يتذكر الكاتب بنيامين موزر قائلاً: «كان الجميع في أمريكا، بحسب علمي على الأقل، صهاينة، ولا سيما اليهود منهم، وإن لم يكن ذلك مقتصرًا عليهم». ويستعيد موزر، الحائز على جائزة بوليتزر عن سيرته للكاتبة سوزان سونتاغ، دهشته عندما كان في العشرينيات من عمره، بعدما وصف أحد أصدقائه إسرائيل بأنها «مجموعة من الأجانب الذين لا شأن لهم بالشرق الأوسط»، واعتبر الصهيونية «خطأً فادحًا». ويعترف موزر، الذي أتم الخمسين من عمره مؤخرًا، قائلاً: (لم أكن أدرك حتى أن الصهيونية موضع خلاف).
بلغ التحول في نظرته ذروته خلال زيارة قام بها إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 2016، حيث واجه، بحسب وصفه، واقع الاحتلال الفلسطيني الذي وجده (مروعًا).
في كتابه الجديد، يقدم موزر اثنتي عشرة دراسة لشخصيات يهودية عارضت الصهيونية، وهي حركة ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، ودعت إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وعلى الرغم من أن معارضة الصهيونية أصبحت اليوم قضية مثيرة للجدل، فإن موزر يسعى إلى تخفيف شعور الناشطين اليهود المعاصرين بالعزلة، من خلال إظهار أن الجدل حول الصهيونية كان، في مراحل سابقة، جزءًا أصيلاً من الحياة الفكرية والاجتماعية لليهود. وتشير الأرقام التي يستعرضها الكتاب إلى التحولات التي طرأت على المواقف اليهودية من الصهيونية. فبينما يؤيد نحو 90 % من اليهود الأمريكيين اليوم حق إسرائيل في الوجود دولةً يهودية، فإن نسبة أقل منهم تصف نفسها بالصهيونية. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة المنتمين إلى أكبر منظمة صهيونية أمريكية 1 % عام 1914.
ويفتتح موزر دراساته بشخصية الحاخام آرون صموئيل تاماريس، الذي رأى في اليهودية رؤية أخلاقية للعالم تتجاوز النزعة القومية التي أسهمت في تأجيج الحروب، ولا سيما خلال الحرب العالمية الأولى. ويختتم الكتاب بسرد مؤثر لمسيرة المصورة نان غولدين، التي جازفت بمكانتها وتحملت خسائر كبيرة بعدما أعلنت موقفها مع بدء الحرب على غزة عام 2023، في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر.
كان عدد من الشخصيات التي يتناولها موزر، مثله شخصيًا، من المؤيدين المتحمسين للصهيونية قبل أن تتغير مواقفهم. فعندما كان روني كاسريلز في العاشرة من عمره، أقام كشكًا أمام منزله في جنوب إفريقيا لبيع الألعاب وجمع التبرعات لإسرائيل. لكنه أصبح لاحقًا أحد قادة النضال ضد الفصل العنصري، ثم تحول، خلال سبعة وعشرين عامًا قضاها في المنفى، إلى معارض شرس للصهيونية.
ويشير أحد أصدقائه إلى أن كاسريلز يثير غضب خصومه، وأن جانبًا من ذلك يعود إلى كونه يهوديًا متدينًا؛ الأمر الذي يبرز أن معارضة الصهيونية ليست بالضرورة موقفًا صادرًا عن خارج المجتمع اليهودي، بل قد تنبع من داخله، ومن قراءات دينية وأخلاقية وسياسية مختلفة.
ومن الشخصيات التي يتناولها الكتاب الشاعر الهولندي يعقوب إسرائيل دي هان، الذي كتب عام 1912: (نريد أرضنا، ولغتنا، وفننا). لكنه أصيب بخيبة أمل بعد انتقاله إلى فلسطين، الخاضعة آنذاك للانتداب البريطاني، إذ رأى أن الفكرة الصهيونية، على الرغم من جاذبيتها الأولية، (وقعت في أيدي المحتالين ). وفي عام 1924، اغتيل دي هان على يد أبراهام تهومي، البالغ من العمر آنذاك 21 عامًا، والعضو في منظمة الهاجاناه شبه العسكرية، وذلك في سياق تصاعد معارضة الشاعر للقيادة الصهيونية.
تحتل الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت مكانة بارزة في الكتاب. فقد عملت في منظمة (عليا الشباب) في باريس، حيث ساعدت أطفال اللاجئين على الهجرة إلى فلسطين، بعدما اضطرت هي نفسها إلى الفرار من ألمانيا عام 1933.
غير أن موقفها من المشروع الصهيوني تغير لاحقًا، ولا سيما بعد مؤتمر بيلتمور الذي عُقد في نيويورك عام 1942، بمشاركة نحو ستمائة مندوب من المنظمات الصهيونية. فقبل ذلك المؤتمر، كان بعض أنصار الحركة لا يزالون يتصورون قيام دولة واحدة في فلسطين، تقوم على العلاقات التاريخية التي جمعت اليهود والمسلمين والمسيحيين. لكن المحرقة النازية عززت المطالب بإقامة دولة يهودية، وأضفت عليها إلحاحًا استثنائيًا. ومع ذلك، حذرت أرندت من أن إقامة دولة يهودية على حساب الحقوق السياسية للعرب ستضعهم أمام خيارين قاسيين: الهجرة الطوعية أو القبول بمواطنة من الدرجة الثانية.
وقد توقعت، وفقًا لما ينقله موزر، أن الانتصار في النضال من أجل إقامة الدولة لن يضمن لليهود في فلسطين السلام أو الأمن. ويكشف هذا الموقف عن قلق مبكر من أن يؤدي تأسيس دولة على أساس قومي حصري إلى تعميق الصراع بدلًا من تسويته.
تكشف الشخصيات التي يدرسها موزر عن مشاعر عميقة من الخيبة والقلق إزاء ما لحق بالفلسطينيين من دمار ومعاناة. كما يوضح الكتاب كيف تعرض عدد من المعارضين للصهيونية للتشويه والاتهام بمعاداة السامية، حتى إن موزر يحذر من أن الإفراط في استخدام هذا الاتهام قد يفرغه من معناه.
وبعد احتلال إسرائيل قطاع غزة والضفة الغربية عام 1967، كرست المحامية فيليسيا لانغر حياتها للدفاع عن الفلسطينيين. وكان الشيخ موسى البخاري وزوجته من أوائل موكليها، بعدما سُجن ابنهما من دون أن يعرفا أسباب اعتقاله. وعندما التقطت الأسرة ملابس الابن لغسلها، عثرت على قميص ملطخ بالدماء، في مشهد يلخص جانبًا من المعاناة التي دفعت لانغر إلى تكريس حياتها للدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين.
ومع مرور الوقت، وصلت لانغر إلى اعتبار إسرائيل مشروعًا إجراميًا، ثم هاجرت عام 1990 بعدما فقدت إيمانها بإمكانية إصلاحها من الداخل.
ويتناول الكتاب أيضًا المؤرخ آفي شاليم، المولود في العراق، والذي أصبح من أبرز المؤرخين الذين أعادوا النظر في الروايات الإسرائيلية التقليدية المتعلقة بأحداث عام 1948. ويوضح شاليم أن تحوله الفكري لم ينشأ من رغبة مسبقة في دحض الرواية الرسمية، بل من الوثائق التي اطلع عليها في الأرشيفات الإسرائيلية، والتي وجد أنها تناقض تلك الرواية تناقضًا صريحًا. ويصف شاليم الوضع الراهن بأنه قاتم للغاية. ففي عام 2023، قال إنه، على الرغم من أخطاء إسرائيل وخطاياها، لم تكن قد ارتكبت إبادة جماعية. لكنه نشر عام 2025 كتابًا بعنوان «الإبادة الجماعية في غزة»، في تطور يعكس تحولًا في موقفه من الأحداث وتقييمه لطبيعتها.
ما الذي يقدمه الكتاب، وما الذي يغيب عنه؟
تكمن قوة كتاب موزر في تركيزه على حياة الأفراد وتجاربهم الشخصية، بدلًا من الاكتفاء بعرض تاريخ سياسي مجرد. فهو لا يدعي تقديم تاريخ نهائي لمعارضة الصهيونية، كما يدرك أن حياة الفلسطينيين ومعاناتهم تشكلان خلفية أساسية لفهم تجارب الشخصيات التي يتناولها، وإن كان بحثهما تفصيليًا يقع خارج نطاق دراسته.