حين تتحول الإدارة إلى بصمة! – سليمان بن صالح المطرودي

(يرجى التوجه إلى أقرب جهاز بصمة لتسجيل بصمتك خلال (15) دقيقة ... وشكرًا).

امتدادًا للمقال المنشور في جريدتنا العزيزة، تحت عنوان: (مديرو الدوام.. من مراقبة الساعة إلى صناعة الأثر) يوم الثلاثاء 4-4-1448هـ؛ العدد رقم (19368) أكتب اليوم من هذه الرسالة القصيرة التي لا تتجاوز سطرًا، لكنها تحمل في طياتها قصة إدارية طويلة!

قد يراها البعض مجرد تذكير بالانضباط، وقد يراها آخرون إجراءً تنظيميًا لا غبار عليه، لكن السؤال الأهم ليس: هل نستطيع أن نطبق الإجراء؟ بل: هل هذا الإجراء يرفع كفاءة الأداء؟

لا أحد يعترض على الانضباط، ولا على متابعة الحضور والانصراف، فهي جزء من المسؤولية الإدارية.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول وسيلة ضبط الحضور إلى غاية بحد ذاتها، ويصبح إثبات وجود الموظف أهم من الاستفادة من وجوده.

فالموظف جاء إلى مقر عمله ليؤدي عملًا، ويخدم مستفيدًا، ويحل مشكلة، وينجز معاملة، ويشارك في مشروع، ويضيف قيمة.

أما البصمة، مهما بلغت دقتها، فهي تثبت أن الموظف كان هناك؛ لكنها لا تثبت لماذا كان هناك.

وهنا يظهر ما يمكن أن نسميه مجازًا: (المسؤول المعاند) ليس بالضرورة لأنه ضد الانضباط، وإنما لأنه قد يصبح أكثر ارتباطًا بالإجراء من ارتباطه بالغاية التي وُضع الإجراء من أجلها.

الإدارة الحديثة لا تقيس نجاحها بعدد التعليمات والرسائل والتنبيهات والمتابعات، وإنما بقدرتها على تحقيق أهدافها بجودة أعلى، ووقت أقل، وتكلفة أقل.

ولهذا ينبغي أن يكون السؤال حاضرًا عند كل إجراء إداري:

فالرسالة التي تطلب من الموظف التوجه خلال (15) دقيقة إلى جهاز البصمة قد تبدو بسيطة جدًا، لكن خلفها سلسلة من الأعمال:

موظف يترك مكتبه، وموظف يتابع التسجيل، وإدارة ترصد غير المسجلين، واتصالات تُجرى، ومبررات تُطلب، واستثناءات تُراجع، ودعم فني قد يتدخل عند حدوث مشكلة.

فهل رفعنا كفاءة الأداء؟ أم صنعنا عملًا إضافيًا لإثبات أن العمل قائم؟

كفاءة الإنفاق.. عندما يصبح الإجراء تكلفة.

قد نتحدث كثيرًا عن كفاءة الإنفاق عندما يتعلق الأمر بعقد أو مشروع أو شراء، لكن كفاءة الإنفاق تبدأ أيضًا من التفاصيل اليومية للعمل الإداري.

فالرسالة النصية لها تكلفة، والنظام الإلكتروني له تكلفة، ووقت الموظف له تكلفة، ووقت المدير له تكلفة، ووقت الموارد البشرية والدعم الفني والمتابعة له تكلفة أيضًا.

وعندما نطلب من موظف أن يترك عمله ليثبت حضوره، ثم نطلب من موظف آخر متابعة من لم يسجل، ثم تبدأ سلسلة من الاتصالات والمبررات والمعالجات والاستثناءات، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط:

فالهدر لا يأتي دائمًا في صورة مبلغ كبير يظهر في بند مالي؛ فقد يكون دقائق تتكرر يوميًا، وساعات عمل تتراكم شهريًا، وجهدًا إداريًا يُستهلك في متابعة إجراء كان يمكن تحقيق غايته بطريقة أكثر كفاءة.

وهناك تكلفة أخرى لا تظهر في الميزانية أصلًا:

تكلفة استنزاف الموظف نفسيًا وإداريًا، وإشغاله عن المهمة التي يفترض أن يؤديها.

هل أنفقنا المال والوقت والجهد لتحقيق الانضباط؛ أم أنفقناها لإثبات أننا نراقب الانضباط؟

فكفاءة الإنفاق لا تعني أن ننفق أقل فقط؛ بل إن نحصل على قيمة أكبر مقابل كل ريال، وكل ساعة عمل، وكل إجراء إداري.

وهناك سؤال مهم، وربما أكثر أهمية من سؤال البصمة نفسه:

ماذا عن الموظفين الذين تم إعفاؤهم من بصمة الحضور؟

إذا كانت البصمة ضرورة لضبط الانضباط، فلماذا أُعفي البعض منها؟

وإذا كان الإعفاء مبررًا، فما المعايير التي بُني عليها؟

وما المسوغ النظامي الذي تم الاستناد إليه؟

وهل الإعفاء استثناء تنظيمي له مبرراته، أم أن هناك فلسفة إدارية مختلفة في التعامل مع فئات الموظفين؟

فربما يكون من الأفضل أن يجيب عنها من اتخذ قرار الإعفاء، ومن يطالب الآخرين بالبصمة في الوقت نفسه.

والأهم أن تكون المعايير واضحة وعادلة وقابلة للتفسير؛ فالعدالة التنظيمية لا تعني بالضرورة أن تكون الإجراءات متطابقة للجميع، وإنما أن تكون الاختلافات مبنية على معايير موضوعية ومعلنة.

القائد الناجح لا يلغي الرقابة، لكنه يعرف متى يراقب، وماذا يراقب، وكيف يراقب.

فهو لا يرى الموظف مجرد رقم في نظام الحضور، وإنما موردًا بشريًا يستحق الاستثمار.

هل يخفض التكلفة؟ أم يضيف تكلفة غير ضرورية؟

هل يساعد الموظف على أداء عمله؟ أم يشغله عنه؟

وهل يمكن تحقيق الهدف نفسه بطريقة أكثر ذكاءً؟

مدير يدير الإجراءات.. وقائد يدير الأداء.

رؤية السعودية (2030) الإدارة التي تصنع الأثر..

إن التحول الذي نطمح إليه لا يتعلق بالتقنية وحدها، ولا بتحويل الورق إلى شاشة، ولا باستبدال التوقيع الإلكتروني بالبصمة.

فالتحول الحقيقي يبدأ عندما تتغير طريقة التفكير الإداري.

ليس الهدف أن نستخدم التقنية لزيادة الرقابة، وإنما أن نستخدمها لتقليل الإجراءات، وتسريع الإنجاز، وتحسين تجربة الموظف والمستفيد، ورفع كفاءة الموارد.