غيّر الاسم.. يتغيّر العالم الذي يراه الناس – جانبي فروقة

في صناعة الأغذية هناك كلمة واحدة يخشاها كل مدير تسويق وهي «اصطناعي»، حيث إن وضعتها على عبوة عصير أو ملصق صلصة ثم راقبت ما يحدث على الرف تجد أن أغلب المستهلكين لا يقرأون التركيبة ولا يسألون إن كانت النكهة آمنة أو مطابقة للمواصفات، بل يكفيهم أن يلمحوا الكلمة ليحكموا بأن ما في العبوة ليس حقيقياً، وقضيت سنوات طويلة في هذه الصناعة وتعلّمت درساً لا تدرّسه كليات الإدارة وهي أن الملصق أحياناً يبيع المنتج.. وأحياناً يقتله. وتذكّرت هذا الدرس وأنا أتابع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة وهو يعلن ما يشبه قراراً تسويقياً بحجم كوكب،فقد أبلغ الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر أن الوثائق الأميركية ستسمي الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) (من الآن «الذكاء الفائق أو السوبر» (Super Intelligence)) ودعا العالم إلى دخول ما سماه عصر الذكاء الفائق، واختصاره إلى SI. أما حجته فكانت بسيطة كحجة أي متسوق أمام رف السوبر ماركت وهي أن كلمة «اصطناعي» تجعل الذكاء يبدو زائفاً وهو في الحقيقة ليس زائفاً. ضحك كثيرون، وحتى بعض أنصار ترامب رأوا أن التغيير بلا داعٍ لكنني وبعيداً عن السياسة وعن الاتفاق مع الرجل أو الاختلاف معه أعتقد أنه وضع إصبعه ربما من دون أن يقصد على سؤال يستحق التوقف: هل ما زالت عبارة «الذكاء الاصطناعي» تصف فعلاً ما نراه أمامنا؟ وهذا استدعى في الذاكرة ما حصل في صيف عام 1955م قبل سبعين عاماً، حيث جلس جون مكارثي ومارفن مينسكي وكلود شانون وناثانيال روتشستر ليكتبوا مقترحاً متواضعاً لورشة صيفية في كلية دارتموث الأميركية وكانت الفكرة كما صاغتها الوثيقة التي ستؤسس لعلم كامل هي أن كل جانب من جوانب التعلم أو الذكاء يمكن من حيث المبدأ وصفه بدقة تكفي لتجعل آلة تحاكيه ومن تلك الورقة خرج الاسم الذي سيرافقنا سبعة عقود وهو الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence وكان الاسم صادقاً في زمنه فالحواسيب كانت بحجم غرف كاملة وأقصى طموحها أن تلعب الشطرنج من دون أن تُحرج صانعيها أو آلة تحاول تقليد شيء بشري ، فأي وصف أدق من «اصطناعي»؟ والمشكلة أن الأسماء مثل الخرائط، تشيخ حين تتغير الأرض التي تصفها فلغوياً كلمة «الاصطناعي» لا تعني «المزيف»، بل ببساطة تعني ما صنعه الإنسان لكن الوعي الشعبي يسمع شيئاً آخر، فالزهور الاصطناعية ليست زهوراً طبيعية والنكهة الاصطناعية ليست نكهة طبيعيةيضاً وحين نضع الكلمة قبل الذكاء باللغة الإنكليزية نرسل من دون أن نشعر رسالة مفادها أن ما تفعله الآلة نسخة ناقصة من الأصل وطبعاً كان هذا مقبولاً حين كانت الحواسيب تتعثر في التعرف إلى الكلمات أما اليوم فالأنظمة تكتب البرمجيات وتولد الصور والفيديو وتترجم وتحلّل وتبني النماذج وبدأ بعضها يعمل كوكلاء ينفذون سلسلة كاملة من المهام بدل الاكتفاء بالإجابة عن سؤال حتى المؤسسات الدولية غيَّرت نظرتها فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لم تعد ترى في الذكاء الاصطناعي آلة تقلّد الإنسان، بل نظاماً يتلقى المعلومات ثم يقرر بنفسه كيف يحوّلها إلى توقعات أو محتوى أو توصيات أو قرارات تغيّر شيئاً في العالم الحقيقي أو الرقمي وبعبارة أبسط: لم نعد أمام آلة تتظاهر بالذكاء، بل أمام أنظمة تعمل وتنتج وتترك أثراً يمكن قياسه بالمال والوقت. والأرقام تقول ذلك بوضوح فوفق مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي لعام 2026 (Stanford AI Index) صارت 88 % من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر ونحو 70 % منها تعتمد على الذكاء التوليدي في وظيفة واحدة على الأقل أما الرقم الأكثر إدهاشاً فهو أن الذكاء التوليدي وصل إلى أكثر من نصف العالم (53 %) في ثلاث سنوات فقط وهذا أسرع مما فعله الحاسوب الشخصي وأسرع حتى من الإنترنت.

ثم هناك المال، وهو عادة أصدق شاهد على ما يؤمن به العالم فعلاً، ففي الولايات المتحدة وحدها ضُخّ نحو 286 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة في الذكاء الاصطناعي خلال عام 2025. ولم تذهب هذه الأموال إلى الوعود فقط فموظفو خدمة العملاء صاروا أكثر إنتاجية بنحو 14 إلى 15 % والمبرمجون بنحو 26 % وفي بعض مهام التسويق وصلت المكاسب إلى 50 % وهذه ليست أرقام لعبة تقنية جديدة نتسلى بها، بل إنها أرقام بنية تحتية يُعاد بناء الاقتصاد فوقها ولكن وسط هذه الأرقام هناك مفارقة لفتت نظري وهي أن 73 % من خبراء الذكاء الاصطناعي متفائلون بأثره على طريقة عملنا مقابل 23 % فقط من الأميركيين العاديين وهذا يعني أن خمسون نقطة مئوية تفصل بين من يصنع التكنولوجيا ومن يستيقظ كل صباح ليتعايش معها ولن يسدّ اسم جديد هذه الفجوة لكنها تذكّرنا بأن المعركة ليست في المختبرات وحدها، بل في الكلمات أيضاً فالاسم الذي نطلقه على الشيء يحدد السؤال الذي نطرحه عنه: هل هو تقليد لنا؟ أم أداة في أيدينا؟ أم شريك يجلس معنا إلى الطاولة؟ أم قوة معرفية جديدة لم نجد لها اسماً بعد؟

إن مصطلح Superintelligence ليس صفحة بيضاء نكتب عليها ما نشاء فالفيلسوف نيك بوستروم عرّفه بأنه عقل يتجاوز بفارق كبير الأداء المعرفي للبشر في جميع المجالات المهمة تقريباً وخبراء الصناعة أنفسهم يرون أن المصطلح لا يصف بدقة الأنظمة المتاحة حالياً، بل إن مختبر Google DeepMind عرّف الذكاء الفائق بأنه ذكاء عام يمتلك قدرات تفوق البشر في كل المهام والمجالات تقريباً.

تتفوق أنظمة اليوم علينا في مجالات محددة لكنها لم تثبت تفوقها على أفضل البشر في الحكم والإبداع والفهم الاجتماعي معاً ومع ذلك فإن الفجوة تضيق بسرعة مربكة فقد حققت النماذج المتقدمة خلال عام واحد قفزة تقارب 30 نقطة مئوية في اختبار Humanity)s Last Exam الذي صُمم أصلاً ليبقى عصياً عليها والقدرات باتت تسبق الاختبارات التي نخترعها لقياسها.

والمفارقة الأطرف أن الكلمة نفسها تعيش حياة مزدوجة في واشنطن فقبل أيام من الخطاب قدّم السيناتور بيرني ساندرز والنائب غريغ كاسار مشروع قانون لحظر الذكاء الفائق أي لتجريم النوع ذاته من الأنظمة الذي صار اسمه الآن الاسم الرسمي لكل الذكاء الاصطناعي وفي المقابل بنى مارك زوكربيرغ مقالاً كاملاً هذا الصيف حول «الذكاء الفائق الشخصي»، وتستخدم Meta وOpenAI المصطلح لوصف الوجهة التي تسعيان إليها.

نحن اليوم أمام كلمة واحدة هناك من يريد حظرها، وهناك من يريد بيعها، وهناك من يريد الفوز بها. فترامب نفسه قال إن من يفوز بالذكاء الفائق هو من يفوز.