاج، والتصحيح اللوني، والموسيقى، والنقل، وأجور الفنيين والعمال، والتأمين والتجهيزات اللوجستية، ثم الدعاية والتسويق والتوزيع. الفيلم ليس مجرد كاميرا وممثلين وموقع تصوير؛ كل دقيقة على الشاشة وراءها سلسلة طويلة من العمال والخدمات والمعدات. ولذلك فإن ارتفاع التكلفة لا يعني فقط أن المنتج يدفع أكثر؛ يعني أيضًا أن نقطة التعادل نفسها أصبحت أبعد. الفيلم الذي كان يستطيع استرداد تكلفته من عدد معين من التذاكر أو من بيع حقوقه لقناة أو موزع، يحتاج اليوم إلى إيراد أكبر بكثير كي يصل فقط إلى نقطة التعادل. وتزداد المشكلة عندما ندرك أن الإيراد الذي يظهر على شباك التذاكر ليس هو ربح المنتج. الإيرادات تمر عبر دور العرض والتوزيع والضرائب والمصروفات المختلفة، وبالتالي فإن الرقم الذي يراه الجمهور في أخبار الشباك لا يساوي المبلغ الذي يعود إلى الجهة المنتجة. ولذلك فإن ارتفاع الإيرادات الاسمية لا يعني بالضرورة أن الفيلم حقق هامش ربح كبيرًا. كما ظهر مؤخرًا ملف آخر يزيد المسألة تعقيدًا: الجدل حول دقة إيرادات الأفلام ووجود تلاعب محتمل في أرقام الشباك، حتى أن غرفة صناعة السينما بدأت تبحث الملف مع شعبة التوزيع ودور العرض. وحين لا تكون أرقام السوق نفسها شفافة، يصبح من الصعب على المنتج أن يعرف بدقة ما حققه فيلمه، وعلى المستثمر أن يعرف أين يضع أمواله، وعلى الصناعة كلها أن تبني قراراتها على بيانات حقيقية. هناك أيضًا مشكلة الموسمية الشديدة للسوق. الأفلام التجارية الكبرى تتنافس على الأعياد والمواسم التي يزداد فيها إقبال الجمهور، فيما يصبح طرح فيلم خارج هذه الفترات أكثر مخاطرة. وهذا يؤدي إلى تكدس عدد كبير من الأفلام في فترات محددة، ثم فترات يقل فيها العرض. والنتيجة أن الفيلم ينافس على الجمهور، من خلال موعد العرض وعدد الشاشات المتاحة له. ويصبح توقيت الإنتاج نفسه تابعًا لتوقيت النجوم والمواسم؛ وهو ما يضغط على المنتج والفنيين معًا ويجعل عملية الإنتاج أقل مرونة. ثم تأتي القرصنة لتضرب النموذج من الطرف الآخر. الفيلم الذي دفع المنتج ملايين لإنتاجه يمكن أن يصل إلى الإنترنت بصورة غير قانونية في وقت قريب جدًا من طرحه، وأحيانًا بسرعة تجعل النافذة التجارية الأولى للفيلم هي الأكثر تعرضًا للخطر. والقرصنة اليوم لم تعد مجرد موقع إلكتروني بدائي؛ أصبحت شبكات بث و«IPTV» وقنوات ومنصات غير قانونية ومجموعات على تطبيقات التواصل، قادرة على توفير المحتوى بسهولة وبسرعة. وفي مصر والمنطقة العربية، يرتبط انتشارها أيضًا بضعف القدرة على الدفع والوصول غير المتساوي إلى الخدمات القانونية، ما يجعل المعركة أكثر تعقيدًا من مجرد مطالبة الجمهور بعدم المشاهدة بشكل غير قانوني. بالنسبة للصناعة، النتيجة الاقتصادية واضحة: كل مشاهدة مقرصنة تعني أن هناك قيمة استهلاكية حقيقية موجودة لدى الجمهور، لكن جزءًا من هذه القيمة لا يعود إلى أصحاب العمل. المفارقة أن ارتفاع تكلفة المحتوى وتراجع القدرة على استردادها يحدثان في الوقت نفسه. كلما زادت تكلفة الفيلم، احتاج إلى إيراد أكبر؛ وكلما أصبح الجمهور موزعًا بين السينما والتليفزيون والمنصات والقرصنة، أصبح الوصول إلى هذا الإيراد أكثر تعقيدًا. وكلما ارتفع الاعتماد على النجم لضمان الإيراد، ارتفع أجر النجم؛ وكلما ارتفع الأجر، ارتفعت تكلفة الفيلم؛ وكلما ارتفعت التكلفة، زادت الحاجة إلى نجم مضمون وإلى سوق خارجية وإلى منصة أو موزع قادر على شراء العمل. وهكذا لا تعود الصناعة تنتج وفق سؤال: ما الفيلم الذي نريد صنعه؟ وإنما وفق سؤال أكثر قسوة: ما الفيلم الذي نستطيع بيعه؟ وهذا يفسر أيضًا أزمة التنوع داخل الإنتاج. عندما يصبح التمويل عالي المخاطر، يميل السوق إلى تكرار ما يعرف أنه باع من قبل: نجم معروف، نوع ناجح، كوميديا أو أكشن أو تركيبة سبق اختبارها، موسم مضمون، وحملة تسويقية يمكن توقع عائدها. أما الفيلم الذي يحتاج إلى بناء جمهور جديد، أو يعتمد على ممثلين غير معروفين، أو يتناول موضوعًا غير مألوف، فيصبح أصعب في التمويل والتوزيع. يؤكد ذلك تحليلات حديثة للسوق تشير إلى محدودية عدد الموزعين القادرين على التعامل مع الأفلام المستقلة، وإلى أن مالكي دور العرض قد يكونون في الوقت نفسه منتجين لأفلام تجارية كبيرة، بما يجعل الفيلم الذي لا يتم إنتاجه بهذه الطريقة أو ليس به نجمًا كبيرًا أكثر صعوبة في الوصول إلى الشاشات. هكذا يصبح المنتج الذي يريد إنتاج فيلم متوسط الميزانية، أو فيلمًا تجريبيًا، أو عملًا لا يعتمد على نجم كبير، في وضع أضعف؛ لأن قدرته على العرض داخليًا أو البيع الخارجي أقل، وبالتالي تصبح مخاطرة تمويله أكبر. وهذا يفسر لماذا تميل السوق إلى الأعمال التي تحمل أسماء مضمونة تجاريًا، ولماذا يصبح الإنتاج الصغير والمستقل أكثر هشاشة. كل هذا يفسر لماذا لا تكفي زيادة عدد الأفلام المنتجة. الإنتاج دون توزيع يمكن أن يتحول إلى تخزين للأفلام. قد ينتهي الفيلم ويصبح جاهزًا للعرض، لكن لا يجد المكان أو التوقيت أو الحملة التسويقية التي تمنحه فرصة حقيقية. وفي هذه الحالة لا تكون المشكلة أن الفيلم سيئ بالضرورة؛ قد تكون المشكلة أنه لم يحصل على فرصة سوقية عادلة. وهنا لا تكون المشكلة فقط أن بعض الأفلام لا تصل إلى الجمهور؛ المشكلة أن السوق نفسها تضيق قدرتها على إنتاج أنواع مختلفة من الأفلام. يضاعف من التحديات ضعف البنية المؤسسية التي تسمح بقياس السوق وإدارته بصورة حديثة: شفافية أرقام الشباك، وبيانات المشاهدة، وقواعد توزيع الإيرادات، وآليات التعاقد، وتنظيم العلاقة بين المنتج والموزع ودور العرض والمنصة، وغياب سوق تمويل سينمائي قادر على توزيع المخاطر بدل تحميلها لطرف واحد. وحتى الدولة عندما تتدخل برسوم أو إجراءات تنظيمية جديدة يمكن أن تزيد الضغط إذا لم تراعِ الفارق بين الشركات الكبرى والإنتاج المستقل؛ وهو ما ظهر بوضوح في الجدل الذي شهدته الصناعة حول رسوم الرقابة في 2025، إذ حذرت غرفة صناعة السينما من أن التكلفة الإضافية قد تضرب الإنتاجات الصغيرة تحديدًا. إعادة بناء السوق: من إدارة الأزمة إلى إصلاح الصناعة إذا كانت أزمة السينما والدراما قد كشفت أن الخلل ليس في طرف واحد، فإن الحل لا يمكن أن يكون إضافة تكلفة جديدة إلى المنتج أو منح حق جديد للفنان ثم ترك السوق تعمل بالقواعد نفسها. المطلوب هو إعادة بناء العلاقة الاقتصادية التي تنتج الفيلم وتوصله إلى الجمهور. وهذا يبدأ، في رأيي، من معالجة مسألة تركيز القوة داخل السوق. فلا يمكن أن تكون الجهة التي تنتج الفيلم هي نفسها، أو مرتبطة بشكل مباشر، بالجهة التي تملك عددًا كبيرًا من الشاشات التي يفترض أن تتنافس الأفلام على الوصول إليها. وجود الإنتاج والتوزيع والعرض في دائرة اقتصادية واحدة يخلق تضاربًا في المصالح حتى لو لم تقع مخالفة قانونية محددة؛ لأن من يملك الشاشة يملك قدرة على التأثير في عدد العروض، وتوقيتها، ومدة بقاء الفيلم، ومنحه فرصة الوصول إلى الجمهور. لذلك فإن إعادة بناء السوق تبدأ بوضع قواعد واضحة للفصل بين الإنتاج والتوزيع والعرض، ومنع التركز الذي يحول السوق من مساحة للمنافسة إلى منظومة يتحكم فيها عدد محدود من اللاعبين. ولا يعني ذلك إضعاف الشركات الكبيرة أو معاقبتها على نجاحها، وإنما منع امتلاك القوة في أكثر من حلقة من السلسلة إلى الحد الذي يجعل المنتج الصغير أو المستقل يدخل السوق وهو يعرف مسبقًا أن الطرف الأقوى يملك في الوقت نفسه مفاتيح إنتاج الفيلم وتوزيعه وعرضه. ثم تأتي مسألة إعادة بناء السوق الداخلية نفسها. لا يمكن لصناعة بحجم السينما المصرية أن تظل تتعامل مع الجمهور المصري باعتباره مجرد محطة قبل الانتقال إلى السوق الخليجي والعربي. نحن بحاجة إلى عودة السينما إلى المدن والأحياء والمراكز التي خرجت منها تاريخيًا، لا باعتبار ذلك حنينًا إلى الماضي، وإنما باعتباره سياسة اقتصادية لبناء جمهور. السينما لا تحتاج فقط إلى مجمعات ضخمة تستهدف الشرائح الأعلى إنفاقًا؛ تحتاج أيضًا إلى شبكة من دور العرض المتوسطة والصغيرة، بأسعار يمكن لشرائح أوسع من الجمهور تحملها، وفي مناطق أكثر تنوعًا جغرافيًا واجتماعيًا. عندما يصبح الوصول إلى السينما أسهل وأرخص، يتوسع الجمهور، وعندما يتوسع الجمهور تصبح هناك فرصة حقيقية لأفلام متوسطة الميزانية كي تسترد تكلفتها من السوق المحلية بدل أن يصبح بيعها للخارج شرطًا لبقائها. بناء دور عرض في الأحياء ليس مشروعًا ثقافيًا فقط؛ إنه إعادة بناء للسوق نفسها. وبالتوازي مع ذلك، يجب أن تتوقف الصناعة عن التعامل مع الخليج باعتباره السوق الخارجية شبه الطبيعية الوحيدة. السوق العربية أوسع بكثير من الخليج، وهناك أسواق إفريقية ومغاربية ومهاجرون عرب وأسواق دولية يمكن بناء قنوات توزيع لها. لكن فتح هذه الأسواق لا يحدث بمجرد بيع الفيلم بعد الانتهاء منه؛ بل يحتاج إلى شركات توزيع محترفة، وبيانات عن الجمهور، وشراكات دولية، وترجمة ودبلجة وتسويق، وحضور منتظم في المهرجانات والأسواق السينمائية. الهدف ليس استبدال اعتماد على خارج باعتماد على خارج آخر، وإنما تنويع مصادر الإيرادات حتى لا يصبح مستقبل الفيلم مرتبطًا بمشترٍ واحد أو منطقة واحدة. إنتاجيًا، هناك مسألة إعادة الاعتبار إلى الفيلم المتوسط. الصناعة لا يمكن أن تعيش فقط بين فيلمين متطرفين: فيلم ضخم يحتاج إلى نجم وميزانية هائلة حتى يستطيع المنافسة، وفيلم صغير مستقل يعرف مسبقًا أن طريقه إلى الجمهور شديد الصعوبة. هناك مساحة واسعة اختفت تدريجيًا: الفيلم المتوسط الذي يملك سيناريو جيدًا، ومخرجًا محترفًا، وممثلين قادرين، وميزانية منضبطة، ويمكن أن يحقق عائدًا معقولًا من السوق المصرية ثم يذهب إلى الأسواق العربية والمنصات. هذه المنطقة هي التي يمكن أن تعيد التنوع إلى الإنتاج وتقلل اعتماد الصناعة على النجم الواحد، لكنها تحتاج إلى تمويل مختلف، وحوافز إنتاج، وتوزيع مضمون، ودور عرض مستعدة لمنح الفيلم فرصة حقيقية. كذلك، لا يمكن أن نطلب من المنتج أن يتحمل كل المخاطر ثم نطلب من الفنان أن يحصل على نصيبه من كل عائد مستقبلي. المسؤولية يجب أن تكون موزعة داخل الصناعة كلها. ومن هنا يمكن إعادة إحياء نماذج مشاركة النجوم والمنتجين في المخاطرة، لا باعتبارها تبرعًا من الفنان للصناعة، وإنما باعتبارها نموذجًا اقتصاديًا ممكنًا: النجم الذي يحصل على أجر مرتفع يمكن، في بعض الحالات، المشاركة في الإنتاج. وقد عرفت السينما المصرية نماذج تاريخية وحديثة اقتربت من هذه الفكرة، حين دخل نجوم كبار في الإنتاج أو شاركوا في تحمل مخاطرة الفيلم بدل الاكتفاء بأجر ثابت. إعادة تقديم هذه النماذج والترويج لها يمكن أن تخلق ثقافة جديدة ترى النجم ليس فقط كأعلى بند في الميزانية، وإنما كشريك قادر على تحمل جزء من المخاطرة والاستفادة من نجاح العمل. وهذا لا ينبغي أن يكون إلزاميًا، وإنما خيارًا تفاوضيًا حقيقيًا يمكن أن يفيد الطرفين. أي إصلاح اقتصادي سيظل ناقصًا إذا لم نعالج القرصنة. لا يمكن أن نستمر في بناء صناعة مكلفة ثم نترك المنتج النهائي يتسرب إلى منصات غير قانونية فور طرحه. الحل هنا لا يكون فقط بإغلاق رابط أو موقع يظهر كل يوم باسم جديد، وإنما ببناء منظومة إنفاذ رقمي مستمرة، وتعاون حقيقي بين الدولة والمنصات وشركات الاتصالات وأصحاب الحقوق، وسرعة في إزالة المحتوى غير القانوني، وتجفيف مصادر الربح التي تجعل القرصنة تجارة قائمة بذاتها. وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون هناك بديل قانوني سهل ورخيص؛ لأن محاربة القرصنة لا تنجح فقط بالعقاب، وإنما أيضًا بجعل الوصول القانوني إلى الفيلم أكثر سهولة من الوصول غير القانوني إليه. الجمهور الذي يريد مشاهدة الفيلم يجب أن يجد طريقة قانونية ميسرة، وصاحب الحق يجب أن يجد نظامًا سريعًا وفعالًا يحمي عائده. كل هذا لا بد أن يترافق مع إصلاحات طويلة المدى: إنشاء قاعدة بيانات حقيقية للسوق، وشفافية في أرقام الشباك والمشاهدة، وتطوير آليات تحصيل وتوزيع الحقوق، ووضع نماذج عقود أكثر عدلًا ووضوحًا، وتطوير التعليم والتدريب الفني، وتشجيع شركات التوزيع المتخصصة، وإنشاء أدوات تمويل للأفلام المتوسطة والمستقلة، وربما إنشاء حوافز ضريبية أو صناديق تمويل تستهدف الأفلام التي يصعب عليها الحصول على التمويل التجاري التقليدي. لا يمكن تجاهل دور الدولة في كل هذا، لكن دورها يجب أن يكون في تخفيف كلفة الصناعة وبناء البنية التحتية، لا في أن تصبح منتجًا يقرر ما الذي يجب أن يصنعه الفنانون. هناك تكاليف مرتبطة بتراخيص التصوير في الأماكن المختلفة، والتصاريح، والرقابة، والمعدات والخدمات اللوجستية، يمكن للدولة أن تخففها من خلال نظام موحد وسريع للتصاريح، وحوافز للإنتاج، وإعفاءات أو تخفيضات مدروسة على بعض الرسوم، وتشجيع إنشاء خدمات ومرافق إنتاج محلية تقلل الاعتماد على استيراد كل شيء. إذا كانت الدولة تريد صناعة سينما قادرة على المنافسة إقليميًا، فلا يمكن أن تتعامل مع كل كاميرا أو موقع تصوير أو تصريح باعتباره مصدرًا إضافيًا للتحصيل؛ عليها أن تنظر إلى الإنتاج السينمائي باعتباره صناعة اقتصادية تصنع وظائف وتدر عملة صعبة وتبني صورة ثقافية للبلد. والرقابة جزء أساسي من هذا الإصلاح. لا يمكن أن يستغرق الفيلم سنوات في دورة من التصاريح والموافقات والجهات المختلفة، ثم نطلب من المنتج أن يتحمل وحده مخاطر السوق. المطلوب ليس إلغاء التنظيم، وإنما إلغاء البيروقراطية غير الضرورية، ووضع مدد واضحة للرد، ومعايير معلنة، ومسارات تظلم، وجهة مسؤولة يمكن الرجوع إليها. الفيلم صناعة مرتبطة بالوقت؛ تأخر التصوير أو العرض قد يعني ضياع موسم كامل أو تعطيل تمويل أو فقدان فرصة توزيع. وكل يوم إضافي في دورة الموافقات يتحول في النهاية إلى تكلفة على الفيلم. لكن هناك إصلاحًا أعمق من كل ما سبق، وربما هو الشرط الذي لا يمكن الاستغناء عنه: حرية صناعة الفيلم نفسها. لا يمكن أن نتحدث عن صناعة سينمائية قوية إذا كان الكاتب أو المخرج لا يستطيع أن يطرح أسئلة المجتمع بحرية، أو إذا كانت موضوعات معينة تصبح مستحيلة الإنتاج بسبب الخوف من المنع أو التضييق أو الملاحقة. السينما ليست مجرد منتج ترفيهي؛ هي أيضًا مساحة للتفكير في المجتمع وتسجيل تحولاته والصراع حول معانيه. وكلما ضاق هامش التعبير، ضاق معه تنوع الإنتاج، وغادر المبدعون أو لجأوا إلى أعمال أكثر أمانًا وأقل مخاطرة. وبالتالي فإن إصلاح اقتصاد السينما لا ينفصل عن إصلاح المناخ الذي تُصنع فيه السينما. لا يمكن أن نطلب أفلامًا جريئة ومختلفة ثم نبني نظامًا لا يسمح إلا بالأعمال الآمنة. والهدف النهائي من كل ذلك ليس أن ننتج أفلامًا أكثر فقط، وإنما أن نبني سوقًا تستطيع أن تنتج أفلامًا مختلفة، وتوصلها إلى جمهور واسع، وتسترد تكلفتها، وتعيد استثمار أرباحها في أفلام جديدة. عندها فقط يمكن أن يصبح النقاش حول الحقوق المالية للفنانين جزءًا من نظام اقتصادي مستدام: نظام يعرف من يملك الحق، ومن يدفع، ومن يحصل على العائد، وكيف تُحسب الإيرادات، وكيف تُحمى من القرصنة، وكيف تصل إلى أصحابها. إنها محاولة لإعادة توزيع القوة والمخاطرة والقيمة داخل الصناعة كلها. وعندما تصبح السوق أكثر تنافسية، والتوزيع أوسع، والجمهور أكبر، والتكلفة أكثر عقلانية، والبيانات أكثر شفافية، والقرصنة أقل قدرة على ابتلاع العائد، والمناخ أكثر حرية، يصبح من الممكن أن نتحدث عن حقوق الفنانين لا بوصفها عبئًا إضافيًا على صناعة منهكة، وإنما بوصفها جزءًا طبيعيًا من صناعة قادرة أصلًا على إنتاج القيمة وتوزيعها بعدالة.The post من يصنع السينما ومن يملكها؟ first appeared on Mada Masr.