مرّ عامان تقريباً على ذلك النهار الذي انفجرت فيه آلاف أجهزة الاتصال المدنية في أيدي أصحابها وفي وجوههم وبين أفراد عائلاتهم وفي الشوارع والمدارس والمستشفيات والمتاجر والمنازل. عامان على مشاهد الأصابع المبتورة والأيادي الممزقة والعيون المقتلعة والوجوه والأجساد التي شوهتها الشظايا. ففي 17 أيلول 2024، انفجرت آلاف أجهزة الـ«بيجر»، بصورة متزامنة في مناطق مختلفة من لبنان. وفي اليوم التالي (18 أيلول) انفجرت أجهزة اتصال لاسلكية أخرى. وبلغت حصيلة الضحايا 39 شهيداً وأكثر من 3400 جريح. ووصفت منظمة الصحة العالمية الإصابات: أصابع مبتورة، إصابات شديدة في الوجه والعينين وكسور وإصابات خطرة في الأطراف. وذكرت في تقريرها أن نحو 460 مصاباً احتاجوا إلى عمليات جراحية في العينين والوجه والأطراف وأن عمليات بتر متعددة أُجريت للمصابين. السؤال إلى النيابة العامة والقضاء والحكومة ووزارة العدل بعد عامين على وقوع الجريمة هو: أين وصل التحقيق؟ هذه ليست أرقاماً، هؤلاء بشر ومن بينهم من يستيقظ كل صباح ولا يرى، ومن يحاول أن يمسك فنجاناً ولا يجد اليد التي كان يمسك بها، ومن بات يحتاج إلى مساعدة في أبسط شؤون حياته بعد أن كان مستقلاً تماماً، ومن يتألم ويحمل في وجهه وجسده آثار الانفجار. هؤلاء ليسوا تفصيلاً في نشرات الاخبار على شاشة التلفزيون أو في صفحات الجرائد. لهم حق في العلاج والتأهيل والتعويض وقبل ذلك وبعده لهم حق في الحقيقة والعدالة والمحاسبة ولا يفترض، بعد سنتين، أن تكون المسؤولية الجنائية الإسرائيلية مجرد ادعاء سياسي لبناني بل إدانة قضائية، خصوصاً بعد أن أعلن المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في 11 تشرين الثاني 2024، أن نتنياهو أمر بتفجير أجهزة البايجر. أي أن المعطى الذي كان يحتاج إلى تحقيق لإثبات نسب العملية إلى «إسرائيل» بات يتضمن اعترافاً صادراً عن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية نفسه. أين الدولة اللبنانية؟ في 18 أيلول 2024، أي في اليوم التالي للموجة الأولى من التفجيرات، سطّر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي فادي عقيقي استنابات إلى مديرية المخابرات في الجيش وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وطلب جمع كل المعطيات الأمنية والفنية المتعلقة بتفجير أجهزة البايجر وأجهزة الاتصال اللاسلكية، وتزويده بها بموجب محاضر رسمية «لإجراء المقتضى القانوني»، كما طلب تحديد أعداد القتلى والجرحى. كانت هذه الخطوات بداية ضرورية وسريعة للتحقيق لكن السؤال إلى النيابة العامة والقضاء والحكومة ووزارة العدل، بعد عامين على وقوع الجريمة، هو: أين وصل التحقيق؟ وما الذي انتهت إليه الاستنابات؟ أين الملف القضائي؟ لماذا لم تصدر مذكرات توقيف؟ لماذا لم يطلب تعاون قضائي من الدول التي مرت عبرها الأجهزة أو الشركات والوسطاء؟ لماذا لم تُجمع الملفات الطبية الفردية للضحايا وتُحُفظ باعتبارها أدلة على نتائج الجريمة؟ وهل يستطيع أي مصاب اليوم، بصفته ضحية لجريمة وقعت على الأرض اللبنانية، أن يعرف هوية قاضي التحقيق الذي يفترض ان يتولى قضيته وما هو رقم الملف؟ لم تجد «الأخبار» ما يدل على انتقال التحقيق الأولي في 18 أيلول 2024 إلى مسار قضائي متكامل يوازي جسامة ما وقع: لا قرار اتهام في القضية ولا مذكرات توقيف بحق المسؤولين عن العملية ولا إحالة إلى المجلس العدلي ولا نتيجة قضائية فنية نهائية. لكن بعد سنتين من جريمة بهذا الحجم من حق الضحايا ومن حق اللبنانيين أن يعرفوا ماذا فعلت دولتهم لحماية حقوق مواطنيها. الدولة تتخلى عن فكرة الدولة في 19 أيلول 2024 وجّه لبنان رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن نسب فيها الهجوم إلى "إسرائيل" وشرح تفجير أجهزة الـ«بيجر» في 17 أيلول وأجهزة اللاسلكي في اليوم التالي. وفي 20 أيلول عقد مجلس الأمن جلسة طارئة حول لبنان، تناولت التفجيرات وآثارها. ولكن ما قيمة أن تعرف الدولة كيف تكتب شكوى إلى نيويورك، إذا لم تعرف ــ أو لم ترغب ــ في بناء ملف قضائي في بيروت؟ قال المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في 18 أيلول 2024 إن استهداف آلاف الأشخاص بصورة متزامنة من دون معرفة من كان يحمل الأجهزة وأين يوجد ومن حوله يخرق قانون حقوق الإنسان الدولي وطالب بتحقيق مستقل وشامل وشفاف وبمحاسبة من أمر بالعملية ونفذها. كما طالبت منظمة العفو الدولية بتحقيق دولي معتبرة أن طبيعة التفجيرات تثير مسائل خطيرة تتعلق بالهجمات العشوائية وقواعد حماية المدنيين. الحكم القانوني النهائي على المسؤولية الجنائية لا يصدر في مقال صحافي. يجب أن يصدر عن قضاء بعد تحقيق في هوية كل مسؤول، وطبيعة الهدف، ومبدأ التمييز، والاحتياطات المتخذة، والأضرار بالمدنيين، وطريقة تصنيع الأجهزة وتفخيخها وتوزيعها وتفجيرها. المقاتل له أحكامه في القانون الدولي الإنساني والمدني له أحكامه، والمصاب العابر الموجود قرب جهاز له حقوقه، والطفل له حقوقه، والعامل الصحي له حقوقه. القضاء هو الذي يميز بين هذه الحالات على أساس الأدلة. أما الدولة التي تتخلى عن التحقيق لأنها تفترض مسبقاً هوية الضحايا أو انتماءاتهم، فهي تتخلى عن فكرة الدولة نفسها. ما الذي يجب فعله الآن؟ يمكن للنيابة العامة أن تعلن أين أصبح التحقيق الذي بدأ في 18 أيلول 2024 وأن ينتقل الملف إلى تحقيق قضائي كامل يحدد المسؤولية الفردية عن التخطيط والتصنيع والتفخيخ وإدخال الأجهزة والتفجير وإصدار الأمر. ويمكن لمجلس الوزراء أن يدرس إحالة القضية إلى المجلس العدلي، الذي توضح وزارة العدل اللبنانية أنه مختص بجرائم تقع على أمن الدولة الخارجي والداخلي وبعض الجرائم الخطرة وأنه يضع يده على الدعوى بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء. ويمكن إنشاء ملف مركزي لكل ضحية يجمع التقرير الطبي والصور والعمليات الجراحية ونسبة العجز ومكان الإصابة وظروفها، وربط ذلك بقاعدة أدلة جنائية تشمل الأجهزة وبقاياها والمتفجرات والأرقام التسلسلية وسلسلة التوريد والشركات والوسطاء والتحويلات المالية والاتصالات والجهات التي شاركت في العملية. ويمكن للبنان أن يطلب رسمياً ملفات التحقيقات التي أجريت في تايوان ودول أخرى حول سلسلة تصنيع الأجهزة وتسويقها. ويمكنه إعداد ملفات قابلة للاستخدام في الدول التي تسمح قوانينها بملاحقة الجرائم الدولية وفق الولاية القضائية العالمية.