عندما تصبح الإجابة مجانية.. ما الذي يستحق أن يتعلمه الطالب؟ – د.شريف بن محمد الأتربي

في الماضي، كان الطالب يبحث عن الإجابة في كتاب، أو يسأل معلمه، أو يقضي وقتًا في المكتبة حتى يصل إلى المعلومة التي يحتاج إليها. أما اليوم، فقد أصبحت الإجابة على كثير من أسئلته على بُعد ثوانٍ؛ يستطيع أن يطلب من الذكاء الاصطناعي شرح درس، أو حل مسألة، أو تلخيص كتاب، أو كتابة موضوع كامل، بل يمكنه أن يطلب إعادة الشرح بطرق متعددة حتى يفهم ما يريد.

لقد تغيرت العلاقة بين الإنسان والمعرفة بصورة لم تعرفها الأجيال السابقة بهذا الاتساع والسرعة. ولم يعد الوصول إلى المعلومة هو التحدي الأكبر؛ فالتحدي اليوم أن يعرف الطالب ما إذا كانت صحيحة، وأن يفهمها، ويميز بين المهم والثانوي، ويستخدمها في الموقف المناسب.

وهنا يبرز سؤال يستحق أن تتوقف أمامه مؤسساتنا التعليمية: إذا أصبحت الإجابة متاحة للجميع، فما الذي ينبغي أن نحرص على أن يتعلمه الطالب؟

لا يعني هذا السؤال أن الحفظ لم يعد مهمًا، أو أن المعرفة الأساسية أصبحت أقل قيمة. والمفارقة التي يغفل عنها كثيرون أن الذكاء الاصطناعي يجعل هذه المعرفة أهم، لا أقل. فلا يمكن للطالب أن يفكر بعمق في موضوع لا يمتلك عنه معرفة كافية، ولا أن يحلل معلومة لا يفهم مصطلحاتها، ولا أن يحكم على إجابة الذكاء الاصطناعي إذا كان يفتقر إلى الأساس الذي يسمح له باكتشاف الخطأ فيها. فالإجابة المتاحة لا تنفع إلا من يملك من المعرفة ما يكفي ليحاكمها. لكن القضية تكمن في أن نحدد الغاية من المعرفة، والطريقة التي نريد أن يوظفها بها الطالب.

فإذا كان الطالب يستطيع الحصول على إجابة نموذجية خلال ثوانٍ، فهل يكفي أن نطلب منه إعادة إنتاجها؟ وإذا كان بإمكانه تلخيص فصل كامل بضغطات قليلة، فهل ينبغي أن يظل نجاحه مرهونًا بقدرته على تقديم ملخص مشابه؟ وإذا أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على المساعدة في حل كثير من المسائل وكتابة النصوص، فكيف نميز بين طالب فهم ما يقدمه، وآخر اكتفى بنقله؟

هذه أسئلة تربوية قبل أن تكون تقنية؛ فهي تمس معنى التعلم نفسه، وتدفعنا إلى مراجعة ما نطلبه من الطالب، وما نقيسه لديه، وما نعدّه دليلًا على أنه تعلم بالفعل.

لنتخيل طالبين قدّما الإجابة الصحيحة عن السؤال نفسه. الأول حفظ طريقة الحل وطبقها على مثال مألوف، والثاني فهم الفكرة، واستطاع تفسير خطوات الحل، واكتشاف الخطأ عندما تغيرت المعطيات، وتوظيف ما تعلمه في مشكلة جديدة.

قد يحصل الاثنان على الدرجة نفسها في اختبار تقليدي، لكن هل يمتلكان القدرة نفسها؟

إن الفرق بينهما هو ما ينبغي أن يشغلنا في تطوير التعليم. فالمطلوب أن ينتقل الطالب من امتلاك المعرفة إلى فهمها، ومن فهمها إلى توظيفها، ومن توظيفها إلى بناء معرفة جديدة من خلالها. ويظهر هذا الفرق بوضوح في عصر الذكاء الاصطناعي. فقد يقدم النظام إجابة تبدو مقنعة، لكنها تتضمن معلومة غير صحيحة، أو استنتاجًا لا تدعمه الأدلة، أو حلًا لا يناسب المشكلة المطروحة. وهنا تصبح قيمة الطالب في قدرته على السؤال والتحقق والمقارنة والاستدلال، لا في مجرد امتلاكه إجابة جاهزة.

إننا نحتاج إلى طالب يستطيع أن يسأل: لماذا هذه الإجابة صحيحة؟ وما الدليل عليها؟ وما الافتراضات التي تقوم عليها؟ وهل توجد تفسيرات أخرى؟ وماذا يحدث لو تغير أحد شروط المسألة؟

فالذكاء الاصطناعي قد يساعد على إنتاج الإجابة، لكن جودة الحكم عليها تظل مسؤولية الإنسان الذي يستخدمها.

إذا أردنا أن نعد أبناءنا لعالم تتوافر فيه المعرفة بيسر، فلا بد أن ينعكس ذلك على الممارسات اليومية داخل الصف، لا أن يظل حديثًا عامًا عن المستقبل والتقنية.

يمكن للمعلم، مثلًا، أن يطلب من طلابه حل مشكلة واقعية، ثم يقارنوا بين حلولهم والحلول التي تقترحها أداة للذكاء الاصطناعي، ويحددوا نقاط القوة والضعف، ويتحققوا من الأدلة، ويبرروا اختيارهم للحل الأفضل.

ويمكن أن يطلب منهم تحليل إجابة خاطئة، لا الاكتفاء بالإجابة الصحيحة؛ لأن اكتشاف الخطأ وتفسيره يكشفان عن مستوى الفهم أكثر مما تكشفه أحيانًا إعادة إنتاج الحل النموذجي.

وهذا لا يخص مادة بعينها؛ فالطالب الذي يبني حجة مدعومة بالأدلة في درس اللغة العربية، ويختبر تفسيرًا لظاهرة في العلوم، ويشرح أكثر من طريقة لحل مسألة في الرياضيات، يمارس في كل ذلك القدرة نفسها: أن يفكر فيما يعرفه، لا أن يكتفي بعرضه.

ولا يعني ذلك تحويل كل درس إلى مشروع كبير، أو استخدام الذكاء الاصطناعي في كل نشاط؛ المقصود أن نمنح الطالب فرصًا متكررة ليمارس التفكير، ويشرح ما يفهمه، ويختبر معرفته في مواقف متنوعة، ويتحمل مسؤولية قراراته. والأهم من ذلك كله أساليب التقويم؛ لأن ما نقيسه هو في النهاية ما سيتعلمه الطالب. فإذا ظلت الاختبارات تكافئ الإجابة النهائية وحدها، فسيتعلم الطالب سريعًا أن أقصر الطرق إليها هو الطريق الصحيح، حتى لو مرّ عبر أداة أنجزت عنه التفكير كله. أما إذا سألناه عن طريقة تفكيره، والأدلة التي استند إليها، وقدرته على تفسير الحل وتطبيقه في سياق جديد، فإننا نقترب من قياس ما فهمه الطالب فعلًا، وما يستطيع توظيفه بنفسه، لا ما تستطيع الأداة إنتاجه نيابة عنه.

ولم يعد هذا التوجه مجرد اجتهاد فردي؛ فقد خصصت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في دورة اختبارات «بيزا 2025» مجالًا مبتكرًا بعنوان «التعلم في العالم الرقمي»، لقياس قدرة الطلاب على بناء المعرفة وحل المشكلات باستخدام الأدوات الرقمية، مع الاهتمام بقدرتهم على تنظيم تعلمهم ومتابعة تقدمهم. وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه يوسع النظر إلى ما يستطيع الطالب فعله بما يتعلمه، بدلًا من الاقتصار على ما يستطيع استرجاعه.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة لنا ونحن نطور منظومتنا التعليمية في ضوء رؤية المملكة 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية؛ فبناء إنسان قادر على المنافسة عالميًا يتطلب أن تتكامل معرفة الطالب الأساسية مع قدرته على التفكير والتطبيق والحكم على المعلومات.

قد يتصور البعض أن سهولة الوصول إلى المعرفة تقلل الحاجة إلى المعلم، لكنني أرى أن هذا التحول يجعل دوره أكثر أهمية، وإن كان يتطلب تطويرًا مستمرًا في ممارساته.

فالمعلم لم يعد مطالبًا فقط بشرح المحتوى وإيصاله إلى الطالب، بل أيضًا بتصميم خبرات تعلم تساعده على فهمه، وتحدي أفكاره، واكتشاف أخطائه، وبناء قدرته على التفكير المستقل.

ومع توافر الأدوات الرقمية، يصبح من الممكن أن يخصص المعلم وقتًا أكبر لمناقشة الطلاب، والاستماع إلى طرائق تفكيرهم، وتشخيص مواطن الضعف لديهم، وتقديم تغذية راجعة تتناسب مع احتياجاتهم. لكن ذلك لن يحدث تلقائيًا؛ فهو يحتاج إلى تأهيل مهني، ووقت مناسب للتخطيط، وأدوات تقويم ملائمة، وبيئة مدرسية تشجع التجريب والتعلم من النتائج.

ويقع على المعلم كذلك أن يعلّم طلابه الاستخدام المسؤول لهذه الأدوات؛ استخدامًا يتجاوز تشغيلها إلى فهم حدودها، والتحقق مما تقدمه، والأمانة في نسبة العمل إلى صاحبه.

إن التحول الذي نعيشه لا يفرض علينا التخلي عن مناهجنا ومعارفنا الأساسية، لكنه يدعونا إلى مراجعة التوازن بين ما يتعلمه الطالب، وما يستطيع فعله بما تعلمه.