لماذا نصرّ على أن يتعلم الجميع بالطريقة نفسها؟ – د.شريف بن محمد الأتربي

تخيّل فصلًا دراسيًا يجلس فيه ثلاثون طالبًا أمام معلم واحد. يشرح المعلم الفكرة بالطريقة نفسها، ويعرض الأمثلة نفسها، ويمنح الجميع الوقت نفسه، ثم يطرح الأسئلة ذاتها، ويطلب منهم الإجابة عنها في موعد واحد. بعد ذلك يصحح الأوراق، ويصنف الطلاب وفق نتائجهم: متفوق، ومتوسط، وضعيف.

يبدو المشهد مألوفًا، بل قد يبدو منظمًا وعادلًا. لكن لنتوقف عند سؤال بسيط: هل تعلّم الطلاب الثلاثون بالطريقة نفسها لمجرد أنهم تلقوا الدرس نفسه؟

بينهم من فهم الفكرة من المثال الأول، ومن يحتاج إلى مثال آخر، ومن تتضح له الفكرة حين يراها مرسومة أو يجربها بيده، ومن يمتلك المعرفة لكنه يعجز عن التعبير عنها كتابة، ومن يحتاج إلى وقت إضافي ليربط المعلومات الجديدة بما يعرفه مسبقًا. ومع ذلك، قد نطلب منهم جميعًا أن يتعلموا بالطريقة نفسها، ثم نقيس تعلمهم بالأداة نفسها، ونفسر اختلاف نتائجهم على أنه اختلاف في قدراتهم وحدها.

هنا تكمن المفارقة: نعامل الطلاب بالطريقة نفسها، ثم نستغرب أنهم لا يتعلمون بالنتيجة نفسها.

العدل لا يعني أن يتعلم الجميع بالطريقة نفسها

اعتدنا أن نربط العدالة التعليمية بتوحيد ما يقدم للطلاب: المنهج نفسه، والكتاب نفسه، والوقت نفسه، والاختبار نفسه. ولهذا التصور مبررات مهمة؛ فالمناهج المشتركة والمعايير الواضحة ضرورية لضمان حصول الجميع على تعليم ذي جودة، وعدم حرمان طالب من فرص التعلم بسبب ظروفه أو موقعه أو مدرسته. لكن المساواة في فرص التعلم لا تعني بالضرورة التطابق في طريقة التعلم.

فالطالب الذي أتقن المهارة لا يحتاج إلى أن يكرر التدريبات نفسها التي يحتاج إليها زميله الذي لم يتقنها بعد. والذي تعثر في فهم مفهوم رياضي قد لا يحتاج إلى إعادة الشرح بالطريقة ذاتها، بل إلى تمثيل بصري أو تطبيق عملي يكشف له ما غاب عنه. أما الطالب الذي يتقدم بسرعة، فقد يحتاج إلى مهمة أكثر عمقًا وتحديًا بدلًا من الانتظار حتى ينتهي الآخرون.

ليس المطلوب أن نكتب منهجًا مختلفًا لكل طالب، ولا أن نتخلى عن الأهداف المشتركة، بل أن نمتلك مرونة في الطريق الذي يقود إلى تحقيقها.

فالعدالة التعليمية لا تعني أن يحصل الجميع على المعاملة نفسها في كل موقف، بل أن تتاح لهم فرص منصفة لتحقيق أهداف تعلم مشتركة، مع تقديم الدعم الذي تكشف الأدلة الحاجة إليه.

هل المشكلة في الطالب أم في طريقة التدريس؟

حين لا يستوعب طالب درسًا، يكون السؤال المعتاد: لماذا لم يفهم؟ هل لم يذاكر؟ هل تشتت انتباهه؟ هل تنقصه المهارات الأساسية؟

هذه أسئلة مشروعة، لكنها لا تكتمل من دون سؤال آخر: هل كانت طريقة التدريس مناسبة له؟ وهل اكتشفنا موضع التعثر بدقة؟ وهل جرّبنا طريقة أخرى قبل أن نحكم على قدرته؟

قد يكون سبب التعثر ضعفًا في المعرفة السابقة، أو صعوبة في قراءة السؤال، أو نقصًا في المفردات، أو حاجة إلى تدريب أكثر، أو عدم وضوح الشرح. وقد يكون السبب مزيجًا من عوامل متعددة. لذلك فإن تكرار الشرح بالطريقة نفسها، ثم مطالبة الطالب ببذل جهد أكبر، لا يضمن أن المشكلة ستُحل.

وهنا تظهر أهمية التعليم المتمايز؛ أي أن يراعي المعلم تفاوت استعدادات الطلاب واحتياجاتهم، فينوّع الأمثلة والأنشطة وطرق الدعم، ويتيح فرصًا متفاوتة للتدريب والتعمق، مع الحفاظ على الأهداف التعليمية المطلوبة.

فقد يشرح المعلم المفهوم لجميع الطلاب، ثم يوزعهم مؤقتًا وفق ما تكشفه إجاباتهم: مجموعة تحتاج إلى دعم في الأساسيات، وأخرى تحتاج إلى تدريب إضافي، وثالثة تستطيع الانتقال إلى تطبيقات أكثر تعقيدًا. وبعد ذلك يعيد التقييم، ويغيّر توزيع المجموعات وفق تقدم الطلاب، بدلًا من تثبيتهم في تصنيفات دائمة.

وهذا لا يعني أن لكل طالب أسلوب تعلم ثابتًا لا يتغير، أو أن علينا تصنيف الطلاب إلى أنماط جامدة، بل يعني أن التعلم يتطلب تنويعًا مدروسًا في الشرح والممارسة والتقويم، والاستجابة لما تكشفه الأدلة عن احتياجات كل طالب.

من المعلم الذي يشرح إلى المعلم الذي يكتشف كيف يتعلم طلابه

في بعض الممارسات الصفية، قد يُقاس إنجاز الحصة بمدى إكمال الشرح وفق الخطة، بينما ينبغي أن يكون السؤال الأهم: ماذا فهم الطلاب فعلًا؟

قد تكشف إجابة قصيرة، أو سؤال شفهي، أو نشاط تطبيقي، أن معظم الفصل فهم الفكرة، بينما لا يزال عدد من الطلاب يواجه صعوبة في جزء محدد منها. عندئذ يستطيع المعلم التدخل مبكرًا، بدلًا من انتظار الاختبار النهائي حتى تظهر الفجوة بعد فوات فرصة معالجتها في وقتها.

وهذا يغيّر دور المعلم من ناقل للمحتوى إلى مصمم لخبرات التعلم، وملاحظ لتقدم الطلاب، ومتخذ للقرارات التربوية بناءً على ما يراه من أدلة. ولا يقلل ذلك من مكانته، بل يزيد أهمية خبرته وحكمه المهني؛ فتنويع التعليم الناجح لا يتحقق بتوزيع أوراق مختلفة فحسب، بل بفهم ما يحتاج إليه الطلاب، واختيار التدخل المناسب، والتحقق من أثره. كما يستلزم ذلك ألا يُترك المعلم وحده أمام هذه المهمة. فهو يحتاج إلى تدريب عملي مرتبط بالمواقف الحقيقية التي يواجهها داخل الفصل، ووقت للتخطيط، وأدوات تقويم تساعده على اكتشاف الفجوات، ودعم من قائد المدرسة والمشرف التربوي عبر زيارات صفية تركز على تعلم الطلاب، وتحليل مشترك لنتائج التقويم، وتبادل للممارسات الناجحة بين المعلمين؛ حتى يصبح اختلاف الطلاب مدخلًا لتحسين التدريس، لا عبئًا إضافيًا على المعلم.

هل تقيس معايير تقييم المعلم ما يحدث في تعلم الطالب؟

هنا تبرز قضية تستحق أن نتوقف عندها: إذا كنا نريد من المعلم أن ينوّع طرق التدريس، ويراعي الفروق بين الطلاب، ويكتشف فجوات التعلم مبكرًا، فهل تعكس معايير تقييم أدائه هذه الأولويات بوضوح؟ وهل تمنحه الحافز المهني لتطوير ممارساته بناءً على ما يكشفه تعلم طلابه؟

إن تحديث معايير تقييم أداء المعلمين ينبغي ألا يقتصر على مراجعة مؤشرات الأداء أو إضافة متطلبات جديدة، بل أن يتضمن تحولًا في السؤال الذي نقيس به جودة التدريس: من «هل نفّذ المعلم ما خُطّط له؟» إلى «إلى أي مدى ساعدت ممارساته الطلاب على التعلم والتقدم؟».

ويقتضي ذلك الاهتمام بقدرة المعلم على تشخيص المعارف السابقة، واستخدام التقويم التكويني للكشف عن مواطن التعثر، وتنويع الشرح والأنشطة وفق الحاجة، وتقديم تغذية راجعة تساعد الطالب على التحسن، ثم قياس أثر التدخلات التي اتخذها. كما ينبغي أن يتضمن التقييم شواهد على نمو تعلم الطلاب، لا درجاتهم النهائية وحدها، مع مراعاة مستوياتهم عند البداية، وطبيعة المادة، والظروف التعليمية المحيطة بهم. وليس هذا ترفًا تربويًا؛ فقد أبرزت مراجعة بحثية مؤثرة نشرها «بول بلاك وديلان ويليام» عام 1998م أهمية التقويم الصفي في تحسين التعلم، وأشارت إلى أن الاستفادة من نتائجه في تعديل التدريس يمكن أن تحقق مكاسب مهمة في التحصيل، ولا سيما لدى الطلاب الذين يواجهون صعوبات في التعلم. لكن ينبغي ألا يتحول التقييم إلى قائمة إضافية من النماذج والتوثيقات التي تستنزف وقت المعلم، أو إلى حكم على كفاءته مبني على متوسط درجات طلابه وحده. فقد يعمل معلم بكفاءة عالية مع طلاب لديهم فجوات تعليمية كبيرة، ويحققون تقدمًا ملموسًا دون أن يصلوا بعد إلى مستويات تحصيل مرتفعة. وفي المقابل، قد تعكس النتائج المرتفعة لدى فصل آخر مستوى الطلاب عند البداية، لا أثر التدريس وحده.