لماذا يولد إنسان فقيرًا ثم يموت ثريًا، بينما يولد آخر ثريًا ثم يموت فقيرًا؟ ولماذا يستطيع إنسان أن يصنع من فكرة صغيرة ثروة عظيمة، بينما يعجز آخر عن صناعة شيء رغم امتلاكه المال والفرص والعلاقات؟ وهل الثروة نتيجة ما نجمعه طوال حياتنا، أم نتيجة ما نبنيه في داخلنا قبل أن نبنيه خارجنا؟
ربما كان الخطأ الأول في فهم الثروة أننا اختزلناها في المال، ثم اختزلنا المال في القدرة على جمعه، حتى أصبحنا نقيس نجاح الإنسان بما يملك، لا بما يستطيع أن يصنع أو ينتج. والحقيقة أن المال قد يكون نتيجة الثروة، لكنه ليس بالضرورة مصدرها؛ فقد يمتلك الإنسان الملايين دون أن يمتلك العقل القادر على المحافظة عليها، وقد لا يمتلك شيئًا سوى فكرة وعقل وإرادة وشغف، لكنه يحمل في داخله مقومات ثروة لم تولد بعد.
فالمال لا ينشأ بمعزل عن الإنسان الذي يسعى إليه؛ إذ تتشكل نظرته إلى العمل والمخاطرة والإنفاق منذ طفولته، ثم تعيد التربية والبيئة والتجارب صياغة قناعاته مع مرور الزمن، وما يبدو قرارًا اقتصاديًا خالصًا قد يكون في عمقه امتدادًا لخوف قديم أو طموح نما بصمت.
وأتساءل: هل الفقر حالة نعيشها، أم طريقة تفكير قد تستمر في داخلنا حتى بعد أن نصبح أثرياء؟ وهل الغنى مقدار ما نملك، أم قدرتنا على إنتاج ما لم نكن نملك؟
قد يرث الإنسان مالًا عظيمًا، لكنه يرث أيضًا تصورات عن العمل والمبادرة تجعل الثروة في نظره شيئًا يُستهلك لا شيئًا يُصنع. وقد ينشأ آخر في بيئة فقيرة، ثم يعيد بالوعي والتعلم والتجربة تشكيل نظرته إلى الممكن، فيتحول الفقر من واقع يستسلم له إلى ظرف يسعى إلى تجاوزه. فالفقر ليس فضيلة في ذاته، كما أن الغنى ليس دليلًا على التفوق، لكن الفارق الحقيقي يكمن في الكيفية التي يتعامل بها الإنسان مع ظروفه، وفي قدرته على ألا يسمح لماضيه أو حاضره بأن يحتكر مستقبله.
إن أول ثروة يصنعها الإنسان ليست في حسابه المصرفي، بل في عقله؛ لأن المال الذي لا يقف خلفه عقل قادر على إنتاج القيمة قد ينفذ، أما العقل الذي تعلم كيف ينتج القيمة فيستطيع أن يخلق فرصًا جديدة حتى بعد الخسارة. غير أن العقل، مهما اتسعت قدرته، لا يصنع الثروة في عزلة؛ فالفكرة تحتاج إلى من يؤمن بها، والمهارة إلى من ينتفع بها، ومن هنا تتجلى قيمة العلاقات الإنسانية.
أعتقد أن واحدة من أعظم الثروات التي قد يمتلكها الإنسان هي علاقاته بالآخرين، لا بمعنى كثرة المعارف أو القدرة على الوصول إلى أصحاب النفوذ، بل بمعنى امتلاك ما أسميه الذكاء الاجتماعي المنتج؛ أي القدرة على فهم الإنسان، وبناء الثقة، وإدراك المصالح المشتركة، وتحويل العلاقات الإنسانية إلى فرص ينتفع منها الجميع.
فالإنسان لا يصنع الثروة في عزلة مطلقة؛ إذ يحتاج إلى من يثق به، ومن يعمل معه، ومن يختلف معه، وربما إلى من ينتقده فيكشف له خطأ لم يكن يراه. وقد يملك إنسان فكرة عظيمة، لكنه يعجز عن إقناع الآخرين بها، بينما يمتلك آخر فكرة أقل تميزًا، لكنه يستطيع أن يجمع حولها العقول والمهارات والموارد، فيحولها إلى مشروع ناجح. ولعل السؤال الأعمق هنا: هل نصنع علاقاتنا وحدنا، أم أن هذه العلاقات تعيد بدورها تشكيل رؤيتنا إلى أنفسنا والعالم؟
إن العلاقة الجيدة لا تمنحنا فرصة اقتصادية فحسب، بل قد تعيد تشكيل نظرتنا إلى العالم، فقد يغير لقاء واحد طريقة تفكيرنا، وقد تفتح كلمة واحدة بابًا ظل مغلقًا سنوات، وقد يكون الإنسان الذي نختلف معه أكثر أثرًا في تطورنا من الإنسان الذي يوافقنا دائمًا. لكن العلاقات التي تُبنى على المنفعة المجردة سرعان ما تفقد قيمتها؛ لأن الثقة ليست سلعة تُشترى، وإنما رصيد يتراكم بالصدق والوفاء والاحترام. ومن لا يستطيع أن يكون ذا قيمة في حياة الآخرين، يصعب عليه أن يبني ثروة مستدامة من خلالهم.
وإذا كانت العلاقات تفتح أمامنا أبواب الفرص، فإن المهارات هي ما يجعلنا قادرين على عبورها؛ فهي ثروة لا يستطيع أحد أن يسلبها منا بسهولة. فالمال قد يُفقد، والمشروع قد يفشل، والسوق قد يتغير، لكن المهارة المتجددة تمنح صاحبها قدرة على النهوض من جديد. ومع ذلك، فإن امتلاك المهارات دون معرفة أين وكيف ومتى نستخدمها قد يجعلها مجرد قدرات معطلة.
ولهذا فأن الثروة لا تصنعها المهارة وحدها، وإنما يصنعها اجتماع ثلاثة عناصر: أن تعرف شيئًا، وأن تجيد فعله، وأن تدرك كيف تحول إجادته إلى قيمة مضافه يحتاج إليها الآخرون. وهذا يقودني إلى مفهوم اقتصادي عظيم ارتبط بالفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث، صاحب كتاب «ثروة الأمم»، الذي بيّن كيف تسهم إنتاجية العمل وتقسيمه وتخصصه في زيادة الثروة. إن فكرة القيمة المضافة، بمعناها الاقتصادي الحديث، تفتح أمامنا سؤالًا بالغ الأهمية: لماذا يبيع إنسان المادة الخام بثمن زهيد، بينما يبيع آخر المنتج المصنوع منها بأضعاف ذلك الثمن؟
لأن الثاني لم يكتف بامتلاك الشيء، بل أضاف إليه معرفة أو مهارة أو ابتكارًا أو منفعة. وهذا في تقديري هو أحد أسرار بناء الثروة: ألا تسأل نفسك ماذا أستطيع أن آخذ من العالم، بل ماذا أستطيع أن أضيف إليه؟ فالثروة الحقيقية لا تنشأ من انتقال المال بين الأيدي فحسب، بل من القدرة على إنتاج قيمة مضافه جديدة تستحق أن يدفع الآخرون مقابلها.
وإذا كانت القيمة المضافة أساسًا اقتصاديًا لبناء الثروة، فإنني أرى أن لها امتدادًا فلسفيًا في بناء الإنسان نفسه؛ فالإنسان الذي لا يضيف إلى معرفته أو مهاراته أو وعيه شيئًا جديدًا، قد يعيش سنوات طويلة دون أن يتقدم كثيرًا عن صورته الأولى. وهنا يبرز التركيز بوصفه أحد أكثر أسرار الثروة بساطة، وأكثرها تعرضًا للإهمال.
لقد اختصرت الحكمة الشعبية هذه الحقيقة بقولها: (أبو بالين كذّاب). ورغم بساطة العبارة، فإنها تحمل معنى عميقًا؛ فالإنسان الذي يريد أن يسير في جميع الطرق في اللحظة نفسها قد ينتهي به الأمر إلى ألا يصل في أي منها.
لكن القيمة لا تتحول إلى إنجاز بمجرد إدراكها؛ فهي تحتاج إلى طاقة تُوجَّه وإرادة تحسن الاختيار. لذا فالتشتت ليس دائمًا كثرة الأعمال، بل قد يكون غياب الغاية التي تمنح تلك الأعمال وحدتها ومعناها. وكم من إنسان امتلك أفكارًا عظيمة، لكنه لم يصنع منها شيئًا؛ لأنه كان ينتقل من فكرة إلى أخرى قبل أن يمنح الأولى فرصة النضج!
فالتركيز في جوهره ليس مجرد تنظيم للوقت، بل ممارسة للإرادة؛ إذ يتطلب أن نواجه في داخلنا الرغبة في المكاسب السريعة، وأن نمنح ما اخترناه من أعمال حقه من الصبر والجهد. فالثروة لا تحتاج دائمًا إلى المزيد من الفرص، بل تحتاج أحيانًا إلى الشجاعة في رفض الفرص التي تبعدنا عن غايتنا.
ولأن التركيز لا ينفصل عن حسن الاختيار، فإننا نحتاج إلى توسيع مداركنا قبل أن نقرر أين نضع جهدنا، ومن هنا تأتي القراءة، التي أراها من أكثر وسائل بناء الثروة تعرضًا لسوء الفهم. فليس كل من قرأ أصبح مثقفًا، وليس كل مثقف قادرًا على تحويل معرفته إلى أثر. إن القراءة التي أعنيها ليست جمع الكتب، ولا حفظ العبارات، ولا استعراض أسماء المؤلفين، وإنما القراءة الذكية التي تفتح العقل على احتمالات لم يكن يعرف بوجودها.