السعودية.. حين تتحول الرؤية إلى قوة اقتصادية وتكتب الأرقام ملامح المستقبل – سعدون مطلق  السوارج

لا تُقاس متانة الاقتصادات بحجم ما تحققه في سنوات الرخاء وحدها، بل بقدرتها على مواجهة التحولات حين تتشابك الأزمات، وتضطرب سلاسل الإمداد، وتتغير حسابات الأسواق الدولية. ففي عالم تتسارع فيه الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية، تصبح المرونة معياراً يتجاوز معدلات النمو إلى قدرة الدولة على حماية مكتسباتها، ومواصلة تنميتها، والمحافظة على ثقة المستثمرين والشركاء.

ومن هذا المنظور، تكتسب التجربة السعودية أهميتها؛ إذ لا تنفصل قراءة المؤشرات الاقتصادية عن التحولات المؤسسية والتنموية التي شهدتها المملكة، ولا عن رؤية أعادت رسم أولويات الاقتصاد الوطني، ووسّعت قاعدة الإنتاج، وفتحت مجالات جديدة أمام الاستثمار. إنها مسيرة تتداخل فيها قوة الدولة مع حيوية المجتمع، وتلتقي فيها السياسات الحكومية مع طموح القطاع الخاص، ضمن توجه استراتيجي يقوده خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله.

أعادت التطورات الدولية اختبار قدرة الاقتصادات على الصمود أمام اضطرابات الطاقة والتجارة والنقل. وفي هذا السياق، أشار صندوق النقد الدولي، في مراجعته للاقتصاد السعودي خلال يوليو 2026، إلى قدرة المملكة على التكيف مع تداعيات الاضطرابات الإقليمية، مستفيدة من متانة أساسياتها الاقتصادية وبنيتها اللوجستية. ويبرز خط أنابيب الشرق–الغرب مثالاً عملياً على قيمة البنية التحتية الاستراتيجية؛ إذ يتيح نقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر، ويوفر مساراً بديلاً مهماً في ظروف اضطراب بعض طرق الشحن.

وتكشف هذه الشواهد أن المرونة ليست شعاراً يُرفع عند الأزمات، بل قدرة تتأسس على استثمارات وخيارات مؤسسية تراكمت على مدى سنوات. فحين تواجه التجارة اختناقات مفاجئة، تزداد قيمة البدائل اللوجستية، وحين تتسع المخاطر، تتقدم أهمية الاستقرار المالي والاحتياطيات وكفاءة المؤسسات.

وفي تحديثه لتوقعات الاقتصاد العالمي الصادر في أكتوبر 2026، رفع صندوق النقد الدولي توقع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي السعودي لعام 2027 إلى 7.9%، بعد تقدير بلغ 5.5% في يوليو. وتظل هذه النسبة توقعاً مستقبلياً لا نتيجة محققة، لكنها تعكس تقديراً دولياً لإمكانات النمو في المرحلة المقبلة. وتكتسب أهميتها من سياق عالمي لا تزال تحيط به تحديات التجارة والطاقة والإمداد، بما يجعل قراءة الاقتصاد السعودي مرتبطة بقدرته على مواصلة التحول، لا بمؤشر منفرد.

لم تبدأ قصة التحول الاقتصادي السعودي مع إطلاق رؤية المملكة 2030 عام 2016؛ فخلفها تاريخ طويل من بناء الدولة، وتطوير المؤسسات، واستثمار الموارد، وتوسيع البنية الأساسية. وكانت الطاقة ركيزة رئيسية في مسيرة التنمية، لكن تراكم الخبرة والقدرات الوطنية أتاح الانتقال إلى مرحلة أوسع، تتعدد فيها مصادر النشاط الاقتصادي وتزداد فيها مجالات الإنتاج والاستثمار.

وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، -حفظه الله-، وبقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، اكتسبت هذه المسيرة زخماً جديداً عبر رؤية ربطت التنويع الاقتصادي بتطوير القطاعات الواعدة ورفع كفاءة المؤسسات وتعزيز مشاركة القطاع الخاص. ولم يكن جوهر التحول استبدال ركيزة اقتصادية بأخرى، بل توسيع قاعدة الاقتصاد وتعزيز قدرته على توليد الفرص، مع المحافظة على مكانة المملكة في أسواق الطاقة العالمية. وتظهر بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة نما بنسبة 4.5% خلال عام 2025، مع نمو الأنشطة النفطية بنسبة 5.7 % والأنشطة غير النفطية بنسبة 4.9%. وتبرز هذه النتائج أهمية تعدد روافد النشاط الاقتصادي؛ فالأداء الوطني لا يُقرأ من حركة قطاع منفرد، بل من تفاعل قطاعات تتباين طبيعتها ومحركاتها، وتتكامل في تشكيل الناتج والاستثمار وفرص العمل.

تظهر قيمة التحول الاقتصادي بوضوح حين ننتقل من الأهداف العامة إلى شواهد صناعية محددة. ففي عام 2025، شهد القطاع الصناعي خطوات نوعية، من بينها وضع حجر الأساس لمصنع هيونداي في مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات، بطاقة إنتاجية مستهدفة تبلغ 50 ألف سيارة سنوياً، تشمل المركبات الكهربائية والتقليدية. والمهم في هذا المشروع ليس عدد السيارات وحده، بل ما يرتبط به من توطين للتصنيع، ونقل للخبرات، وتطوير للمهارات، وبناء لسلاسل إمداد محلية.

وفي قطاع الصناعات الدوائية، شهدت المملكة إطلاق أول مصنع متكامل للمستحضرات الحيوية ومصنع للإنسولين بطاقة إنتاجية تصل إلى 15 مليون قلم سنوياً. ويمثل هذا التوجه امتداداً للتنويع نحو صناعات أكثر ارتباطاً بالتقنية والمعرفة والأمن الدوائي، بما يوسع القاعدة الإنتاجية الوطنية في مجال حيوي.

أما التعدين، فقد بلغت الاستثمارات فيه 189.4 مليار ريال خلال عام 2025، وأسهم القطاع بنحو 138 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي، في وقت تُقدّر فيه الثروات المعدنية للمملكة بنحو 9.4 تريليون ريال. وتكشف هذه الأرقام عن مساحة اقتصادية واسعة تتصل باستكشاف الموارد وتطويرها وربطها بالصناعة وسلاسل القيمة. وتكتسب هذه الأمثلة دلالتها حين تُقرأ مجتمعة: صناعة السيارات تمثل خطوة نحو توطين صناعة متقدمة، والصناعات الدوائية توسع القدرات في مجال حيوي، والتعدين يفتح آفاقاً أوسع لاستثمار الثروة المعدنية. وهكذا يتجسد التنويع في مشروعات وقطاعات مختلفة، لا في رقم إجمالي فحسب.

تظهر حركة التجارة جانباً آخر من هذا التحول، فقد بلغت الصادرات غير النفطية السعودية، بما يشمل إعادة التصدير، نحو 366.1 مليار ريال خلال عام 2025. وتكشف هذه الحركة عن اتساع الروابط بين الإنتاج المحلي والتجارة والنقل والخدمات اللوجستية، وعن أهمية البنية الأساسية في إيصال المنتجات إلى الأسواق الخارجية.

ولا تقتصر قيمة الصادرات على عائدها المالي؛ فهي تعكس قدرة المنشآت على الإنتاج وفق متطلبات الأسواق، وتوسيع شبكات التوزيع، والاستفادة من الموانئ والمناطق الصناعية والخدمات المساندة. فكلما ارتبط التصنيع بالنقل والخدمات والتجارة، أصبحت القيمة الاقتصادية أوسع من قيمة السلعة عند خروجها من المصنع.

وفي جانب الاستثمار، أظهرت بيانات تقرير الاستثمار العالمي لعام 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ارتفاع التدفقات الداخلة من الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة خلال عام 2025 إلى نحو 32.6 مليار دولار، مقارنة بنحو 21.3 مليار دولار في العام السابق. وتكتسب هذه الزيادة أهميتها من دلالتها على حركة رأس المال الدولي نحو فرص السوق السعودية، مع بقاء قرارات الاستثمار مرتبطة بعوامل متعددة، منها آفاق النمو واستقرار البيئة الاقتصادية والبنية التحتية. كما برزت السياحة بوصفها مجالاً متنامياً لتوسيع النشاط الاقتصادي، من خلال تطوير الوجهات والبنية الفندقية والخدمات الثقافية والترفيهية. ويمتد أثر هذا القطاع إلى النقل والضيافة والتجزئة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ليمنح مدناً ومناطق متعددة فرصاً إضافية للمشاركة في النمو.