كيف تحوّل العمر من مؤشر زمني إلى حكم اجتماعي على القيمة ؟ – د. الجوهرة بنت فهد الزامل

العمر في معناه الأول مؤشر زمني محايد، يعبّر عن عدد السنوات التي عاشها الإنسان، ويحدد موقعه في مسار الحياة. لكنه في الحياة الاجتماعية لا يبقى مجرد رقم؛ إذ سرعان ما يتحول إلى معنى اجتماعي تُبنى عليه تصورات عن الإنسان، وتُفسَّر من خلاله اختياراته وسلوكياته، وتُرسم على أساسه حدود ما يُتوقع منه وما يُسمح له بممارسته. فالمجتمع لا يتعامل مع العمر بوصفه حقيقة بيولوجية فحسب، بل يمنحه دلالات تتجاوز الزمن إلى المكانة والقدرة والملاءمة، حتى يصبح معيارًا غير معلن للحكم على قرارات الإنسان، وتحديد مدى توافقها مع الصورة الاجتماعية المتوقعة من مرحلته العمرية.

وهكذا ينتقل العمر من وصف مسيرة الإنسان إلى التأثير في الطريقة التي يُنظر إليه بها، وفي المساحة المتاحة له للاختيار والمشاركة والبدء من جديد. وتظهر هذه العملية حين يتحول العمر إلى تصنيف، ثم إلى قالب، ثم إلى قيد؛ فالتصنيف يضع الإنسان ضمن فئة عمرية، والقالب يربط هذه الفئة بصفات وتوقعات محددة، أما القيد فينشأ حين تتحول تلك التوقعات إلى أحكام تضيق خيارات الفرد أو تشكك في حقه في اتخاذ قرارات لا تتوافق مع الصورة السائدة عن عمره.

ولا يحدث ذلك دائمًا من خلال منع صريح أو تمييز معلن؛ فقد يظهر في تعليق عابر، أو استغراب من اختيار، أو نصيحة تحمل في ظاهرها الحرص، لكنها تفترض أن بعض القرارات لم تعد مناسبة لأن الإنسان تجاوز عمرًا معينًا. ومن خلال هذه الممارسات اليومية، تكتسب الأعراف العمرية سلطة رمزية تسهم في تنظيم السلوك وترتيب المكانة، حتى من دون قواعد رسمية تفرضها.

وقد تناول مفهوم التمييز العمري (Ageism) هذه الظاهرة، وارتبط ظهوره بأعمال الطبيب والباحث روبرت ن. بتلر، الذي استخدمه للإشارة إلى الصور النمطية والأحكام المسبقة والممارسات التمييزية القائمة على العمر. ولا يقتصر أثر هذا التمييز على حرمان كبار السن من فرصة أو خدمة، بل يمتد إلى تشكيل نظرة المجتمع إلى قدراتهم، وإلى ما يمنحهم من مساحة للمشاركة وإبداء الرأي والمبادرة.

وتكشف اللغة اليومية عن جانب من هذه العملية؛ فوصف الإنسان بأنه كبير في السن قد يكون وصفًا عمريًا محايدًا، لكنه قد يتحول إلى حكم ضمني على قدرته أو أهليته أو ما ينبغي أن يفعله. وهنا لا تعود التسمية مجرد وصف للمرحلة العمرية، بل تصبح وسيلة لتحديد المساحة المتاحة للإنسان في الاختيار والتصرف.

ومن المفارقات أن المجتمع يتقبل توجيه الطفل وتحديد بعض خياراته باعتبار ذلك جزءًا من نموه وتكوينه، لكنه قد يضيّق مساحة اختيار الإنسان الأكبر سنًا، رغم تراكم خبرته واستقلاله. وتكشف هذه المفارقة أن العلاقة بين العمر والاختيار لا تُبنى دائمًا على القدرة الفعلية، بل قد تتأثر بتصورات مسبقة عن المكانة والدور وما يُفترض أن يكون عليه الإنسان في كل مرحلة.

وتظهر هذه التصورات في تفاصيل الحياة اليومية؛ فقد يُنظر إلى الزواج أو الفرح أو تغيير المظهر أو اختيار نوع معين من اللباس باعتبارها أمورًا مرتبطة بعمر محدد. وقد يُستغرب أن يبدأ شخص في الخمسين أو الستين دراسة جديدة، أو يغير مساره المهني، أو يمارس هواية جديدة، أو يخوض تجربة اجتماعية لم يسبق له خوضها. وفي كثير من هذه الحالات لا يتعلق الاعتراض بالفعل نفسه، بل بالعمر الذي وقع فيه.

وهنا تتضح أهمية ما يمكن تسميته توقيت السلوك. فالمجتمع لا يكتفي بتوقع أفعال معينة من الإنسان، بل يربطها بمواعيد عمرية ضمنية، وكأن الحياة تسير وفق جدول غير مكتوب يحدد متى يبدأ الإنسان، ومتى يستقر، ومتى يتراجع، ومتى يفسح المجال لغيره. ولا يظل هذا الجدول مجرد توقع اجتماعي، بل يتحول إلى آلية ضبط غير مرئية، تجعل الخروج عن توقيته موضع استغراب أو مساءلة، وتدفع الفرد إلى تبرير اختياراته، مع أن اختلاف توقيت التجربة لا ينتقص من مشروعيتها.

وتتجاوز المسألة سلوك الأفراد إلى بنية أوسع من الأدوار والتوقعات التي تنظم الحياة الاجتماعية. فلكل مرحلة عمرية أدوار ومسؤوليات ومساحات مشاركة يتوقع المجتمع أن تتناسب معها. وعندما تتغير حياة الناس بوتيرة أسرع من تغير هذه التصورات، تنشأ فجوة بين واقع اجتماعي تتعدد مساراته، وتوقعات لا تزال تستند إلى أنماط قديمة في فهم العمر ومسارات الحياة.

لقد تغيرت أنماط الحياة، وامتد متوسط العمر المتوقع، وتنوعت فرص التعلم والعمل والمشاركة، وأصبحت مسارات الأفراد أقل انتظامًا مما كانت عليه سابقًا. فلم يعد من الضروري أن يتبع الجميع تسلسلًا واحدًا في التعليم والعمل والزواج والاستقرار والتقاعد؛ إذ تتعدد توقيتات هذه المراحل تبعًا للظروف والفرص والاختيارات. كما لم تعد تجارب التعلم وإعادة التأهيل وتغيير المسار المهني والمشاركة الاجتماعية محصورة في مرحلة عمرية واحدة.

ومع ذلك، لم تتغير التصورات الاجتماعية بالضرورة بالسرعة نفسها التي تغيرت بها أنماط الحياة. وهنا تظهر حالة من عدم التزامن: تتسع إمكانات الحياة وتتعدد مساراتها، بينما تبقى بعض التوقعات العمرية ثابتة، وتتعامل مع المراحل باعتبارها حدودًا مغلقة. ومن هذه الفجوة تنشأ أحكام لا تستند بالضرورة إلى قدرة الإنسان الفعلية، بقدر ما تتعلق بمدى توافقه مع الصورة التي رسمها المجتمع لعمره.

ولا تبقى هذه الفجوة محصورة في المواقف اليومية، بل تمتد إلى المؤسسات التي تنظم حياة الأفراد، فتؤثر في فرص العمل والتدريب، وتصميم برامج التعلم، وطبيعة الأدوار المتاحة بعد التقاعد، وتوزيع مسؤوليات الرعاية داخل الأسرة وخارجها. وحين تستند بعض الممارسات المؤسسية إلى افتراض أن التقدم في العمر يعني تراجع القدرة على التعلم أو الإنتاج أو المشاركة، يصبح التصور الاجتماعي جزءًا من البيئة التي تحدد الفرص المتاحة.

وتكتسب المسألة أهمية إضافية في ضوء التحولات السكانية المتوقعة في المملكة العربية السعودية. فالمجتمع السعودي ما زال يتسم بتركيبة سكانية شابة، في حين تشير البيانات إلى أن عدد السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر بلغ نحو 1.7 مليون نسمة في عام 2025، بما يمثل 4.8 % من إجمالي السكان، وفق نشرة إحصاءات كبار السن الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء. وتشير الإسقاطات الواردة في بيانات HelpAge International إلى أن نسبة هذه الفئة قد تصل إلى نحو 12.1 % بحلول عام 2050.

إن قراءة التحول الديموغرافي من زاوية زيادة أعداد كبار السن وحدها قد تحجب جانبًا آخر من الصورة. فالمجتمع الذي يستوعب اليوم قاعدة شبابية واسعة، ويستثمر في تعليمها وتأهيلها وإتاحة فرص المشاركة أمامها، إنما يبني في الوقت نفسه رصيدًا بشريًا وخبراتيًا سيصاحبه في مراحل عمرية لاحقة. فهؤلاء الشباب ليسوا فئة ستتحول مستقبلًا إلى كبار سن فحسب، بل أفراد سيحملون معهم حصيلة ما اكتسبوه من معرفة وتجربة وممارسة مهنية واجتماعية. ويبدأ الاستعداد لمجتمع ترتفع فيه نسبة كبار السن منذ مرحلة الشباب، من خلال بناء مسارات حياة تسمح للخبرة بالتراكم والاستمرار والانتقال بين الأجيال، بدلًا من أن تنتهي قيمتها بانتهاء وظيفة أو بلوغ سن التقاعد.