من “باكس أميركانا” إلى “باكس إيرانا”: هل فعلها دونالد ترامب سهواً أو عمداً؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

دخل دونالد ترامب الحرب على إيران تحت عنوان تثبيت "باكس أميركانا"، فانتهى إلى فتح الباب أمام "باكس إيرانا" كما يتصوره الحرس الثوري الإيراني...

دخل دونالد ترامب الحرب على إيران تحت عنوان تثبيت "باكس أميركانا"، فانتهى إلى فتح الباب أمام "باكس إيرانا" كما يتصوره الحرس الثوري الإيراني: سيطرة على مضيق هرمز، أموال ترفع الخناق الاقتصادي عن النظام، وورقة لبنانية تُستخدم لمنافسة إسرائيل على العلاقة مع الولايات المتحدة لا لمجرد محاربتها عبر لبنان.

لم يحدث ذلك لأن الجمهورية الإسلامية انتصرت عسكرياً، ولا لأن الولايات المتحدة هُزمت عسكرياً، بل لأن الرئيس الأميركي تخلّى عن أدوات الضغط قبل أن يحصل على الأثمان السياسية والاستراتيجية التي خاض الحرب من أجلها. تخلى عن ورقته الرابحة برفعه الحصار البحري بمجرد أن وقّع مذكرة تفاهم عائمة. فتح لنفسه باب الخروج من مأزق شخصي من دون أن يؤمّن للولايات المتحدة استراتيجية خروج من الحرب التي بدأها ثم تراجع عنها... وسيُحاسَب.

هذه الغلطة ستلاحق ترامب في الداخل الأميركي قبل الخارج. فهو لم ينتقل من الحرب إلى التسوية بقدر ما انتقل من مأزق عسكري إلى مأزق استراتيجي. المؤسسة الحاكمة في واشنطن لا تشاركه الرهان على حسن نية الجمهورية الإسلامية. وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية وأصوات نافذة في الكونغرس، وبين الجمهوريين وداخل حركة "ماغا"، لا ترى في مذكرة التفاهم ضمانة بل مجازفة. السبب واضح: ما حصلت عليه إيران فوري وملموس، وما وعدت به مؤجل ومشروط وقابل للمماطلة.رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية ليس تفصيلاً تقنياً. إنه فك الخناق الاقتصادي عن النظام في لحظةٍ كان الضغط فيها من أكثر أدوات واشنطن فعالية. الإفراج عن الأموال وفتح الطريق أمام رفع العقوبات والتعهدات المالية وصناديق التعويض وإعادة الإعمار لا تعني فقط إنعاش الاقتصاد الإيراني، بل تعني ضخ الأوكسيجين في شرايين النظام الذي كانت واشنطن تتحدث قبل أشهر عن ضرورة استسلامه. بذلك انتقلت الإدارة الأميركية من سياسة الإخضاع إلى سياسة التمويل المشروط بحسن الظن، وهذا ما يمنح الحرس الثوري فرصة ثمينة لإعادة ترتيب أوراقه.الجمهورية الإسلامية تقرأ المذكرة بلغةٍ مختلفة عن لغة ترامب. الرئيس الأميركي يريد أن يقول إنه أوقف الحرب وفتح هرمز ومنع السلاح النووي، انما كلامه ليس دقيقاً إطلاقاً. أما طهران فتتصرف على أساس أنها انتزعت اعترافاً عملياً ببقاء النظام، وبحقها في الوقت، وبقدرتها على تحويل التفاوض مع "الشيطان الأكبر" من محرّم عقائدي إلى وسيلة لتثبيت السلطة. لم تتخلَّ إيران عن عقيدتها، بل عدّلت أدواتها. فاوضت حين أصبح التفاوض طريقاً إلى الأموال، وفتحت الباب حين صار الباب يؤدي إلى بقاء الحرس الثوري لا إلى إضعافه.