بركات تمثال الفلبين

#قراءة مَنْ كان يظن أن مثل هذا البلد المتشظي في النهاية الشرقية للأراضي المعروفة، المُسمى فلبين تيمنًا بفيليب الثاني، أحد ملوك إسبانيا القرن السادس عشر، والقائم على أكثر من سبعة آلاف وخمسمائة جزيرة مستقلة، تقسّمها إلى ثلاث مناطق جغرافيّة رئيسة، مُحاصرة بأربعة مساقط مائيّة تفصلها عن أربعة حدود لدول لا تمتلك الكثير من الشهرة بدورها في عالمنا الأدبي العربي، قادر على إدهاش المُدقق في الواقع الاجتماعي والثقافي لتلك الدول؛ إذ يتلاشى الحد الفاصل بين الاستعمار -الذي ساهم في نقل المسيحية -أو الإسلام، في سياقات أخرى- إلى تلك الربوع الواقعة على أطراف موضع ميلاد الأديان في قلب العالم القديم، ومدى تدين سكانها، وتأثر ثقافتهم المحلية بمظاهر الإيمان- وبين الأصالة -بعيدًا عن نعرة القومية، والاستقلال الدنيوي لا الأخروي- حتى تتمازج المحلية بالعالمية، وينتج ما يمكن اعتباره خليطًا ثقافيًا مُعقدًا لا مثيل له، ظهر أشد ما ظهر تعبيرًا -بالنسبة لي على الأقل- في أحدث الروايات التي قرأتها مؤخرًا: «السيدة البيضاء، المسيح الأسود»، وتأتي من ذاك بلدٍ، شديد الغرابة ثقافيًا، وبعيد التسطيح في المُخيلة المصرية والعربية. يضفر الكاتب الفلبيني-الصيني تشارلسُن أونج، مختصر تاريخ إيمان الفلبين الكاثوليكي في حكاية بوليسية شيقة تبدأ من قمة جبلٍ سحابي مسرودٍة بتألق، رغم زخم تقديمه لشخصياته الكثيرة، واحدًا تلو الآخر بغير هوادة، ثم سرعان ما تتهاوى نزولًا نحو سفح الحبكة والسرد. بيد أن الواقع المقروء خلف سطور القصة التشويقية الساذجة أعمق بكثير من أن يُحكم عليها بالسوء أو بالخيابة؛ لأن تاريخًا غريبًا عن المعرفة الجمعية العربية يُعاد حكيه، بتصعيد مُبرر يكشف جانبًا غير مرئي عن أكثر من سبعة آلاف وخمسمائة جزيرة تجمعت تحت علمٍ واحد، أقصى ما نعرفه عنه سمعته غير المحمودة في توريد الخادمات غير الأمينات، والشبِقات في قصص الخيانة الزوجية المبتذلة «مع الشغالة»، وعمالة رخيصة تنافس أهل الهند وباكستان والأفارقة في خدمة أناس الخليج إلى آخره من تمييزات سلبية وعنصريات شائعة. صدرت هذه الرواية عن دار صفصافة في 2026 بترجمة جيدة -لكنها تفتقر لحواشٍ ترجمية ضرورية لشرح السياق اللغوي- للسوري فادي الطويل عن الأصل الإنجليزي. يرى جراح الصدر والقلب، تشيستر ليمهواتكو، في أحلامه رؤى عن امرأة جميلة ترتدي فستانًا أبيضَ نقيًا بلا تفسير، تغريه بمستقبلٍ مجهول ونحو حكاية مُشوقة تجرجره. يفيق من أحلامه على صوت انفجارٍ يصل إلى نافذة شقته البرجية الفارهة. بالأسفل، حيث تجمع عدد كبير من المعجبين ببرنامج مسابقات مليونيراتي مُقام في استادٍ قريب، تنهار الفقاعة البشرية بتدافعاتٍ وإغماءات وإشاعاتٍ حول أعمال شغب. يلقي الطبيب بنفسه نحو ساحة التوتر كي يساعد الناجين من حماقات المهرجان الكبير، ليجد -فيما يجد من جرحى أو مصابين- سيدة ترتدي فستانًا أبيضَ بلا غبار، ماثلت فتاة رؤيته تمامًا حتى ظنها هذيانًا محضًا. يهرع لنجدتها ثم يقرر واحدًا من أغبى القرارات التي قد يتخذها جراح طوارئ مُتمرِّس وخبير؛ سيأخذها إلى بيته ليخفيها خوفًا من فقدانها، ولشغفه الشديد بفك طلسم الشخصية المحورية لليالي سهده. حين يحكي لابنته كارمن وهي طبيبة بيطرية سابقة، وباحثة أنثروبولوجيّة حاليًا، رؤاه، فتتعجب لتناقض أحلامه مع مشروع بحثي تُساعد فيه صديق سويدي مثليّ وقعت في حبه من طرفٍ واحد يُدعى روجر جايسلر يحضّر أطروحة عن الدين الشعبي للأمم المختلفة، بتركيزٍ شبه كامل على الظاهرة الفلبينية الشهيرة المُسماة: إيتيم نا نازارينو، أو الناصري الأسود، ومقرها الرئيس الكاتدرائية الصغرى في بلدة كيابو الواقعة في قلب العاصمة، مانيلا. وهي الظاهرة التي اكتشفت -بالصدفة، والقراءة العشوائية وحدها، بغير قصدٍ بحثيّ- على وجود مثيلتها في الناحية الأخرى من العالم، في كوستاريكا، بيد أن هذه قصة أخرى قد تُحكى لاحقًا. يعمق إفشاؤه سره لابنته العلاقة بينهما، فتشركه في رحلة بحثها عن صديقها الأجنبي المفقود، ريثما تستوعب المرأة البيضاء شتات نفسها ببطء في مسكن تشيستر، ويستوعبان صلتها بالحكاية التالية، فيبدآن التبحر في ظاهرة ثقافية شعبية تشبه موالد القديسين والأولياء في مصر، وتعد من أكثر مظاهر الإيمان الفلبيني كثافةً وإيقانًا؛ وهي موكب التراسلاسيون؛ أي انتقال بالإسبانية، إذ في خلال 22 ساعة سنويًا، وعبر ستة كيلومترات في قلب مانيلا يتحرك «بحر متلاطم من البشر يتدافعون في عتمة، يندفعون ويتأرجحون، أقدام عارية، معظمهم من الرجال، يصعدون فوق بعضهم البعض في محاولة للوصول إلى التمثال الأسود الذي يحمل الصليب، بينما يحيط به رجال يرتدون قمصانًا صفراء وحمراء قانية لحمايته من أشد مريديه حماسةً. كان المؤمنون يرمون مناديلهم إلى حراس التمثال، فيمسحونها بالناصري ويعيدونها إليهم، فيما يشبه حفلات الروك». في الرواية، يُنشيء أونج حول الموكب أخوية مُتخيّلة شقية تماثل حراس الهيكل وحَمَلة الكأس وباقي تلك الجماعات التي أثارت فضول الغربيين لسنين؛ تلك الأخوية التي تضم عدة أقسام داخلها اهتمت في البداية بحماية التمثال وكنيسته وموكبه المقدس، ثم سرعان ما حملت راية تحقيق عدالة الرب على الأرض، وبدأت بقتل مروجي المخدرات ومغتصبي الأطفال وكل من تخاله الجماعة خاطئًا في حق الإله والمجتمع! ومن هذا المدخل، يربط أونج تاريخ دخول المسيحية إلى بلده الأم بقصته هذه، فقد «كانت جزر الفلبين مستعمرة تابعة للتاج الإسباني، أما إدارتها فكانت من خلال إسبانيا الجديدة، المكسيك لاحقًا، من القرن الخامس عشر إلى التاسع عشر» وهو ما يعيدنا إلى أصل نحت تمثال المسيح الأسود الذي تدور حوله هذه الحبكة جزئيًا، فالباحث السويدي «سافر إلى المكسيك لتقصي طقوس التعبد المشابهة، وزعم أنه عثر على القرية التي نحت فيها ذلك الفنان المولاتو المجهول تمثال الناصري. قبل أن يُنقل إلى مانيلا عام 1606 على يد أحد الرهبان المتقشفين. كان المايا والأزتيك يعبدون آلهة سوداء، ويرجح الباحثون أن هذه الآلهة تحولت إلى ما عرف لاحقًا بالـ[المسيح الأسود] بعد الغزو الإسباني، وانتشرت تماثيله في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية»، أو قيل -من خلال بحثي عن ظاهرة تمثال مدينة كيابو المعجزي أن خشب المسيح قد أُحرِق في حريق اندلع داخل السفينة الناقلة إياه من المكسيك، لكنها نجت بفضل التمثال، إذ امتص اللهب فاحترق الخشب الأبيض ورُمِّدَ، وصار مسيح أوروبا الأبيض «ابنَ بلد»! من هذه النقطة يُدخل أونج في متن روايته شخصيات عديدة للغاية -أغلب أسمائها إسبانية الأصل، والطريف في الأمر أن له مرجعية استعمارية، فقد صدر في عام 1849 مرسوم كالابيريا باستخدام الكاتالوج الألفبائي للألقاب الذي وضعه الإسبان، ووفقه انتقل مسؤولون رفيعون من بلدة فلبينية لأخرى، مُغيرين أسماء عائلات السكان الأصليين والمدن والشوارع إلى أسماء قشتاليّة قحّة- تلك الشخصيات الثانوية تساعد بخفة الشخصيات الرئيسة في رحلة بحثها عن روجر، وسر الأخوية التي تحمي تمثال الناصري الأسود، وهوية المرأة البيضاء المجهولة؛ كاهن حداثي اسمه جاجوار قابل روجر مرة، وجيفرسون؛ وهو صديق طفولة للطبيب يمتلك حانة تعرّف على صورة السيدة البيضاء -واسمها إيملي- التي اعتادت أن تعمل عنده مغنية ونادلة -قبل أن نكتشف حقيقة أنه ضابط من المخابرات الوطنية مُتخفٍ، وقد جند إيملي لديه كي تكشف تخطيطًا إرهابيًا دعت إليه الأخوية المسلحة التي توارث أعضاؤها حماية تمثال المسيح الأسود في كنيسته وفي موكبه السنوي- وابن أحد أولئك الأعضاء -واسمه باسيليو- الذي ينبذ الواجب الذي فرضه عليه الدم الجاري في عروقه ويرفض إضاعة عمره في رعاية «صنم» تُيّم به شعبه المغفل، وماريا؛ المرأة التي تبنت إيملي بعدما وقعت في حب عذري لكاهن إرساليتها التبشيرية الذي يدعى دي بروين قبل أن يهرب من الكهنوت وينضم للقبائل المحلية للسكان الأصليين ويتزوج منهم وينضم إليهم في نضالهم ضد المستعمر الفكري لبلاده الجديدة، وشرطي أسود نغل يدعى خوسيه كرينشو من جمهور التمثال وذو تاريخ سياسي خافت، ترقى في أخوية الكاباتيران (وهي منظمة سرية خيالية تستمد سمتها من جماعة ثوار فلبينية حقيقية تدعى كاتيبونان حاربت من أجل الاستقلال عن إسبانيا في القرن التاسع عشر) حتى صار زعيمًا ورأى نفسه مقدّسًا، وتجسيدًا للمسيح الأسود نفسه على الأرض، ولُقِبَ بـ«تاتا بيبنج»*، وغيرها الكثير من الشخصيات الثانوية التي تدفع بالحبكة قدمًا حتى نهايتها الطفولية السريعة. فتُبطل محاولة الأخوية للتخريب الوطني عبر «نشر غاز الأعصاب أثناء موكب الناصري، ليس بما يكفي لقتل أحد، وإنما لخلق الذعر فحسب. وكانوا سيلقون باللوم على المسلمين، فتهاجم الحشود مسجد كيابو، وتعم الفوضى مانيلا. عندها يتولى عملاء الأخوية السيطرة على ثلاثة أقسام شرطة حيوية، بينما تستولى المجموعة الأساسية بقيادة بيبنج على كنيسة كيابو ويجعلونها قاعدة لإطلاق ثورة شعبية روحية، ثم يعرض على العمدة أن يواصل حكمه، حاكمًا إلى جانب تاتا بيبنج». وبين هذا وذاك من المطاردات الجريئة، يرسم الكاتب صورًا للمجتمع الفلبيني البسيط -المشابه كثيرًا لبساطة المجتمع المصري، بعيدًا عن قلب الحداثة في وسط المدن الحديثة أو التجمعات الغنية- المجتمع المؤمن بقدسية تمثال، وبشفاعة قد يحققها التمسح به أو تقبيل خشبه، وما يحيط الرمز من اقتصاديات مُربِكة لا تتوقف عن تذكيري بالمجتمع المسيحي المصري -بالذات في مواسم العدرا ومارجرجس وباقي القديسين في كنائسهم الوطنيّة أو أديرتهم الصحراويّة– فهنا، كما في الفلبين، تبيع النسوة في الميدان أمام الكنيسة تذكارات وصورًا وقناني زيوت مُباركة وشموع على هيئاتٍ وألوانٍ مختلفة لكل منها دلالة شفاعية مختلفة للشيء وضده، فترى كارمن «قلوبًا وأكبادًا وأعضاءً تناسلية مصنوعة كلها من الشمع. وأخبرها بائع آخر أن المسيح الطفل ذا القضيب المنتصب يمنح بركة الخصوبة. كما لفت نظرها زجاجات تحتوي سائلًا بنيًا يُباع على أنه محفز للطمث. فعرفت أن هذه الحبوب تستعمل للإجهاض، واستغربت أن تُباع علنًا خارج سور الكنيسة. وكانت الهرمية الكاثوليكية ترفض رسميًا استخدام وسائل منع الحمل الاصطناعية، كما أن الفلبين هي الدولة الوحيدة في العالم، إلى جانب الفاتيكان، التي ما زالت ترفض قانون الطلاق». بدأت شخصيات أونج بداية قوية ومتعمقة في تفاصيل بنائها السردي، ثم سرعان ما بدأت تتسطح بمرور الصفحات، الأمر الذي طال الشخصيات الثانوية اللاحقة، فبدأت وانتهت ثنائية الأبعاد، (مع التحفظ على مدح الخلفيات القصصية الجيدة لطفولة تلك الشخصيات بما قد يدلل على طباعهم النفسية الحالية)، كما لو كان وجودها مجرد ملء للفراغ أو لدفع الحكاية قدمًا أو لمنح الحبكة الخائبة مبررات تحمي من اللجوء الروائي الضعيف للصدف المحضة. ومع الوقت ضاعت ملامح المكان والحدث في سبيل تحويل الرواية ابنة بيئتها إلى فيلم تشويق أمريكي مُترس بحروب العصابات والمطاردات والممرات السرية القديمة أسفل العاصمة مانيلا، ومحاولة اغتيال بابا الفاتيكان في زيارته للعاصمة الفلبينية اعتراضًا على تاريخ المُستعمِر الأبيض في التبشير، على يد «مبشر جاء لينشر الدين، ثم فقد غايته، فاندمج ضمن الأهالي المحليين. والآن يرى أن مهمته الأخيرة هي أن يبطل ما فعلته الكنيسة الكاثوليكية في المستعمرات. وأي وسيلة أفضل لتحقيق ذلك من قتل رأس الكنيسة هنا، في البلد الوحيد ذي الأغلبية المسيحية في آسيا؟». لفت انتباهي إلى ضياع هوية المكان أو الناس رأي قارئ فلبيني أدلى بوجهة نظره هذه في مراجعات الرواية على جودريدز. لكن المعيارين الأقويين اللذين دعّما جودة هذه الرواية، كانا أولًا تعريف القارئ العربي بمظاهر شعبية فلبينيّة أصيلة عبر تصوير مُفصّل مربوط بتاريخ البلاد الحافل بالاحتلال والاستقلال ومحاولة البحث عن قومية أصيلة (وهو ما قد كان ممكنًا حدوثه في بلدنا التي وقعت لاستعمار مماثل مع اختلاف الثقافة وردود الفعل والظروف الجغرافيّة والسياسيّة للبلاد)، وثانيًا طرح فكرتين فلسفيتين إحداهما بشكل سطحي عن مدى علاقة التدين بالمجتمع الحديث، والمعركة اللطيفة القائمة بين المستنيرين الدينيين والأصوليين المحافظين بصلافة، والأخرى عميقة حتى أظنها غير مقصودة؛ وهي معضلة مدى تأثير الاستعمار على ثقافة الشعوب الأصلية، وإلى أي درجة ينبغي أن تصل ردود فعل الاستعادة القومية للتراث الشخصي للبلد المُستعمَر، وما الحد الفاصل بين التلون بثقافة الغير أو التمسك بمُتخلِّفات اجتماعية حرى بإنسان القرن الجديد العاقل نبذها دون التشدق بأصالتها أو مرجعيتها أو رفضها البحت لمجرد الخوف من كونها من تأثيرٍ ثقافي مُغاير، كما لو كان التبادل الثقافي العولمي سُبّة للأصالة! وسلام. *«تاتا بيبنج» أي حضرة المحترم يوسف (تاتا: لقب فخريّ للاحترام بمعنى العم، وبيبنج لفظة فلبينية دارجة للكناية عن أولئك المسمين خوسيه؛ أي يوسف تعريبيًّا).The post بركات تمثال الفلبين first appeared on Mada Masr.