ثمة كتب تقرؤها فتزداد بها عِلْمًا، وثمة كتب تتجاوز ذلك فتورث في النفس طمأنينة إلى العِلْم، ومحبة له، ورغبة في الاستزادة منه. وكتب العلّامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- من هذا الصنف؛ كتب عليها نور العِلْم، ووضوح الدليل، وصدق التعليم، حتى ليشعر طالب العِلْم وهو يقلب صفحاتها أنه لا يقرأ عبارات مصنفة فحسب، بل يجلس بين يدي معلّم يأخذ بيده من المسألة إلى أصلها، ومن الحكم إلى دليله، ومن الفَرْع إلى قاعدته.
وليس المقصود بالنور هنا عبارة عاطفية مجردة، وإنما ذلك الأثر الذي يتركه العِلْم النافع إذا اجتمع فيه صحة المَأْخَذ، ووضوح العبارة، وحسن التعليم، والقدرة على تقريب المعاني، وقد اجتمعت هذه الخصال في تراث الشيخ، حتى أصبحت كتبه رفيقة لأجيال من طلاب العِلْم؛ يبدأ بها المبتدئ، ويرجع إليها المتوسط، ويجد فيها المتقدم من دقائق الفوائد وحسن التقرير ما ينتفع به.
وسر ذلك -فيما يظهر- أن الشيخ لم يكن يكتفي بجمع المسائل ونقل الأحكام، بل كان يبني طالب العِلْم؛ يرده إلى الدليل، ويكشف له وجه الدلالة، ويربط الفَرْع بأصله، وينبهه إلى العِلّة والاستثناء والفروق بين المسائل المتشابهة. فالمعلومة قد تحفظ ثم تنسى، والمسألة قد تضبط ثم تغيب، أما المنهج إذا استقر في عقل الطالب فإنه يصحبه في سائر رحلته العلمية.
ومن هنا كانت العناية بالتأصيل من أبرز خصائص كتبه. ويظهر ذلك بجلاء في الأصول من علم الأصول؛ ففي أبواب العام والخاص، والمطلق والمقيد، والأمر والنهي، والنسخ، والاجتهاد والتقليد، لا يكتفي الشيخ بالتعريف، بل يقرب القاعدة بالمثال ويبين أثرها في فهم النص والحكم. فيخرج الطالب من دراسة «العام والخاص» مثلًا وهو يدرك أن القضية ليست تعريفًا يحفظ للامتحان، بل أداة يحتاج إليها كلما وقف أمام نص عام ودليل يخصصه.
فالقاعدة عند ابن عثيمين ليست جملة تحفظ، وإنما مفتاح يعمل.
وتتضح هذه الطريقة أكثر في الشرح الممتع على زاد المستقنع. فإذا تكلم على المياه والطهارة لم يقف عند تعداد الأقسام، بل يناقش ضوابطها وآثار تغير الماء وما الذي يسلبه وصف الطهورية. وإذا انتقل إلى الصلاة ظهرت عنايته بالتفريق بين الشرط والركن والواجب والسنة، وما يترتب على ترك كل واحد منها. وفي سجود السهو تظهر طريقته في جمع الصور المتفرقة تحت أصول تضبط الزيادة والنقص والشك. وهكذا لا تبقى أبواب الفقه عنده مسائل منفصلة، بل تنتظم في ذهن الطالب في صورة بناء متماسك.
وفي أبواب المعاملات يتضح الأمر أكثر؛ فعند الكلام على البيوع والشروط لا يقف عند صورة المعاملة، وإنما يبحث أصلها، والشرط المؤثر فيها، والعِلّة التي من أجلها وقع المنع أو الجواز، ثم قد يفرق بين صورتين يظنهما المبتدئ شيئًا واحدًا. وهذه الطريقة هي التي تصنع المَلَكة الفقهية؛ لأن طالب العِلْم يتعلم معها ألا يحكم على المعاملة باسمها، بل بحقيقتها ومضمونها.
ولهذا قد ينسى القارئ بعد زمن بعض المسائل التي قرأها في الشرح الممتع، لكن تبقى معه طريقة السؤال: ما الدليل؟ وما وجه الدلالة؟ وأين مَحَلّ النزاع؟ وهل يدخل هذا الفَرْع تحت هذه القاعدة؟ وما الفرق بين هذه الصورة وتلك؟
وفي القواعد المثلى في صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى يظهر وجه آخر من هذا البناء. فالشيخ لا يبدأ بإغراق الطالب في الجزئيات، وإنما يضع أمامه قواعد كلية: ما يتعلق بأسماء الله تعالى، وما يتعلق بصفاته، وما يجب في نصوص الأسماء والصفات من إثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. فإذا ضبط الطالب هذه الأصول استطاع أن يفهم تحتها عشرات المسائل.
وتجد الطريقة نفسها في شرح العقيدة الواسطية؛ فالشيخ يشرح ألفاظ النصوص، ويبين وجه الاستدلال منها، ويربط المسألة بأصلها، ويفرق بين إثبات الصفة وبين تكييفها، وبين المعنى المعلوم والكيفية التي استأثر الله بعلمها. فلا يخرج القارئ بحفظ تقرير عقدي فحسب، وإنما بمنهج يتعامل به مع نصوص هذا الباب.
ومن الأمثلة الجميلة على قدرته في التقريب كتاب شرح ثلاثة الأصول. فمسائل عظيمة كمعرفة العبد ربه ودينه ونبيه صلى الله عليه وسلم يقدمها في بناء تعليمي واضح، ويقف عند الألفاظ والمعاني والأدلة، ويجعل المتن المختصر مدخلًا إلى مسائل أوسع، وهنا تتجلى قيمة الشرح: أن يحافظ على بساطة المتن للمبتدئ، ثم يفتح له من خلاله أبوابًا إلى عِلْم أوسع.
وفي التفسير تبدو شخصية الشيخ العلمية من زاوية أخرى، فمن يقرأ تفسير سورة البقرة أو تفسيره لسور المفصل يلحظ أنه لا يقف عند بيان معنى الآية، بل يستخرج منها فوائد عقدية وفقهية وتربوية ولغوية، ويربط بين دلالة اللفظ وما يترتب عليها من حكم أو هداية. وقد يمر القارئ بالآية مرات كثيرة، ثم يقرأ تفسير الشيخ لها فينتبه إلى دلالة في تركيبها، أو فائدة في لفظها، أو حكم يتفرع عنها لم يكن حاضرًا في ذهنه.
وفي شرح رياض الصالحين يتجلى وجه آخر من شخصيته التعليمية. فالحديث عنده ليس نصًّا يشرح غريب ألفاظه ثم ينتقل إلى غيره، بل مادة للتربية والفقه والاستنباط؛ يشرح اللفظة، ويبين المعنى، ويستخرج الأحكام والآداب، ويربط الحديث بواقع المسلم. ولهذا شاع الانتفاع بهذا الشرح بين المتخصص وغيره؛ لأن القارئ يجد فيه عِلْمًا قريب المأخذ من غير أن يكون سطحيًّا.
بل إن هذه العناية بالتقريب تظهر حتى في علوم الآلة. ففي شرح الآجرومية لا يعامل النحو على أنه صناعة لفظية منفصلة عن مقصودها، وإنما يقرب القواعد بالأمثلة، ويبين أثر الإعراب في المعنى، فيشعر الطالب أن النحو ليس حفظًا لأبواب المرفوعات والمنصوبات بقدر ما هو أداة لصيانة اللسان وفهم الكلام، وفي مقدمة ذلك كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص تراث الشيخ: وضوح العبارة من غير إخلال بعمق المعنى، وليس كل من فهم مسألة أحسن تقريبها؛ أما ابن عثيمين فكانت له مَلَكة ظاهرة في تفكيك المسألة، وتقسيمها، وضرب المثال لها، ثم إيراد الاعتراض والجواب عنه.
ولهذا بقيت في كتبه روح المجلس العلمي؛ تقرأ الصفحة فكأنك تسمع المعلّم يقول: «فإن قيل... قلنا»، و»مثال ذلك»، و»فإن قال قائل»، و»الصحيح»، و»الدليل على ذلك». وكأن الكتاب احتفظ بشيء من حرارة الدرس وحيوية السؤال والجواب.
فالشيخ كان معلّمًا في كتبه كما كان معلّمًا في مجلسه؛ يعرف كيف يبدأ بالطالب، وكيف ينقله من الواضح إلى الدقيق، ومتى يحتاج المعنى إلى مثال، ومتى تحتاج المسألة إلى تفريق أو استدراك.
ومن الملامح البارزة في كتبه كذلك احترام عقل القارئ؛ فالنتيجة لا تقدم له دائمًا مجردة عن طريقها، بل يرى الدليل ومَأْخَذ الاستدلال ووجه الترجيح، وهذا يربي طالب العِلْم على التوازن بين توقير العلماء والنظر في أدلتهم؛ فلا يكون احترام العالِم مانعًا من البحث، ولا يكون البحث في الأقوال ذريعة إلى إسقاط أقدار أهل العِلْم.
ولعل أجمل ما يشعر به من أكثر صحبة كتبه أنك قد تفتح الكتاب باحثًا عن مسألة واحدة، فتخرج بأكثر مما قصدت؛ تبحث في الشرح الممتع عن حكم فتخرج بقاعدة فقهية، وتقرأ في القواعد المثلى مسألة فتتعلم أصلًا يحكم بابًا كاملًا، وتقصد تفسير ابن عثيمين لمعرفة معنى آية فتجد معها فوائد في اللغة والعقيدة والفقه، وتقرأ حديثًا في شرح رياض الصالحين فتخرج بحكم وأدب وتربية.