في ربيع عام 1950 جرى حدثان في قارتين، بينهما أسابيع قليلة.
في القاهرة، أقرّ مجلس جامعة الدول العربية معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، ووقّعتها الدول الأعضاء في يونيو من العام نفسه. ونصّت المعاهدة على إنشاء مجلس اقتصادي يُعنى بتنمية التعاون بين الدول العربية.
وفي باريس، وقف وزير الخارجية الفرنسي روبير شومان في 9 مايو 1950، واقترح أن يوضع إنتاج الفحم والصلب في فرنسا وألمانيا تحت سلطة عليا مشتركة. وكان الفحم والصلب يومها مادة الحرب نفسها، وبين البلدين حربان في ثلاثين عاماً. ولم يكن إعلانه موعظة في الأخوّة، بل هندسة للمصلحة. فقد قال إن «التضامن في الإنتاج» سيجعل أي حرب بين البلدين لا مستحيلة التصوّر فحسب، بل مستحيلة مادياً.
النصّان وُلدا في عام واحد. الأول نصّ على التعاون، والثاني بنى المصلحة. وبعد سبعين عاماً ونيف يحق لنا أن نسأل بهدوء: هل يقف العمل العربي المشترك عند قصور في الفهم المشترك، أم عند قصور في بناء المصالح المشتركة؟
بحسب التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر عن صندوق النقد العربي، بلغت الصادرات العربية البينية في 2023 نحو 121.2 مليار دولار، أي 9.9% من إجمالي الصادرات العربية. وتبلغ النسبة المقابلة في الاتحاد الأوروبي نحو 60%، وفي دول جنوب شرق آسيا نحو 21%، بحسب بيانات الأونكتاد.
دول جنوب شرق آسيا لا تجمعها لغة واحدة، ولا ميثاق إقليمي يعود إلى عام 1945. والعرب يجمعهم الاثنان، وقمم تنعقد بانتظام. فلو كان الفهم وحده يصنع المصالح لكانت النسبة العربية أعلى النسب. والإنصاف يقتضي القول إن المسألة ليست نوايا، بل بنية: اقتصادات تتشابه صادراتها، وتفتقر إلى سلاسل إنتاج تربطها. وهذا ما يجعل السؤال سؤال بناء، لا سؤال لوم.
لأن العلاقات تصنع الاستقرار، والاستقرار يجلب الازدهار. وهذا التسلسل ليس شعاراً، بل له في الحقل سند. فقد كتب مونتسكيو في «روح الشرائع» (1748) أن السلام هو الأثر الطبيعي للتجارة، لأن الأمتين المتبادلتين تصيران متعاضدتين في الحاجة. ثم اختُبرت الفكرة بالأرقام، فوجد جون أونيل وبروس راسِت، في بيانات تمتد من 1885 إلى 1992، أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يخفض احتمال النزاع المسلح بين الدول خفضاً معتداً به.
والحلقة الثانية أوضح. فقد وجدت دراسة آري أيسن وفرانسيسكو فيغا، على 169 دولة بين 1960 و2004، أن ارتفاع عدم الاستقرار السياسي يقترن بانخفاض نمو نصيب الفرد من الناتج. وسمّى البنك الدولي الحرب الأهلية «تنمية بالمقلوب».
والصياغة الرسمية السعودية ترتب السلسلة نفسها. ففي 21 أكتوبر 2026 نقلت وكالة الأنباء السعودية عن لقاء نائب وزير الخارجية في جنيف بحث الجهود الرامية إلى «حل النزاعات بما يحقق الاستقرار والازدهار».
غير أن الحقل لا يعطي هذا التسلسل بلا شرط. فقد بيّنت كاثرين باربييري أن الاعتماد المتبادل الشديد قد يرفع النزاع ولا يخفضه. وحذّر ألبرت هيرشمان منذ 1945 من أن التجارة غير المتكافئة تصير أداة نفوذ في يد الطرف الأقوى. وبيّن ديل كوبلاند (2015) أن العبرة بتوقّع دوام المصلحة لا بحجمها اليوم، فالدولة التي تخشى انقطاع مصالحها غداً قد تتصرف اليوم كأنها خسرتها. فالعلاقة التي تجلب الاستقرار هي العلاقة الكثيفة المتوازنة المتوقَّع دوامها. وهذه لا تنشأ وحدها، بل تُبنى.
أربع عواصم تكفي لرؤية الشبكة. براغ وبرلين. في 1991، بعد أشهر من سقوط النظام الشيوعي، دخلت «فولكسفاغن» الألمانية شريكاً في «شكودا» التشيكية بحصة 31%، ثم امتلكتها كاملة في 2000. وكانت «شكودا» تنتج نحو 200 ألف سيارة في السنة، فسلّمت في 2025 أكثر من مليون. ولم تبقَ العلاقة في مصنع: فقد ذهب 30% من صادرات التشيك إلى ألمانيا في 2023. ويقول البنك المركزي التشيكي إن 15% من المكونات الوسيطة التي تصدّرها التشيك إلى ألمانيا لا تُباع في أي سوق أخرى. فلا المصنع التشيكي يجد مشترياً بديلاً، ولا المصنع الألماني يجد مورّداً بديلاً بسهولة.
باريس وبرلين. في 1963 وقّعت الدولتان معاهدة الإليزيه، وأنشأتا بها مكتباً للشباب، شارك في برامجه نحو 10 ملايين شاب حتى 2023. وجددتا العلاقة بمعاهدة آخن في 2019. وكانت فرنسا في 2025 ثاني وجهة لصادرات ألمانيا، بنحو 117 مليار يورو.
باريس ومدريد. في 1970 أُسّست «إيرباص» مناصفة بين شركتين فرنسية وألمانية، وانضمت إليها «كاسا» الإسبانية في 1971. وتوزّع العمل منذ البداية: تجميع في تولوز وهامبورغ، وأجزاء من الذيل قرب مدريد. فلا يستطيع شريك أن يصنع الطائرة وحده. وفي 2015 افتتحت فرنسا وإسبانيا خطاً كهربائياً تحت جبال البرانس، فتضاعفت قدرة التبادل من 1,400 إلى 2,800 ميغاواط، ويُبنى الآن خط بحري يرفعها إلى 5,000 ميغاواط في 2028.
أقوى الدروس جاء من سكة الحديد، فقد أفلست الشركة صاحبة امتياز القطار السريع بين بربينيان الفرنسية وفيغيرس الإسبانية، وصدر حكم بتصفيتها في 2016. ولم تُغلق الدولتان الخط، بل تسلّمته في 21 ديسمبر 2016 شركة مملوكة مناصفة لمشغّلي السكك فيهما. كانت تكلفة الإنقاذ أقل من تكلفة القطع.
وتحت هذه المشروعات علاقات يومية بين الناس. فقد بدأ برنامج «إيراسموس» للتبادل الجامعي في 1987 بنحو 3,200 طالب من 11 دولة، وتجاوز عدد المشاركين فيه 15 مليوناً حتى 2023. وألغت اتفاقية شنغن الرقابة على الحدود الداخلية منذ 1995، ويعبر تلك الحدود نحو 3.5 مليون شخص يومياً بحسب المفوضية الأوروبية. فالعلاقة التي تبدأ في مصنع أو خط كهرباء تكتمل حين يعتاد الناس العبور.
أفضل نموذج لبناء العلاقات المشتركة هو الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، لأن لها بداية ونهاية حقيقيتين.
كيف بدأ؟ لم يقترح شومان وحدة ولا دستوراً، بل شيئاً أصغر وأصلب: قطاعاً واحداً تحت سلطة مشتركة. وقال ما معناه إن أوروبا لا تُبنى دفعة واحدة، بل بإنجازات ملموسة تصنع أولاً تضامناً فعلياً. وفي 18 أبريل 1951 وقّعت ست دول معاهدة باريس.
ثم امتد البناء من قطاع إلى قطاع. ففي 1957 وُقّعت معاهدتا روما، وفي 1962 صار الغذاء سياسة مشتركة، وفي 1968 أُلغيت الرسوم الجمركية بين الدول الست. وكل خطوة جعلت التراجع أغلى من التي قبلها، لأن ما يُفك لم يعد بياناً، بل مصانع وأسواقاً ووظائف.
وكيف انتهى؟ في 23 يوليو 2002 انتهت الجماعة بانتهاء أجلها المنصوص عليه، خمسين عاماً. لم يلغها أحد، ولم تفشل. انتهت لأن ما بدأته صار أكبر منها.
اللافت أن فرنسا وألمانيا لم يكن بينهما فهم مشترك في 1950، فالمصلحة المبنية سبقت الفهم وصنعته. ويكمّل الصورة نموذج الدول الإسكندنافية في الاتجاه المقابل: دول يجمعها الفهم أنشأت سوق عمل مشتركة في 1954، فحوّلت الفهم إلى حقوق ملموسة حفظته. والعرب أقرب إلى هذا الثاني: الفهم موجود، والمطلوب أن يُبنى عليه.