جبل الريحان… قلب المعادلة الإستراتيجية

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

ليس جبل الريحان مجرد مرتفع جغرافي في أقصى الجنوب، ولا مجموعة قرى تتكئ على سفوحه، إنه جزء من الذاكرة الجنوبية، ومن الجغرافيا التي صنعت عبر التاريخ معنى المكان ودوره. فمن سجد والريحان وعرمتى ومليخ واللويزة والعيشية تتشكل مساحة تختزن آثار الإنسان وحكاية الاستقرار، وتجمع بين قيمة ثقافية وعلمية، وموقع جغرافي جعلها حاضرة في تاريخ الجنوب وفي حساباته الاستراتيجية.وتكتسب المنطقة أهميتها العلمية من طبيعة تكوينها الجغرافي والبيئي والبشري، فالارتفاعات، والتربة، ومصادر المياه، وأنماط الزراعة والاستقرار، والشواهد التاريخية والأثرية، تجعل منها مجالاً مفتوحاً لدراسة الجغرافيا الطبيعية والبشرية والجيولوجيا وعلم الآثار والزراعة الجبلية. وهي في الوقت نفسه جزء أصيل من هوية الجنوب وجبل عامل، حيث بقيت العلاقة بالأرض والزراعة وتربية المواشي عنصراً أساسياً في حياة أهلها، ووسيلة من وسائل الحفاظ على الاستقرار في القرى.غير أن الموقع هو الذي يمنح جبل الريحان خصوصيته الأبرز. فارتفاع بعض نقاطه إلى نحو 1350 متراً عن سطح البحر يجعله من المرتفعات الجنوبية ذات الإشراف الواسع، ويضعه عند نقطة اتصال جغرافية بين مناطق متعددة. فهو يربط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بين النبطية وجزين ومرجعيون، وبين الجنوب والبقاع الغربي وراشيا، كما يتصل جغرافياً بمنطقة إقليم التفاح ومحيطها.وفي الجغرافيا العسكرية، تكتسب المرتفعات قيمة تتجاوز مساحتها، لأن الارتفاع يمنح مجالاً أوسع للرصد والإشراف والتحكم بالممرات وفهم حركة المناطق المحيطة، والنقاط الجبلية الاستراتيجية من قلعة الشقيف الى جبل علي الطاهر والدبشة. ومن هنا برز جبل الريحان في القراءات المتعلقة بجغرافيا الجنوب وأهميته الأمنية والعسكرية، وخصوصاً في ظل النقاشات التي تتناول السيطرة على المرتفعات الممتدة شمال منطقة العمليات جنوب نهر الليطاني.ويحتل مقام النبي سجد موقعاً بارزاً من ضمن هذه المنظومة، باعتباره مِعلماً دينياً يضم ضريحاً ذُكِر صاحبه في كتاب التوراة ومِعلماً ثقافياً على واحدة من النقاط المرتفعة، وبحكم موقعه الذي يمنح إطلالة واسعة باتجاه قرى إقليم التفاح وصولاً إلى اتجاهات شرق صيدا، فضلاً عن إشراف مرتفعات جبل الريحان على مساحات من الجنوب الشرقي والغربي جبل الشيخ.ولهذا السبب، تناولت تحليلات وتقارير إعلامية لبنانية موقع جبل الريحان باعتباره منطقة يمكن أن تكون ذات أهمية في أي تصور عسكري للسيطرة على المرتفعات الجنوبية أو تأمين العمق الجغرافي للقوات المتمركزة جنوب الليطاني. وتبقى هذه القراءات في إطار التحليل الجغرافي والعسكري، ولا يمكن التعامل معها بوصفها حكماً مسبقاً على مسار الأحداث أو نيات الأطراف.لكن اختزال الجبل بموقعه العسكري يحجب جانباً آخر لا يقل أهمية. فجبل الريحان يمتلك مقومات اقتصادية وسياحية ما زالت غير مستثمرة بالشكل الكافي. فالقرى تحتفظ بطابعها الريفي، والأراضي الزراعية ما زالت حاضرة، وتربية المواشي جزء من النشاط المحلي، فيما توفر المساحات الطبيعية والارتفاع والمناخ مجالاً واسعاً للسياحة البيئية والريفية.وقد بدأ الجبل بالفعل يتحول إلى مصيفٍ جنوبي يستقطب أبناء المنطقة ولبنانيين من خارجها، مع ازدياد شراء الأراضي وبناء المنازل الصيفية. وهو تطور يعكس تحول المنطقة تدريجاً إلى وجهة يمكن أن تنافس بلدات الاصطياف المعروفة في جبل لبنان والمتن والشوف، شرط أن يحافظ الاستثمار على شخصية الجبل وألا يحوّله إلى تجمعات عمرانية تفقده خصوصيته.إن القيمة الحقيقية لجبل الريحان تكمن في اجتماع عناصر متعددة في مساحة واحدة: هوية جنوبية راسخة، تاريخ وثقافة، قيمة علمية وبيئية، اقتصاد زراعي، إمكانات سياحية، وموقع استراتيجي يتحكم بجغرافيا واسعة.إنه جبلٌ من صميم الجنوب، لكن دلالته تتجاوز حدوده، فمن قممه يمكن قراءة واحدة من أكثر الجغرافيات اللبنانية حساسية، حيث تتحول الأرض من مجرد مكان إلى ذاكرة وهوية وثروة وموقع استراتيجي في آن واحد.

لأول مرة في سوريا، يجد الطيران الشراعي طريقه إلى سماء اللاذقية، بعد سنوات من العمل والمحاولات لتحويل فكرة كانت طويلاً مجرد حلم إلى تجربة حقيقية يمكن للزوار خوضها.