ليس صمتًا.. حين تعرف الدولة متى تتحدث ومتى تفعل – محمد سعد  القحطاني

في أوقات الأزمات، يرتفع صوت السؤال قبل أن تكتمل صورة الإجابة، ومع تكرار الاعتداءات الحوثية على المملكة خلال الأيام الماضية، أصبح سؤال يتردد في المجالس ومنصات التواصل:

ولماذا يبدو موقفها هادئًا أمام هذا التصعيد؟

لكن السؤال ربما يبدأ من افتراض يحتاج إلى تصحيح:

الدولة لا تتعامل مع أمنها كما يتعامل الفرد مع استفزاز عابر، ولا تقيس قراراتها بدرجة الغضب في منصات التواصل. فبين الحدث والقرار حسابات تتجاوز ما نراه؛ حسابات تتعلق بحماية الإنسان، وأمن المدن، واستقرار الاقتصاد، وسلامة الملاحة، وعلاقات الدول، ومآلات الحرب قبل بدايتها وبعدها.

وخلال الأيام الماضية لم تكن المملكة صامتة. قواتها اعترضت تهديدات جوية، وصدرت مواقف رسمية واضحة، وأكدت قيادة التحالف أنها ستتعامل مع الاعتداءات بمسؤولية وحزم، وأنها ستتخذ الإجراءات العملياتية اللازمة لحماية سيادة المملكة والمدنيين. وبعد محاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيّرة، أكدت المملكة حقها المشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن وجميع أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها.

إذن نحن أمام دولة تتحدث، وتدافع، وتتحرك؛ لكن ليس بالضرورة بالطريقة أو التوقيت اللذين يتوقعهما المتابع.

وهنا يكمن الفرق بين رد الفعل وإدارة الدولة.

حين يسقط صاروخ أو تُطلق طائرة مسيّرة، قد تكون الاستجابة الطبيعية لدى الإنسان هي المطالبة برد فوري مماثل أو أشد، وهذا شعور مفهوم، خصوصًا عندما تمس الاعتداءات مدنًا يسكنها المدنيون أو تقترب من مقدسات المسلمين. لكن صانع القرار لا ينظر إلى لحظة الاعتداء وحدها، بل إلى اليوم التالي أيضًا، وإلى ما بعده.

الحرب ليست قرارًا يُقاس بصوت بدايته، وإنما بنتائج نهايته.

واليمن نفسه شاهد طويل على مدى تعقيد الحروب حين تتداخل فيها الجغرافيا والقبيلة والسياسة والمصالح الإقليمية والدولية. والتطورات الأخيرة زادت المشهد تعقيدًا بعد تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر وسيطرتهم على مواقع ذات أهمية قرب باب المندب، في وقت تستمر فيه اتصالات ووساطات إقليمية ودولية في محاولة لمنع اتساع المواجهة.

لذلك فإن ضبط النفس لا يعني بالضرورة غياب القدرة، كما أن عدم إعلان القرار لا يعني عدم وجود خيارات.

وفي المقابل، لا ينبغي لنا أن نذهب بعيدًا في تفسير ما لم تعلنه الدولة. لا أحد خارج دوائر القرار يملك أن يجزم بأن هناك ضربة قادمة، أو عملية عسكرية سرية، أو موعدًا محددًا للرد. التحليل المسؤول يقف عند حدود ما نعرفه، ولا يحول التوقعات إلى معلومات.

وما نعرفه حتى الآن واضح: المملكة تعرضت لاعتداءات، ودافعت عن أجوائها ومدنها، وأعلنت موقفها، وأبقت حقها في اتخاذ ما يلزم للدفاع عن أراضيها وأمن الحرمين.

أما متى وكيف تستخدم بقية خياراتها، فذلك قرار دولة لا قرار جمهور.

وقد يكون أحد أخطر ما يريده الخصم أصلًا أن يدفعك إلى المكان والتوقيت اللذين اختارهما هو. فالقوة ليست أن تستجيب لكل استفزاز بالطريقة التي ينتظرها منك خصمك، وإنما أن تحتفظ بحق اختيار توقيتك وأدواتك وحساب مصالحك.

ومن هنا يمكن قراءة الهدوء السعودي بصورة مختلفة.

ليس بوصفه غيابًا عن المشهد، وإنما بوصفه إدارة لأزمة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحدود الجنوبية مع البحر الأحمر وباب المندب، وتتداخل فيها الحرب اليمنية مع صراعات إقليمية أوسع، بينما تبقى حماية المواطن والمقيم والمقدسات والمنشآت والاقتصاد في قلب المسؤولية.

وفي هذه اللحظات تحديدًا، لا تحتاج الدولة إلى إثبات قوتها في كل ساعة، بقدر ما تحتاج إلى استخدام هذه القوة في المكان والوقت والطريقة التي تحقق غايتها.

فالرد الذي يرضي غضب لحظة قد لا يكون دائمًا هو القرار الذي يحمي مصلحة وطن لسنوات.

ربما يكون السؤال الأدق: هل هي صامتة فعلًا، أم أننا اعتدنا أن نسمع صوت القوة ولا نرى حساباتها؟

ما نعرفه أن المملكة قالت بوضوح: إن أمن الحرمين وأراضيها ومواطنيها خط أحمر، وإن لها حق اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عنها.

أما ما ستفعله غدًا، فلا ينبغي لنا أن نسبق الدولة إليه، ولا أن نخترع لها قرارًا لم تعلنه.

فالدول الكبيرة لا تقيس هيبتها بسرعة الانفعال، ولا تكتب قراراتها تحت ضغط التعليقات، ولا تكشف جميع أوراقها لمن يترقبها.

ولهذا قد لا يكون ما نراه صمتًا؛ بل هدوء دولة تعرف أن القرار حين يتعلق بأمن وطن، لا يحتاج إلى ضجيج يسبقه بقدر ما يحتاج إلى حكمة تحكمه وقوة تحميه.

في أوقات الأزمات، يرتفع صوت السؤال قبل أن تكتمل صورة الإجابة، ومع تكرار الاعتداءات الحوثية على المملكة خلال الأيام الماضية، أصبح سؤال يتردد في المجالس ومنصات التواصل:

ولماذا يبدو موقفها هادئًا أمام هذا التصعيد؟

لكن السؤال ربما يبدأ من افتراض يحتاج إلى تصحيح:

الدولة لا تتعامل مع أمنها كما يتعامل الفرد مع استفزاز عابر، ولا تقيس قراراتها بدرجة الغضب في منصات التواصل. فبين الحدث والقرار حسابات تتجاوز ما نراه؛ حسابات تتعلق بحماية الإنسان، وأمن المدن، واستقرار الاقتصاد، وسلامة الملاحة، وعلاقات الدول، ومآلات الحرب قبل بدايتها وبعدها.

وخلال الأيام الماضية لم تكن المملكة صامتة. قواتها اعترضت تهديدات جوية، وصدرت مواقف رسمية واضحة، وأكدت قيادة التحالف أنها ستتعامل مع الاعتداءات بمسؤولية وحزم، وأنها ستتخذ الإجراءات العملياتية اللازمة لحماية سيادة المملكة والمدنيين. وبعد محاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيّرة، أكدت المملكة حقها المشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن وجميع أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها.

إذن نحن أمام دولة تتحدث، وتدافع، وتتحرك؛ لكن ليس بالضرورة بالطريقة أو التوقيت اللذين يتوقعهما المتابع.

وهنا يكمن الفرق بين رد الفعل وإدارة الدولة.

حين يسقط صاروخ أو تُطلق طائرة مسيّرة، قد تكون الاستجابة الطبيعية لدى الإنسان هي المطالبة برد فوري مماثل أو أشد، وهذا شعور مفهوم، خصوصًا عندما تمس الاعتداءات مدنًا يسكنها المدنيون أو تقترب من مقدسات المسلمين. لكن صانع القرار لا ينظر إلى لحظة الاعتداء وحدها، بل إلى اليوم التالي أيضًا، وإلى ما بعده.

الحرب ليست قرارًا يُقاس بصوت بدايته، وإنما بنتائج نهايته.

واليمن نفسه شاهد طويل على مدى تعقيد الحروب حين تتداخل فيها الجغرافيا والقبيلة والسياسة والمصالح الإقليمية والدولية. والتطورات الأخيرة زادت المشهد تعقيدًا بعد تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر وسيطرتهم على مواقع ذات أهمية قرب باب المندب، في وقت تستمر فيه اتصالات ووساطات إقليمية ودولية في محاولة لمنع اتساع المواجهة.

لذلك فإن ضبط النفس لا يعني بالضرورة غياب القدرة، كما أن عدم إعلان القرار لا يعني عدم وجود خيارات.

وفي المقابل، لا ينبغي لنا أن نذهب بعيدًا في تفسير ما لم تعلنه الدولة. لا أحد خارج دوائر القرار يملك أن يجزم بأن هناك ضربة قادمة، أو عملية عسكرية سرية، أو موعدًا محددًا للرد. التحليل المسؤول يقف عند حدود ما نعرفه، ولا يحول التوقعات إلى معلومات.

وما نعرفه حتى الآن واضح: المملكة تعرضت لاعتداءات، ودافعت عن أجوائها ومدنها، وأعلنت موقفها، وأبقت حقها في اتخاذ ما يلزم للدفاع عن أراضيها وأمن الحرمين.