لماذا تعيد المدرسة اكتشاف المشكلة نفسها كل عام؟ – د.شريف بن محمد الأتربي

في الأسابيع الأولى من العام الدراسي، لاحظت معلمة في الصف الرابع أن عددًا من طلابها يتعثرون في القراءة بصورة لافتة. بدأت تجمع الملاحظات، وتصمم اختبارًا تشخيصيًا، وتبحث عن تدخل مناسب. ما لم تكن تعرفه أن زميلة لها في المدرسة نفسها واجهت المشكلة ذاتها مع دفعة العام الماضي، وجرّبت برنامجًا علاجيًا أحدث تحسنًا ملموسًا، ثم انتقلت في حركة النقل الصيف الماضي، ولم تترك خلفها سوى درجات مسجلة في النظام.

ليست هذه حالة يصعب تصورها. فمع بداية كل عام دراسي، تظهر مشكلات مألوفة: ضعف في القراءة، وتراجع في الدافعية، وصعوبات في مادة بعينها، وغياب يتكرر. وظهور هذه المشكلات في ذاته لا يدعو إلى الاستغراب؛ فلكل دفعة خصائصها، والظروف تتغير. لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: لماذا نبدأ تشخيصها من جديد، وكأن المدرسة لم تواجهها من قبل؟

هل لأننا لم نعرف أسبابها في العام الماضي؟ أم لأننا عرفناها، وجربنا حلولًا لها، ثم لم نوثق ما تعلمناه، ولم ننقله إلى من يحتاج إليه، ولم نتحقق من أثر ما فعلناه؟

المشكلة ليست في نقص الجهد، بل في أن الجهد لا يتحول دائمًا إلى معرفة مؤسسية تتراكم عامًا بعد عام.

يمتلك المعلم خبرة في التعامل مع أنواع معينة من صعوبات التعلم، ويعرف قائد المدرسة تفاصيل تحديات العام الماضي، ويحمل المشرف التربوي ملاحظات تراكمت عبر سنوات من الزيارات والمتابعة. لكن ماذا يبقى من ذلك كله حين ينتقل المعلم، أو يتغير القائد، أو تتوزع المسؤوليات من جديد؟

وتجعل حركة النقل بين المدارس والمناطق هذا السؤال أكثر إلحاحًا؛ فحين ينتقل المعلم، قد تنتقل معه خبرة ثمينة لم تُوثق، ويضطر زملاؤه إلى إعادة اكتشاف ما سبق أن توصل إليه.

إذا بقيت المعرفة في ذاكرة الأفراد، فقد تضطر المدرسة إلى إعادة بنائها كل عام. أما إذا تحولت إلى معرفة موثقة تصف المشكلة، وأسبابها التي أمكن التحقق منها، والتدخلات التي جُربت، ونتائجها، فإن المدرسة تبدأ عامها الجديد من نقطة أكثر تقدمًا.

وهنا يظهر الفرق بين مدرسة تعمل بجد، ومدرسة تتعلم من عملها. الأولى تعالج مشكلاتها، والثانية تعالجها ثم تسأل: ما الذي نجح؟ وما الذي لم ينجح؟ ولماذا؟ وهذا جوهر ما طرحه «بيتر سنغي» في مفهوم «المنظمة المتعلمة»: مؤسسة لا تكتفي بأداء عملها، بل تطور قدرتها على التعلم المستمر من خبراتها.

فالمدرسة المتميزة ليست التي لا تواجه مشكلات، بل التي تتعلم من مشكلاتها، فتقلل احتمال تكرارها، وتصبح أكثر سرعة ودقة في الاستجابة لها.

الخطط المدرسية ضرورية لتنظيم العمل وتحديد الأهداف والمسؤوليات. لكن وجود الخطة لا يعني أن المدرسة استفادت من خبرتها السابقة؛ فكثيرًا ما تبدأ الخطة الجديدة بقائمة من الأهداف والإجراءات المعتادة، بينما تبقى الأسئلة المهمة بلا إجابة: ما المشكلات التي واجهتنا فعلًا؟ وما الأسباب التي توصلنا إليها؟ وما التدخلات التي أحدثت فرقًا؟ وما الذي ينبغي أن نستمر فيه، أو نعدّله، أو نتوقف عنه؟

قد تنفذ المدرسة برامج علاجية دون أن تقيس مقدار التحسن الذي أحدثته، وتطلق مبادرات لرفع الدافعية دون أن تتحقق من تغير سلوك الطلاب، وترصد الغياب المتكرر، فتنشغل بتسجيله أكثر من فهم أسبابه.

والمفارقة أن البيانات ليست غائبة. فمدارسنا تملك في نظام «نور» سجلات عن الدرجات والحضور والغياب، وتتوفر لديها أدوات للتقويم الذاتي وتحديد أولويات التحسين. لكن البيانات المخزّنة ليست ذاكرة؛ فالذاكرة المؤسسية تبدأ حين تعرف المدرسة ماذا فعلت بهذه البيانات، وما القرارات التي اتخذتها بناءً عليها، وما النتائج التي تحققت، وما الذي ينبغي أن يتغير في ضوء تلك النتائج.

وعندئذ تتحول الخطة السنوية من سلسلة أنشطة يجري تنفيذها إلى دورة مستمرة من التشخيص، والتدخل، والتقويم، والتطوير.

ولا يعني ذلك أن كل مشكلة يمكن حلها نهائيًا، أو أن تكرارها دليل على فشل المدرسة؛ فبعض المشكلات يحتاج إلى وقت أطول، وبعضها يتأثر بعوامل تقع خارج نطاق المدرسة. لكن السؤال المشروع يبقى: هل أصبح تعاملنا مع المشكلة هذا العام أدق وأكثر فاعلية مما كان عليه في العام الماضي؟

يبدأ الأمر من قائد المدرسة، حين يجعل مراجعة الخبرات السابقة جزءًا من ثقافة العمل، لا مجرد متطلب في ملف الخطة. ويمر بالمعلم، الأقرب إلى ما يحدث داخل الصف، على ألا يتحول التوثيق إلى عبء إداري إضافي، بل إلى ممارسة مهنية مختصرة تجيب عن أربعة أسئلة:

ويمتد الدور إلى المشرف التربوي، الذي يستطيع أن يرى ما قد لا تراه المدرسة الواحدة: مدارس متعددة تواجه المشكلة نفسها، وكل منها تعالجها بصورة منفصلة. وهنا تصبح مشاركة الخبرات وسيلة لاختصار الوقت والجهد، وتجنب تكرار المحاولات التي لم تحقق النتائج المرجوة، والاستفادة من الممارسات التي أثبتت جدواها في سياقات مشابهة.

وفي التجربة اليابانية المعروفة بـ»دراسة الدرس» نموذج لافت للتعلم المهني التعاوني؛ إذ يخطط المعلمون الدرس معًا، ويراقبون تعلم الطلاب أثناء تنفيذه، ثم يناقشون النتائج ويطورون ممارساتهم في ضوئها. وتكمن الدلالة التي تهمنا هنا في أن الخبرة لا تبقى حبيسة تجربة معلم واحد، بل تتحول إلى معرفة مشتركة يمكن تطويرها ونقلها إلى الآخرين.

ولا يتحقق ذلك بجهود المدرسة وحدها؛ فالجهات التعليمية الداعمة تستطيع أن تهيئ أدوات عملية لتوثيق الخبرات الناجحة، وتبادل الممارسات، ومساعدة المدارس على تحليل نتائجها. والمهم أن يكون الهدف هو التعلم والتحسين، لا تحويل كل تعثر إلى موضع للمساءلة الشكلية. وهذا لا يغني مطلقا عن تميز المعلم واستقلاليته داخل الفصل وقدرته على تقديم الدعم وتوفير الحلول لطلابه بما يتواءم مع كل مشكلة بشكل انفرادي، أو بما يتواءم مع طبيعة الطالب نفسه.

أقترح أن تبدأ كل مدرسة عامها بما يمكن تسميته «سجل ما تعلّمناه»: مراجعة مركزة لا لما أنجزته المدرسة في العام السابق فحسب، بل لما تعلمته منه.

ما أبرز فجوات التعلم التي ظهرت؟ وما الأسباب التي أمكن التحقق منها؟ وما التدخلات التي جُربت؟ وما نتائجها المقيسة؟ وما الخبرات التي ينبغي أن يتسلمها المعلمون الجدد قبل أن يبدأوا؟

على أن يكون هذا السجل مختصرًا ومرتبطًا بأدلة ونتائج، لا تقريرًا سرديًا جديدًا؛ بحيث يستطيع المعلم الذي يتولى الصف أو المادة في العام التالي معرفة ما جُرّب، وما أثبت جدواه، وما يحتاج إلى استكمال، دون أن يبدأ من الصفر.

فكما يسلّم المعلم المنتقل عهدته قبل مغادرته، ينبغي أن يسلّم خبرته أيضًا.

ثم تُترجم المراجعة إلى أولويات محدودة ذات أثر كبير، ومؤشرات قابلة للقياس، ومواعيد لمتابعة التقدم. ولا يحتاج ذلك بالضرورة إلى نظام إداري جديد أو مزيد من النماذج، بل إلى إعادة توجيه ما نمارسه بالفعل: ألا ينتهي الإجراء بانتهاء تنفيذه، بل بقياس أثره واستخلاص الدرس منه.

وقد تساعد أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي على اكتشاف الأنماط وتحديد الطلاب الذين يحتاجون إلى تدخل مبكر، لكنها لن تبني ذاكرة مؤسسية بمفردها؛ إذ يتطلب ذلك بيانات موثوقة، وحماية لخصوصية الطلاب، وفريقًا تربويًا يعرف ماذا يسأل، وكيف يفسر النتائج، وما القرارات التي ينبغي اتخاذها بناءً عليها.