مع انتهاء الولاية.. لماذا ستستحيل الحياة الطبيعية على الرئيس الأمريكي؟! – أحمد آدم

عندما تسلّم ترامب ولايته الثانية في 20 يناير من العام الماضي، لم يتخيل أحد أنه سيطفئ بريق الديمقراطية الأمريكية، ويفقد الداخل الأمريكي أمنه وأمانه، بل ويفقد واشنطن شركاءها التقليديين في أقل من عامين. لذا يُجمع التحليل السياسي على أن حزبه الجمهوري يتجه لخسارة انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر الحالي.

وتجعلنا طبيعة ترامب الصدامية نؤكد أنه لن يقبل بهذا الواقع، بل سيبدأ في التمرد على القوانين والأعراف، وهو ما قد يدفع نحو فتح إجراءات لعزله بحلول نهايات عام 2027 إذا فعل ذلك. غير أن خروج ترامب من الحياة السياسية وعودته للحياة الطبيعية كمواطن من كبار الأثرياء -سواء تم هذا الخروج عبر بوابات العزل الدستوري أو بانقضاء مدته الرئاسية- لن يكون عودة لعيش رغداً كما يتصور البعض؛ فهناك طابور طويل ينتظرون هذه اللحظة على أحر من الجمر.

أولاً: نزيف النفوذ وتآكل الهيبة الأمريكية

- تراجع الهيبة الامريكية وتآكل المصداقية وبخاصة في المنطقة الشرق أوسطية: تُشير المعطيات الجيوسياسية الراهنة إلى أن استمرار حالة «اللاحسم» في الصراع الأمريكي الإيراني، وتحول التهديدات العسكرية إلى مواجهات استنزافية، أدى إلى تغير ملموس في لهجة العديد من الدول، حيث أصبحت أكثر جرأة في انتقاد واشنطن أو اتخاذ مواقف مستقلة عنها. تراجع الردع العسكري التقليدي: أظهرت المواجهات المباشرة الأخيرة (مثل «عملية الغضب الملحمي» في فبراير 2026) أن التفوق العسكري الأمريكي لم ينجح في فرض تغيير سريع للنظام أو وقف البرنامج النووي الإيراني، مما شجع دولاً أخرى على التشكيك في فعالية «القوة الخشنة»، وهناك احتمالات كبيرة بفقدان قواعدها العسكرية بمنطقة الشرق الأوسط: امريكا تمتلك قواعد عسكرية في كل من قطر والكويت والبحرين والامارات والعراق والأردن وسوريا كما تستخدم ميناء جبل على في الامارات كقاعدة عسكرية لقواتها البحرية، وأحيانا تستخدم ميناء العقبة في الاردن لخدمة قواتها البحرية. لقد بدأت القوى الإقليمية الرئيسية بمنطقة الشرق الاوسط تفكر في تأمين نفسها بعد جولتي الصراع مع ايران والتي شكلت فيهما هذه القواعد مخاطر جسيمة على أمن وأمان هذه الدول ومواطنيها بل وتحولت الى مغناطيس للموت. ومن المؤكد أن أمريكا وبعد انتهاء الحرب مع ايران ستشهد طلبات من أغلب هذه الدول بالرغبة في أن تشرع أمريكا في إخلاء هذه القواعد.

- الديمقراطية الامريكية تفقد بريقها: أصبحت الديمقراطية على المحك وفقدت الكثير من رونقها وبريقها ومصداقيتها وهو ما نعرض له فيما يلي:

* غزة كانت البداية: مواطنو كافة دول العالم وبخاصة الدول الاوروبية هالهم ما يرونه من ممارسات اسرائيلية على أهل غزة بانحياز ومساندة كاملة من ترامب ومشاهد يتناولها الاعلام بصفة دائمة تقشعر لها الابدان فانطلقت المظاهرات الحاشدة ضد ما يحدث في غزة تحت سمع وبصر ترامب وهو ما ادى لاعتراف هذه الدول الاوروبية بفلسطين. وولد نفورًا شعبيًا عميقًا من «العباءة الأمريكية» وشكك كثيرا في مصداقية ديمقراطيتها.

* عملية اعتقال مادورو: في واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، قامت الولايات المتحدة بتنفيذ عملية عسكرية داخل العاصمة الفنزويلية أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الأراضي الأمريكية لمحاكمته. هذه الخطوة، التي وصفتها أطراف دولية بأنها «تطبيق للقانون» بينما اعتبرها آخرون «اختطافًا لرئيس دولة ذات سيادة»، تمثل سابقة خطيرة في سلوك القوى الكبرى. فحين تتجاوز قوة عظمى أدوات الضغط التقليدية من عقوبات وعزل سياسي إلى اعتقال مباشر لرئيس دولة، فإنها لا تعيد فقط رسم حدود استخدام القوة، بل تضعف أيضًا قدرتها على التمسك بخطاب الشرعية الدولية.

ومن هنا، يصبح من المفهوم لماذا تتزايد جرأة بعض الدول في تحدي المواقف الأمريكية؛ إذ إن الحجة الأخلاقية التي طالما استندت إليها واشنطن في إدارة النظام الدولي، تبدو اليوم أقل صلابة مما كانت عليه في السابق.

* الحرب مع ايران: أثناء عمليات التفاوض بين أمريكا وإيران قام ترامب باتخاذ قرار بالهجوم على ايران بدون اتخاذ الاجراءات الداخلية التى ينص عليها الدستور والقوانين الامريكية كان مدفوعاً - كما قيل - بادعاءات إسرائيلية حول إمكانية تحقيق نصر سريع بمجرد توجيه ضربة لقمة الهرم القيادي لإيران في خطوة تجاوزت كل الاعراف والخطوط الحمراء لقواعد الاشتباك وأكمل قرار الحرب دائرة الشك فى مصداقية الديمقراطية الامريكية. مع العلم أن البروفيسورة « ليندا بيلمز» (خبيرة ميزانيات الحروب بجامعة هارفارد) ومؤسسات بحثية مثل معهد «كوينسي» قد أعلنوا أن تكلفة الحرب مع ايران الحقيقية بلغت تريليون دولار.

* التآكل الداخلي الأخطر: تخطي القوانين الفيدرالية في عمليات الاعتقال واستخدام العنف يتجاوز كونه صراعاً سياسياً؛ إنه تحول في بنية الدولة ذاتها. عندما تصبح «الإرادة الفردية» فوق «المسطرة القانونية»، تفقد المؤسسات (مثل وزارة العدل أو المؤسسات الاستخباراتية) حيادها، وتتحول إلى أدوات لتنفيذ أجندات لا تخضع للرقابة الدستورية المعتادة. وتجاوز كل الأعراف في الداخل، يخلق حالة من «الاستقطاب الحاد» الذي يجعل المجتمع الأمريكي يعيش في «حرب باردة» داخلية. كما أن تكرار مشاهد الاعتقالات الخاطفة والقوة المفرطة يكسر «الصورة النمطية» للولايات المتحدة كواحة للاستقرار والقانون. هذه الممارسات هي التي تمنح الجرأة لدول مثل عُمان أو باكستان للحديث عن «عدم قانونية» التحركات الأمريكية؛ فالحجة الأخلاقية لواشنطن سقطت أولاً في الداخل قبل أن تسقط في ميادين الخليج أو فنزويلا.

- ارتفاع مستوي الدين الامريكي الي 40 تريليون دولار: وهو رقم غير مسبوق في تاريخ أمريكا يؤثر ارتفاع الدين الأمريكي بشكل مباشر وعميق على الحياة اليومية للمواطن والاقتصاد الداخلي من خلال تأثيرات سلبية أهمها: ضغوط تضخمية مستمرة وانخفاض القوة الشرائية مع غلاء المعيشة وأسعار فائدة مرتفعة لفترات أطول وكذا صعوبة الاقتراض الشخصي وهو ما سيؤدي لأزمة في امتلاك السكن والسيارات بخلاف تراجع الخدمات الحكومية وزيادة الضرائب مع تباطؤ النمو الاقتصادي والأجور وهو ما سيؤدي الي تراجع استثمارات القطاع الخاص وضعف الوظائف وبخلاف ايضا خطر الانقسام والجمود السياسي مع عودة معارك سقف الدين. إن اجتماع كلفة الحروب الخيالية مع دين فيدرالي لامس 40 تريليون دولار، بالتوازي مع تشكل تكتلات إقليمية دفاعية جديدة، يضع العالم أمام حقيقة عارية: إن الهيبة التي لا تسندها الأخلاق، والقوة التي لا يحكمها قانون، والاقتصاد الذي تكبله الديون، هي مقومات قوة آيلة للسقوط مهما بلغ عدد قواعدها العسكرية.

ثانيا: استطلاعات الرأي وتحدي الصدام الدستوري مع الكونغرس

* حضر الرئيس دونالد ترامب في مدينة دالاس بولاية تكساس، حيث انطلق «المؤتمر الجمهوري للتجديد النصفي» ( مؤتمر «ترامبابالوزا»)، وهو حدث غير تقليدي يسعى من خلاله ترامب لحشد قاعدته الانتخابية ودعم مرشحي الحزب الجمهوري. وأعلن ترامب في خطاب ألقاه بالمؤتمر عن وعد بمنح «توزيعات أرباح ترامب» بقيمة 5000 دولار لكل مواطن أمريكي بالغ في حال حافظ الحزب الجمهوري على أغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ.