لم تعد المدن الحديثة تُقاس بما تشيّده من بنى تحتية وما تمتدّ إليه من عمران فحسب، بل بما تحققه من انتماء لدى سكانها، وبمدى إحساسهم بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة بيئتهم الحضرية لا مجرد متلقين للخدمات. وفي هذا السياق جاءت الدورة الثانية من ملتقى وجائزة «عزوة» للمشاركة المجتمعية لعام 2026م، التي نظمتها أمانة منطقة الرياض برعاية صاحب السمو الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عيّاف، أمين منطقة الرياض، لتؤكد أن العمل البلدي المعاصر بات يقوم على الشراكة والتكامل بين الأمانة والمجتمع والقطاعين الخاص وغير الربحي.
وتتأصل فلسفة هذا الملتقى في أدبيات التنمية الحضرية المستدامة التي تؤكد أن نجاح السياسات العمرانية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بدرجة إشراك المستفيدين في تشخيص الاحتياجات وصياغة الحلول ومتابعة التنفيذ. فالمجتمع الذي يشارك في تطوير حيّه يكون أكثر حرصًا على صون مرافقه وأقدر على استدامة مكتسباته. ولذلك لم تكن «عزوة» مناسبة احتفالية عابرة، بل منصة وطنية لتبادل الخبرات، واستعراض المبادرات النوعية، وتطوير أدوات ومنهجيات مستدامة ترسّخ المشاركة الفاعلة بوصفها ممارسة مؤسسية منتظمة. وقد اكتسب اسمه دلالته من معنى النصرة والتكاتف الذي عُرف به المجتمع السعودي في تاريخه الاجتماعي، فاستُحضرت القيمة الأصيلة في سياق مؤسسي حديث.
ومن أبرز ما ميّز هذه الدورة انتقالها بالحوار من التنظير إلى التطبيق؛ إذ جمعت ساحة المشاركة المجتمعية «من التحدي إلى الشراكة» قطاعات الأمانة مع السكان والجهات الخاصة وغير الربحية حول التحديات والفرص والمشاريع، وانتقل الحضور من طرح الأفكار إلى بناء الأدوات في ورشتي عمل تناولتا صناعة تجربة المستفيد في المبادرات المجتمعية، وسبل تحويل المبادرة إلى فرصة للاستثمار الاجتماعي. وهذا التحول من الفكرة إلى الأداة ومن الأداة إلى الأثر يعكس نضجًا في الرؤية، ووعيًا بأن المبادرات لا تبلغ غايتها ما لم تُبنَ على فهم عميق لتجربة المستفيد وتُحاط بأطر تضمن استمراريتها.
وتجلّت جدية هذا النهج في انتقال الشراكات من مرحلة الحوار إلى مرحلة التوقيع، برعاية سموه خمس عشرة اتفاقية تنموية مع شركاء من القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، تستجيب لاحتياجات المدينة وسكانها في البنية التحتية والأنسنة والثقافة. وهو مؤشر على أن المشاركة المجتمعية في الرياض لم تبقَ شعارًا، بل غدت التزامات مؤسسية قابلة للقياس والمتابعة.
كما أن إعلان إطلاق «ريمات المجتمعية» خلال الحفل يمثل خطوة نوعية في تطوير المنظومة التي بدأتها الأمانة خلال السنوات الماضية، إذ يسهم في تنظيم العمل المجتمعي، وتعزيز استدامته، وتوسيع فرص مشاركة الأفراد والجهات، ودعم المبادرات الناجحة، وتحويل الأفكار المجتمعية إلى مشروعات ذات أثر مستمر.
أما جائزة «عزوة» فقد أثبتت في دورتها الثانية أنها أداة فاعلة لتحفيز الإبداع المجتمعي وتقدير أصحابه، بعد أن شهدت مشاركة 280 مبادرة تطوعية توزعت على مسارات التطوع البلدي، والمبادرات المجتمعية، والمسؤولية الاجتماعية، والمشاركة الثقافية التي أُضيفت بوصفها أحدث مسارات الجائزة، إضافة إلى مسار أمانة الرياض التقديري.
وهذا التنوع يكشف عن اتساع مفهوم المشاركة ليشمل البعد الثقافي والهوية الحضرية إلى جانب الجوانب الخدمية والتطوعية. وقد كرّم سموه الأفراد والفرق التطوعية والمنظمات الفائزة، مثمّنًا ما بذلوه من وقت وجهد، ومؤكدًا أن القيمة الحقيقية للمبادرات تُقاس بأثرها في حياة الناس وبما حققته من نفع للمستفيدين.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن الإطار الوطني الأشمل الذي تتحرك فيه المملكة. فقد حظيت العاصمة بدعم لا محدود من لدن القيادة الرشيدة، ممثلة في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ومتابعة واهتمام من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظهما الله. وقد وفّر هذا الدعم بيئة تشريعية وتنظيمية وتنموية مكّنت الأجهزة البلدية من الانتقال إلى آفاق أرحب في العمل المجتمعي. كما أن رؤية السعودية 2030 التي جعلت من بناء «مجتمع حيوي» و«مدن مستدامة» ركيزتين من ركائزها، وربطت جودة الحياة بإشراك الإنسان في صناعة التنمية، شكّلت المرجعية الاستراتيجية التي تنطلق منها مثل هذه المبادرات، وتستمد منها مشروعيتها واتجاهها وغاياتها.وإنصافًا للجهود، فإن ما شهده الملتقى من تنظيم رفيع ومضمون ثري لم يكن ليتحقق لولا القيادة الواعية لصاحب السمو الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عيّاف، الذي جعل من المشاركة المجتمعية نهجًا راسخًا في العمل البلدي، وأكد في كلمته أنها ركيزة أساسية في تطوير المدن وتحسين جودة الحياة، وأن سكان الرياض شركاء أساسيون في تطويرها. وهي رؤية تستحضر قيم التعاون والتكافل التي عُرفت بها الرياض ومدن المملكة وقراها، وتحوّلها إلى ممارسات مؤسسية منظمة. ولا يقل عن ذلك أهمية ما بذله منسوبو أمانة منطقة الرياض من جهد دؤوب وتفانٍ في الإعداد والتنظيم والتنسيق، وهو جهد يعكس كفاءة العمل المؤسسي حين يلتقي الإخلاص بالاحتراف.
وختامًا، فإن ملتقى «عزوة» يقدم نموذجًا يستحق الاهتمام والتعميم في إدارة المدن وتنميتها، إذ يرسّخ فكرة أن المجتمع شريك أصيل في صناعة التنمية الحضرية، وأن الأثر المستدام يبدأ من تمكين الإنسان ومنحه الثقة والأداة والمنبر. وبقدر ما تتسع دائرة المشاركة وتترسخ ثقافتها، تقترب الرياض من غايتها في أن تكون مدينة نابضة بالحياة، جاذبة للعيش، مرتبطة بهوية سكانها وتطلعاتهم، ومحققة لمستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء مجتمع حيوي ومدن مستدامة.
لم تعد المدن الحديثة تُقاس بما تشيّده من بنى تحتية وما تمتدّ إليه من عمران فحسب، بل بما تحققه من انتماء لدى سكانها، وبمدى إحساسهم بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة بيئتهم الحضرية لا مجرد متلقين للخدمات. وفي هذا السياق جاءت الدورة الثانية من ملتقى وجائزة «عزوة» للمشاركة المجتمعية لعام 2026م، التي نظمتها أمانة منطقة الرياض برعاية صاحب السمو الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عيّاف، أمين منطقة الرياض، لتؤكد أن العمل البلدي المعاصر بات يقوم على الشراكة والتكامل بين الأمانة والمجتمع والقطاعين الخاص وغير الربحي.
وتتأصل فلسفة هذا الملتقى في أدبيات التنمية الحضرية المستدامة التي تؤكد أن نجاح السياسات العمرانية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بدرجة إشراك المستفيدين في تشخيص الاحتياجات وصياغة الحلول ومتابعة التنفيذ. فالمجتمع الذي يشارك في تطوير حيّه يكون أكثر حرصًا على صون مرافقه وأقدر على استدامة مكتسباته. ولذلك لم تكن «عزوة» مناسبة احتفالية عابرة، بل منصة وطنية لتبادل الخبرات، واستعراض المبادرات النوعية، وتطوير أدوات ومنهجيات مستدامة ترسّخ المشاركة الفاعلة بوصفها ممارسة مؤسسية منتظمة. وقد اكتسب اسمه دلالته من معنى النصرة والتكاتف الذي عُرف به المجتمع السعودي في تاريخه الاجتماعي، فاستُحضرت القيمة الأصيلة في سياق مؤسسي حديث.