● الدعوات للقطيعة مع الحلفاء خفتت● التوحّش الإسرائيلي فتح نافذة تعاون إقليمي
تعدّ فاطمة الصمادي من أبرز المختصّين العرب اليوم في الشأن الإيراني. ما يميز الباحثة الأردنية، الحاصلة على الدكتوراه من جامعة العلامة الطباطبائي في طهران، هو معرفتها المعمّقة، ضمن إطار دراستها للعلاقات العربية الإيرانية، بوشائج العلاقة بين الجمهورية الإسلامية وحركات المقاومة. وهو موضوع آخر كتاب صدر لها عن «مركز الجزيرة للدراسات» حيث تعمل باحثة أولى: «إيران وحماس: من مرج الزهور إلى طوفان الأقصى» (2024). ولها، بجانبه، عديد دراسات وإسهامات، أهمّها كتاب «التيارات السياسية في إيران» (2012) عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» (نشرت طبعته الثانية عام 2019)، وكتاب «العرب وإيران» (2011). زارت الصمادي إيران قبل أسابيع، أي بعد حرب الـ12 يوماً (13-24 حزيران 2025)، تلك الذروة السياسية الأخطر في حاضر البلاد منذ انتصار الثورة عام 1979، وهي ذروة لمّا تنحسر بعد، وتثير معها توتّراً داخل إيران وعند المراهنين عليها بجوارها، في ضوء ديناميات داخلية، وتبدّلات دراماتيكية في الفضاء الإقليمي، والأهم، مناخ يؤشّر نحو عودة الحرب. في هذا الحوار، محاولة لفحص تلك التشعّبات في مشهد إيراني يستعصي دائماً على التبسيط
■ نبدأ من حرب الـ12 يوماً: هل وجدت أن الحرب قرّبت المسافات بين التيار الثوري وباقي التيارات، أم أنها أججت الأسئلة عن هوية إيران ومستقبلها؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ أن نعود إلى الوراء حيث الأرضية، أو الأرضيات، التي نشأت منها دورات الخطاب المتعاقبة في إيران، وهو أمر سبق أن ناقشته في كتابي «التيارات السياسية في إيران» (بطبعتيه)، وذلك لأنني أعتقد أن الخطاب عنصرٌ مركزيٌ في فهم التحوّلات السياسية في إيران بعد الثورة، فهو ليس تعبيراً لغوياً فحسب، بل منظومة دلالية تُنتج الشرعية، وتُعيد تنظيم المجال السياسي، وتحدّد منطق الصراع بين الفاعلين.
فالخطاب هنا أداة سلطة بقدر ما هو أداة تعبير؛ فمع انتصار الثورة، تبلور الخطاب الإسلامي بوصفه الخطاب المهيمن في الفضاءين السياسي والاجتماعي، متقدّماً على الخطابات الليبرالية واليسارية. وقد تشكّل هذا الخطاب في سياق ثوري تعبوي، مستنداً إلى الرمزية الدينية، وشبكات المساجد واللجان الثورية، والكاريزما القيادية للإمام الخميني، ما منحه قدرة عالية على الحشد والتعبئة.
ولكن، تحوّل الخطاب سريعاً إلى أداة صراع وإقصاء سياسي، إذ استُخدم لتفكيك التحالفات السابقة وتجريد الخصوم من الشرعية. وفي هذا السياق، ظهرت ثنائيات حادّة مثل الثورة/ضد الثورة، والالتزام/التخصص، وأتباع خط الإمام/القوميين، وهي ثنائيات لعبت دوراً حاسماً في إعادة ترتيب الحقل السياسي. ومرّ الخطاب السياسي بعد الثورة بعدة مراحل ارتبطت بالأحداث الكبرى. ففي البداية ساد خطاب «الثورة وضد الثورة»، ثم حلّ خطاب «الدفاع المقدس» خلال الحرب العراقية–الإيرانية، معتمداً مفردات الشهادة والتضحية وثقافة عاشوراء، وناجحاً في توحيد المجتمع وتهميش الخلافات الداخلية.
وبعد انتهاء الحرب مع العراق، كانت الجمهورية الإسلامية على موعد مع دورة خطاب جديدة، فقد برز خطاب «إعادة البناء» الذي نقل مركز الاهتمام إلى التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار، لكنه واجه انتقادات حادة بسبب تهميش العدالة والقيم الروحية. ومهّد ذلك النقد، الذي أخذ مداه على صفحات الجرائد وفي الندوات، لظهور خطاب «الإصلاحات»، الذي ركّز على التنمية السياسية والمجتمع المدني والحرّيات، قبل أن يتراجع نتيجة أزمته التعريفية واتهامه بالتغريب، وفشله في تقديم حلول اقتصادية، فضلاً عن تراجع قدرته التنظيرية في القضايا المركزية.
وفي مرحلة لاحقة، تبلور الخطاب الأصولي بوصفه استجابة لفشل الإصلاحات، واعتمد هذا الخطاب مفردات دلالية حادّة لتحديد الانتماء والشرعية داخل النظام. وتبلور بوصفه ردّاً على إخفاقات المراحل السابقة، ومحصلة لعملية مزج وانتقاء بين خطابات الثورة والدفاع والبناء. وقد أعاد هذا الخطاب إنتاج الفكر الثوري للخميني، مقروناً برؤية القائد الأعلى، مع تركيز واضح على الهوية الإسلامية، وولاية الفقيه، ورفض التصنيفات التقليدية لليمين واليسار. كما استخدم مجموعة من المصطلحات الدلالية الحادة، مثل «أصحاب البيت» و«الغرباء»، لتحديد الانتماء والشرعية داخل النظام السياسي.
ولم يكن تيار الاعتدال الذي تزعّمه حسن روحاني ليغادر إشكالية التصنيف، إذ لا يمكن عدّه خطاباً مستقرّاً، ورغم وجود شخصيات مهمّة نظّرت له (حسن روحاني، محمود سريع القلم، حسين موسويان)، إلا أنه لم يرتق إلى مستوى الخطاب السياسي بل ظلّ في مرتبة أدنى. فالخطاب بوصفه منظومة فكرية–دلالية قادرة على إنتاج معنى جامع، وإعادة تنظيم المجال السياسي والاجتماعي، هي معايير لا تتوافر بالكامل في حالة الاعتدال.
لا يمتلك تيار حسن روحاني سردية تأسيسية مستقلة، ولا يقدّم تصوّراً جديداً للثورة أو للشرعية، بل يتحرّك داخل الأطر التي رسمتها الخطابات السابقة، ولا سيما خطاب البناء وخطاب الإصلاح، مع ميل واضح إلى البراغماتية السياسية وتخفيف حدّة الاستقطاب. وبذلك، فإنّ الاعتدال لا يؤسّس خطاباً جديداً، بقدر ما يعيد ترتيب الأولويات داخل النظام القائم.
ولغة الاعتدال تركّز على إدارة الأزمات والاستقرار السياسي والاقتصادي. وهذا الطابع الوظيفي للغة يُضعف قدرته على التحوّل إلى خطاب جامع طويل الأمد. ولم يُنتج حاملاً اجتماعياً صلباً، ولا شبكة دلالية قادرة على الاستمرار، الأمر الذي جعله مرتبطاً بمرحلة سياسية محددة وظروف بعينها. ومع تغيّر هذه الظروف، تراجعت فاعليته وهو ما حدث عقب فشل الاتفاق النووي، وهو ما يعزّز النظر إليه بوصفه شبه خطاب أو توجّهاً مرحلياً، لا خطاباً مكتمل الأركان.
لقد كان الصراع السياسي في إيران بعد الثورة، في جوهره، دائماً صراع خطابات متنافسة على تعريف الثورة والدولة والمجتمع. وقد ظلّ الخطاب، على اختلاف مراحله، أداة أساسية في بناء السلطة وإدارة التعدّدية، ومتحرّكاً داخل الإطار المرجعي للثورة الإسلامية بوصفها المصدر الأعلى للشرعية، لكن ما حدث بعد حرب الـ12 يوماً أنّ تيار الاعتدال، الذي لم ينجح في صياغة خطاب سياسي في السابق، بدأ يتحرّك نحو ضرورة تغيير النهج، «تغيير البرادايم»، مركّزاً على العناوين السياسية والاقتصادية بشكل محوري، وتكمن العقدة هنا أن ذلك يعني، في جزء كبير منه، خروج الجمهورية الإسلامية من جلدها.
النقطة التي أصبحت مستقرة في عقل صناع الاستراتيجية الدفاعية لإيران تقول إن حرب الـ12 يوماً هي حلقة في الصراع لكنها لن تكون الأخيرة
دعا 180 خبيراً اقتصادياً وأكاديمياً، في رسالة مفتوحة إلى الرئيس الإيراني، إلى إصلاحات شاملة في الحوكمة، مع تأكيد تفعيل الديبلوماسية والتفاوض البنّاء مع الولايات المتحدة وأوروبا لتخفيف الضغوط الاقتصادية ودرء الحرب، مع التحذير من تبعات الأفكار المتطرّفة. وفي السياق نفسه، قدّم حسن روحاني نهجاً جديداً يقوم على «استراتيجية وطنية جديدة»، داعياً إلى تغييرات نوعية في الهياكل التنفيذية والحكومية والقضائية، وتعزيز الانفتاح على العالم، بما في ذلك استقلال القضاء وتحسين العلاقة بين الحكومة والشعب، وهي طروحات أثارت جدلاً بين مؤيدين ومعارضين، خصوصاً بعد المواجهة الأخيرة مع إسرائيل.
إنّ القائمين على حملة المطالبة بـ«تغيير البرادايم السياسي» لإيران، وخاصة حسن روحاني، الشخصية التي تجمع بين البعد السياسي والأمني، ووزير الخارجية الأسبق، جواد ظريف، يدركون أن ذلك يتطلّب تحوّلاً جوهريّاً في الإطار المرجعي للجمهورية الإسلامية، وهو ما يشمل أنماط التفكير والشرعية وآليات صنع القرار في المجال السياسي، والقبول بذلك يعدّ اعترافاً بفشل أو قصور النموذج القائم وضرورة استبداله، إذ يرون أنه لم يعد قادراً على الإجابة عن تحدّيات الواقع أو إدارته، ولذلك فالنموذج الجديد الذي يقترحونه يرون أنه سيكون أكثر اتساقاً مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والدولية، والجديد المقترح يعني، في ما يعنيه، كذلك تحوّلاً في لغة الخطاب السياسي والتحالفات والمشروعية.
ومع الدعوات التي تدفع باسم حسن روحاني قائداً يخلف آية الله علي خامنئي بين الفينة والأخرى، وتكثيف ذلك عقب الهجوم الإسرائيلي، ومعارضة جهات عدّة لذلك، والضغوط التي يمارسها على السواء تيار الاعتدال وتيار أصولي راديكالي داخل مجلس الشورى على الرئيس مسعود بزشكيان لدفعه إلى الاستقالة، لا يبدو أننا نتحدّث عن تقريب المسافة بين التيارات بل نتحدّث عن تصاعد الصراع على شكل وهوية إيران في المستقبل، فيما تراقب مؤسسة الحرس هذا التدافع وربما تنخرط فيه في مرحلة ما إذا ما شعرت أن المسائل بدأت تنزلق لتصبح تهديداً للنظام نفسه.
■ لأول مرة نرى، بهذا الزخم على الأقل، النظام يحاول استمالة الوطنية الإيرانية عبر استحضار رموز الفارسية التاريخية في تخليده للحرب مع إسرائيل وأميركا: هل نجحت هذه المحاولات في رأيك وما هو أثرها ومعناها؟
لا يمكن النظر إلى تصاعد الحالة القومية في إيران خلال المرحلة الأخيرة بالمقياس الآني باعتبارها رد فعل للهجوم الإسرائيلي، بل هي ظاهرة سياسية-اجتماعية مركّبة تتجاوز مجرد العودة للنزعة القومية؛ إذ تشكّل، في واحد من وجوهها، إعادة تموضع للهوية السياسية للدولة والمجتمع في سياق ضغوط داخلية وخارجية متداخلة.
وهي في إيران اليوم لا تحلّ محلّ الأيديولوجيا الثورية، لكنها تقوم بدور لا يمكن إنكاره في إعادة ترتيب أوراق هذه الأيديولوجيا ضمن رؤية أكثر براغماتية، الهدف منها إنتاج شرعية جامعة في لحظة تراجع القدرة التعبوية للخطاب الديني-الثوري التقليدي.
تمثّلت الإشكالية الحرجة في إيران، والتي عبّرت عن نفسها بوضوح في السنوات الماضية، في الفئة الرمادية من المجتمع الإيراني التي لم تعد ترى في أي من الخطابات التي أشرنا إليها ما یمثّلها، وقد اتسعت هذه الفئة بصورة كبيرة، وكان تراجع نسب المشاركة في الانتخابات مؤشراً واضحاً وجليّاً على اتساع الشقة بين طيف كبير من المجتمع ومَن يمسكون بزمام الأمر.
في مراحل كثيرة، كان المجتمع الإيراني يعاقب النخبة السياسية من خلال صندوق الاقتراع، وربما يفسّر ذلك السبب الذي جعل أحمدي نجاد يهزم هاشمي رفسنجاني صاحب التاريخ السياسي الحافل في الانتخابات الرئاسية في 2005، ثم أصبح العقاب يأخذ بعداً جماعياً، بالإحجام عن المشاركة في العملية الانتخابية كلها، في رسالة واضحة بأن الناس لا يجدون في مجموع المرشحين من يستحق أصواتهم.
جاء الهجوم الاسرائيلي على إيران مستنداً، في واحد من جوانبه، على حالة عدم الرضى في إيران، ومراهناً على إمكانية أن يفتح ذلك صندوق الاحتجاج الداخلي، لكنها كانت قراءة خاطئة. فالهجوم استفزّ الإيرانيين على اختلاف توجهاتهم، ورأوا أنه يستهدف إيران بتاريخها وثقافتها وتمدّنها، وبدأ الإيرانيون باستحضار رموزهم التاريخية التي تمجّد أرضهم وثقافتهم وتضحياتهم من أجل وطنهم، ومن ذلك مثلاً أسطورة آرش کمانگیر (آرش حامل القوس) وهو بطل شعبي قديم يضحّي بنفسه بإطلاق سهم من قوسه لترسيم حدود إيران. وغيرها من الرموز القديمة.
جاء ردّ فعل الإيرانيين على عكس ما كانت إسرائيل تتمنّى. وشكّل هذا تحصيناً للداخل الإيراني وأزال عبئاً ثقيلاً عن كاهل القائد الأعلى في إيران وهو يدير المواجهة وقدّم لهم الشكر في رسالته المتلفزة أثناء الحرب واصفاً إيّاهم بأنهم «وقت شناس» (يجيدون التوقيت) ولاحقاً طلب من محمود كريمي المدّاح الذي يقرأ المقامات الحسينية أن ينشد في مناسبة دينية شيعية «آي إيران». ولكن موقف الشعب هذا رتّب، في الوقت نفسه، دَيناً في عنق الدولة تجاه مواطنيها، إذ لا بد من إجراء تغييرات وإصلاحات جذرية على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
بدأت المقاربة الأمنية لقضية الحجاب بالتراجع في وقت سابق على الهجوم الإسرائيلي بفعل قضية مهسا أميني وما أعقبها من احتجاجات، ولكن هذه المقاربة هزمت بالضربة القاضية بعد المواجهة مع إسرائيل وأسكتت الدولة غاضبين باتوا متذمرين من شكل لباس النساء في الشوارع وحاولوا تمرير قانون بهذا الخصوص أفشله الرئيس الإيراني، فلا حجاب إجباري في شوارع إيران اليوم، لدرجة أن صديقتي الإيرانية ونحن نتجوّل في طهران أخيراً بادرتني ممازحة وهي تشير إلى فتاة ترتدي جينزاً ممزقاً وبطنها مكشوف: «انظري، هذا هو تغيير النظام... لقد حدث فعلاً».
قد يكون موضوع الحجاب واحداً من إشكاليات العلاقة، لكن المسألة أعقد من ذلك بكثير، فالضغط الاقتصادي يتعاظم، والطبقة الوسطى تذوب فيما تنشأ طبقة فاحشة الثراء، لقد فعلت العقوبات فعلها في المجتمع الإيراني، وبدأت موائد الإيرانيين تخلو من حاجات أساسية كان ميسراً الحصول عليها في السابق.
لم تنجح العقوبات في إسقاط الدولة في إيران أو تغيير السلوك السياسي، لكن العقوبات، كما يرى کل من نرجس باغلی وولي نصر وصالحي أصفهاني، في كتابهم «كيف تعمل العقوبات» (How sanctions work)، ليست أداة تقنية محايدة لتغيير سلوك الدول، بل وسيلة سياسية-جيوسياسية معقّدة تتحدّد فعّاليتها بالسياق السياسي وطبيعة النظام المستهدف لا بمستوى الضغط الاقتصادي وحده؛ إذ غالباً ما تؤدّي العقوبات داخل الدول المعاقَبة، إلى تمكين النخب الحاكمة من إعادة توجيه الكلفة نحو المجتمع، وتنتج بنية صراع دائمة تُضعف الطبقات الوسطى، وتُشوّه الاقتصاد، وتُنتج شبكات موازية للتهريب والاقتصاد غير الرسمي (اقتصاد الظل).
وهو ما حدث في إيران ما يقتضي إصلاحاً اقتصادياً جوهرياً. وإذ تدرك الحكومة أن المجتمع الإيراني هو احتجاجي بطبعه، وكثير من العناوين يحمل بذور حالة احتجاجية، فالاستمرار ضمن المعادلة السابقة لم يعد ممكناً.
لقد أدّت الحرب إلى تعزيز القومية بوصفها استجابة نفسية-اجتماعية للأزمة. ففي ظل الهجوم المركب الذي تعرّضت له إيران وما سبقه من حرب اقتصادية، لجأت قطاعات من الشعب الإيراني إلى العناوين القومية كآلية لتعويض رمزي تحفظ الإحساس بالكرامة والسيادة.
وهنا، لا تُفهم القومية فقط نتاج تعبئة من أعلى، بل أيضاً إنها كذلك دينامية اجتماعية من أسفل تبحث عن معنى في وقت اشتداد الأزمات.برز هذا التغيير مع تصاعد منسوب التهديد الخارجي، صانعاً حالة يمكن تسميتها بـ«القومية الدفاعية». فاستهداف إيران في وقت كانت تخوض مفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية وما رافق ذلك من دعوات ترامب المهينة التي تدعو إلى الاستسلام استفز «الذات الوطنية» في مواجهة «الآخر المعتدي»، وهو ما قلّص من مساحة الاعتراض الداخلي في لحظات الخطر.
لقد كان العنوان القومي أداة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية، فالدولة بموازاة الشعب اليوم هي مَن يقوم بتفعيل عناصر الهوية التاريخية والحضارية والسيادية. وقد نجح هذا التحوّل الملحوظ بقوّة في الخطاب الرسمي بمخاطبة شرائح اجتماعية أوسع، لا سيما الأجيال الشابّة التي لم تعد تستجيب للخطاب الأيديولوجي، ما جعل القومية إطاراً أقدر على خلق حالة الإجماع.
غير أنّ هذا المسار لا يخلو من تناقضات بنيوية وتحدّيات جدّية، لا سيما في ما يتّصل بسؤال الأقلّيات القومية واللغوية. فالإفراط في التمركز حول سردية فارسية-حضارية والانزلاق نحو التعصّب قد يعيد إنتاج توترات داخلية من طرف فئات لا ترى تمثيلاً لها ضمن تصوّر «الأمّة» بوصفها كياناً تعدّدياً.
■ ما هي تبعات كل هذه التناقضات الإيرانية الداخلية على دعم طهران لحركات المقاومة في فلسطين ولبنان؟
سبق أن كان دعم إيران لحركات المقاومة عنواناً في الجدال الداخلي، ومقولة «ضرورة إعطاء الأولوية للداخل الإيراني» عبّرت عن نفسها في شعار انتخابي شديد الشراسة للمرشح مير حسين موسوي عام 2009: «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران»، وكثيراً ما تحدّث الإيرانيون عن الأثمان والأكلاف التي يتحمّلونها نتيجة ذلك، وكثيراً ما تردّد صدى «المصباح الذي يحتاجه البيت يحرم على الجامع».
والحقيقة أنّ هذا الدعم كان مكلفاً لإيران على الصعيد السياسي، ولا يمكن التقليل من كلفته، ولكنه، في الوقت ذاته، جاء بفعل الخطاب السياسي الذي رسمه الإيرانيون أنفسهم في مرحلة من عمر الجمهورية الإسلامية. وهو، في واحد من وجوهه، ينسجم مع الاستراتيجية الدفاعية لإيران ومع تفضيلاتها في السياسة الخارجية.
ولعل العودة إلى كتاب «The Shah of Iran, the Iraqi Kurds, and the Lebanese Shia» (شاه وشطرنج قدرت در خاورميانه) للباحث آرش رئيسينژاد، والذي يبحث السياسة الخارجية الإيرانية في عهد محمد رضا شاه من زاوية غير تقليدية، تعين في فهم أهمية هذه التحالفات لإيران كدولة حتى في مرحلة سابقة على انتصار الثورة ونشأة الجمهورية الإسلامية، مركّزاً على علاقات إيران مع فاعلين غير حكوميين، ولا سيما أكراد العراق وشيعة لبنان. يجادل الكتاب بأنّ الشاه انتهج سياسة مزدوجة: مسار رسمي مع الدول، وآخر غير رسمي مع جماعات محلية، بهدف تعزيز النفوذ الإقليمي واحتواء الخصوم.
لقد أدّت الحرب إلى تعزيز القومية بوصفها استجابة نفسية-اجتماعية للأزمة وهنا لا تُفهم القومية فقط كنتاج تعبئة من أعلى بل أيضًا كدينامية اجتماعية
هذه السياسة تطورت تدريجياً منذ ما قبل 1958 لتصبح جزءاً أساسياً من مقاربة إيران للأمن الإقليمي، إذ ارتبط دعم الأكراد بإضعاف العراق، فيما شكّل الانخراط في لبنان أداة لبناء نفوذ داخل بيئة عربية منقسمة. بلغت هذه المقاربة ذروتها في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تتراجع بعد اتفاقية الجزائر 1975، ثم تتآكل مع اقتراب ثورة 1979 بسبب الأزمات الداخلية وتغيّر السياق الإقليمي.
ولا يمكن تناول العلاقة بين إيران وحلفائها في المنطقة بالبحث من دون ربط التحوّلات الداخلية الإيرانية بانعكاساتها الإقليمية. ولعل الخلفية التاريخية التي يقدّمها الكتاب تفسّر استمرارية نمط توظيف الفاعلين غير الحكوميين في السياسة الإيرانية لاحقاً، وإن اختلفت الأيديولوجيا والفاعلون وأخذت العناوين في عهد الجمهورية الإسلامية بُعداً قيمياً أخلاقياً تحت عنوان «نصرة المستضعفين» والنظر إلى إسرائيل على أنها حالة استعمارية تهدّد العالم الإسلامي.
لقد أدخلت عملية «طوفان الأقصى»، وما تبعها في فلسطين ولبنان واليمن وإيران نفسها، الجميع في اختبار قاس لصلابة هذه التحالفات وفاعليتها، وإمكانية استمرارها.
وكانت الأثمان كبيرة جداً، لكن ذلك لا يعني التخلّي عن هذه التحالفات وإن كان البعض يدعو في إيران إلى إعادة تعريف العلاقة. ولعل الإشارات التي تحدّث عنها جواد ظريف في منتدى الدوحة 2025 وفي مقال سابق له عن تغيير البرادايم تعطي ملمحاً عن إعادة التعريف هذه، إذ يربطها بالفائدة والكلفة، وهو ما يدفع البعض في إيران إلى تقييم المسألة من باب المصلحة الإيرانية.
لقد مثّل العدوان على غزة وما رافقه، نقطة انعطاف نوعية في هذا المسار، إذ كشف بوضوح حدود ومحدودية «الخطاب الأممي» للمقاومة داخل المجتمع الإيراني. فبينما استمرّت الدولة في تبنّي خطاب دعم فلسطين على المستوى الإقليمي والرمزي، برزت في الداخل دعوات متزايدة لإعادة تعظيم المصلحة القومية الإيرانية، ويفسّر ذلك سعي إيران الحثيث الذي حاولته لتجنّب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تحمل كلفة وجودية على الدولة والمجتمع.
لا يمكن القول إنّ الحرب الذي كلّفت إيران قادتها العسكريين ونخبة من علمائها النووين ومدنيين من ضمنهم أطفال ستؤدّي إلى تراجع خطاب المقاومة، بل أرى أنّ ما يحدث هو سعي إلى إعادة تأطيره ضمن معادلة جديدة توازن بين الالتزام والكلفة الوطنية.
لقد سعت إيران إلى تجنّب المواجهة، ولكن ذلك لم يفلح ممّا رسّخ اقتناعاً لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين بأنّ سعي الدولة إلى منع انتقال الحرب إلى الداخل يجب أن يحكم سياستها الخارجية بجعلها أكثر واقعية والتخفيف من عناوينها الأيديولوجية.
ومع ذلك، فالدعوات التي كانت تنادي بالقطيعة مع الحلفاء في الماضي خفتت، وحلّ محلّها الحديث عن استثمار العلاقة لتكون جزءاً من حالة الردع غير المباشر، وهنا تُبرَّر سياسات الدعم الإقليمي باعتبارها وسيلة لحماية الأمن القومي لا استجابة للالتزام الأيديولوجي.
لكن هذا الطرح له معايبه وهو ما يجعلني أتفق مع حميد دباشي عندما يرفض، في حديثه عن المقاومة في فلسطين، القراءةَ الاختزالية التي تحصرها في كونها أداة لدولة ما أو امتداداً جيوسياسياً صرفاً.
ولذلك، فالمقاومة هي تشكيل يجمع بين البُعد السياسي والعاطفي والرمزي، ويتغذّى من ذاكرة استعمارية مشتركة. ولذلك، فهناك فرقٌ كبير بين ما يطلق عليها دباشي «الطاقة التحرّرية الرمزيّة» التي تجمع المنخرطين في مقاومة إسرائيل، وبين السعي إلى توظيفه ضمن حسابات المنفعة القومية أو المصلحة. فتحويل المقاومة في فلسطين، أو الحالة التحرّرية، إلى مجرد ورقة تفاوضية أو أداة ردع إقليمي يُفرّغها من معناها التحرّري، ويُعيد إنتاج منطق الهيمنة نفسه الذي رفعت الثورة الإسلامية شعار معارضته وإسقاطه.
ولذلك، فالربط المصلحي، في الموضوع الفلسطيني على وجه التحديد، يعني فشلاً أخلاقياً ذريعاً، وهي النقطة التي أدركها آية الله علي خامنئي فتدخّل أكثر من مرّة ليوقف مسارات سعت إلى إيجاد تغيّر في الموقف من إسرائيل في السياسة الخارجية الإيرانية.
■ زرتِ إيران في الآونة الأخيرة، هل عاينت المقاربات المتداولة تجاه المنطقة في المرحلة المقبلة بعد كل هذه التحولات؟ هل تفكر إيران في استراتيجية إقليمية جديدة؟
يجري نقاش داخلي حول هذه المسألة، بعضه يدعو إلى التركيز على الأبعاد الديبلوماسية والعلاقات الخارجية، وتقوم على مفاصل أساسية يمكن اعتبارها الإطار الذي يتحرّك داخله المطالبون بتغيير النهج السياسي في إيران والإقليم، ويرون أن ذلك يصبح ممكناً بالانتقال من عقليّة تقوم على التهديدات والصراعات إلى عقلية جديدة تقوم على الإمكانات والفرص والتعاون الإقليمي والدولي.
ويستند هذا المرتكز على موقع جغرافي فريد لإيران بحدود مع 15 دولة وروابط ثقافية وتاريخية عميقة. ويرون أنّ محاولات التعاون السابقة (مثل مبادرة هرمز للسلام، والاتفاقيات الأمنية، والحوار الإقليمي) فشلت بسبب الشكوك والتهديد.
ومن الواضح أنّ التوحّش الإسرائيلي قد خلق وعياً جديداً بالهشاشة الأمنية المشتركة وفتح نافذةً لتعاون إقليمي يعبّر عن نفسه في إدارة ملفّ التنافس مع تركيا رغم أنها تكسب في ساحات تمثّل خسارة استراتيجية لإيران على غرار ما حدث في سوريا وما يحدث في أذربيجان.وتأتي العلاقة مع السعودية ضمن هذه الدعوات، وهناك فئة سياسية في إيران تدفع باتجاه فكرة أن تكون السعودية وسيطاً في المفاوضات بشأن البرنامج النووي، وهناك اتجاه آخر يدعم الخيار التركي، فيما تيار تقليدي يرجّح أن تبقى في عُمان، وأياً يكن فمن الواضح أن العلاقة مع السعودية تخطو نحو التعاون رغم مسارها البطيء والحذر.
ولا ينفصل هذا المسار عن علاقات إيران مع الصين التي ترعى التقارب الإيراني السعودي وروسيا التي أعلنت عن التزامها بمساعدة إيران على الوصول إلى حلول مقبولة للخروج من أزمة البرنامج النووي، وفي الأثناء يتحدّث خبراء روس عن سعي إلى تشكيل كتلة استراتيجية غير رسمية تسعى إلى مزيد من التعدّدية في النظام الدولي.لكن، النقطة التي أصبحت مستقرة في عقل صناع الاستراتيجية الدفاعية لإيران، تقول إنّ حرب الـ12 يوماً هي حلقة في الصراع لكنها لن تكون الأخيرة.
■ بعد عام من سقوط نظام الأسد الحليف، أي أفكار تحكم نظرة الإيرانيين إلى مستقبل العلاقة مع سوريا ونظامها؟
«الصبر الاستراتيجي»، لكن هذه المرة ليس تجاه إسرائيل، بل تجاه التعامل مع الحالة السورية، ضمن ثنائية الصبر ومراقبة ما يحدث. يقرّ الإيرانيون أنهم خسروا في الساحة السورية، مع ملاحظة غياب الرواية الرسمية الإيرانية حول ما حدث وكيف وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه، باستثناء بعض المقابلات التي تخرج من مسؤول عسكري أو سياسي من دون أن تعطي صورة كاملة، إضافة إلى الدعوات إلى مساءلة تلك المرحلة ومراجعة أخطائها.
القراءة الإيرانية اليوم ترى بأنّ الاستقرار ما يزال بعيداً من سوريا، وأنّ سيناريوهات التقسيم اقتربت أكثر من أي وقت مضى.يتحدّث البعض عن قطيعة كلّية مع حكومة الشرع، لكن آخرين داخل مراكز صنع القرار يتحدّثون عن رسائل من الحكومة السورية تم نقلها عبر وسطاء إلى طهران، فيما تستمرّ السفارة السورية في طهران بعملها.