.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
لم يكن مالك، التلميذ البالغ 15 عاماً، يحمل ساعة دخوله إلى المقهى المقابل لمعهده سوى محفظة ظهره وهاتف قديم مهشم الشاشة. كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة صباحًا حينها. يقول إنه أنهى لتوّه درساً في مادة الرياضيات لمدّة ساعتين، وستكون أمامه ساعة فراغ قبل أن يذهب لحضور حصة جغرافيا.
جلس مالك مع اثنين من زملائه على طاولة تطلّ على الشارع، طلبوا مشروبات غازية، وبدأوا في مشاهدة مقاطع قصيرة على هواتفهم، أغلبها مقابلات في عالم كرة قدم من بطولة أوروبا.
في هذا المقهى الصغير، الذي لا يتجاوز عدد طاولاته العشر، يعرف النادل أسماء جميع التلاميذ. فقد صاروا من زبائنه الأوفياء، مثلهم مثل الرجال الذين كانوا يجلسون على طاولة مجاورة يدخّنون ويتحدثون بصوت عال، وبكلمات بذيئة أحياناً، ما يوحي بأن ما يدور بينهم أقرب إلى الشجار منه إلى النقاش فيما كانت شاشة كبيرة معلّقة تعرض إعادة لبرنامج رياضي تونسي.
يقول مالك لـ"النهار": "نأتي باستمرار إلى هنا... أمي تعلم بذلك، ولا ترى مانعاً... نخرجو في الريكري (ساعة الاستراحة)... داخل المعهد ما فماش وين نقعدوا (ليس هناك مكان نجلس فيه). نجلس هنا قليلاً، نتحدث، ونصل هواتفنا بالنت، بانتظار أن يحين موعد الحصّة الموالية".
ليس مالك استثناء. فعدد مهم من التلاميذ "الأطفال" في تونس يفعلون الشيء نفسه بشكل يومي. وكشفت جولة لـ"النهار" في أحياء عديدة في تونس الكبرى أن المقاهي القريبة من المدارس والمعاهد باتت تعدّ جزءًا من اليوم الدراسي غير الرسمي، يقصدها تلاميذ في سن الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة في أوقات الراحة بين الحصص، أو بعد نهاية الدروس، بهدف المراجعة أو من أجل الترفيه.
"نعم نستقبلهم"... ولكنلا يُنكر صاحب مقهى قريب في وسط العاصمة تونس، في حديث مع "النهار"، الظاهرة. يقول، وهو يشير إلى عدد من التلاميذ الذين كانوا يتجمعون إلى طاولة أمام المقهى: "بعضهم يأتي في وقت الراحة، وبعضهم يمضي ساعات طويلة هنا... يشربون قهوة أو عصيراً، ويستعملون "الوايفاي "(الإنترنت) التي يوفرها المقهى مجاناً".
ورغم أنه يُقرّ بأن وجود القُصّر يضعه في حرج، فإنه يقول إنه لا يستطيع منعهم من الجلوس في المقهى، لأنه "ببساطة لا يميز سنّهم".
لكن حجة عدم القدرة على تمييز سن "الزبون الصغير" التي يتذرع بها أصحاب المقاهي لا تبدو مقنعة بالنسبة إلى الحقوقيين المدافعين عن الطفولة، الذين يعتبرون أن الأمر لا يخلو من حسابات تجارية.
في هذا الصدد، تقول أستاذة علم الاجتماع بالجامعة التونسية، صابرين الجلاصي، لـ"النهار" إن صاحب المقهى لا يهتمّ لسن زبائنه ما دام يجني من ورائهم ربحاً مادياً، معتبرةً أن الأمر "يستوجب اتخاذ العديد من الإجراءات لحماية الأطفال".
طلاب في أحد المقاهي في تونس (كريمة دغراش- النهار).
لكن الجلاصي لا تنسى في المقابل تحميل العائلة مسؤولية عدم مراقبة أبنائها ومتابعة أوقاتهم ويومهم الدراسي بدقة، وتقول إن بعض الأولياء يستخفون بخطر هذه الفضاءات، ولا يمانعون أن يرتادها أبناؤهم في حين لا تبذل عائلات أخرى أي مجهود لمعرفة كيف يمضي ابنها أوقات فراغه عندما يخرج للشارع، سواء أكان تلميذاً أو منقطعاً عن الدراسة.
بدوره، يعتبر الكاتب العام للمنظمة التونسية للتربية والأسرة، عامر الجريدي، في تصريح لـ"النهار"، أن شيوع منطق الحرّيات والحقوق، بما في ذلك حقوق الطفل، على حساب الأخلاق والواجبات، إضافة إلى انشغال الأولياء لساعات طويلة مقابل تكاثر وسائل الإعلام والاتصال والإنترنت، كلها عوامل ساهمت في انتشار هذه الظاهرة.
فشل في المنظومة التعليمية؟يطرح تحول ارتياد التلاميذ المقاهي بشكل يكاد يكون يومياً عدّة تساؤلات وفق ريم بالعربي، أستاذة التربية المدنية في أحد المعاهد في العاصمة تونس، التي تقول إنها لاحظت تأخّر حضور عدد من طلابها عن موعد حصتها.وتوضح لـ"النهار" بأن أغلب الطلاب الذين يقصدون "الكافتيريا" (مقهى صغير) القريبة من المعهد يتعمّدون التأخر عن دخول حصة الدرس.
وتضيف: "تبدأ الحصة وتكون مقاعدهم فارغة... بعد دقائق من انطلاق الدرس يدخلون ورائحة السجائر تفوح من البعض منهم فيما يكون البعض الآخر مشتت الذهن".
بدوره، يقول رئيس جمعية الأولياء والتلاميذ، رضا الزهروني، لـ "النهار" إن أوقات الراحة داخل المؤسسات التربوية لم تعد تُدار كجزء من الحياة المدرسية. ويتابع: "عندما يخرج التلميذ من المعهد لا يجد مكاناً جذاباً وآمناً يقصده".
ويلفت إلى أن المعاهد التونسية لا توفر قاعات يمكن أن يمضي فيها التلميذ ساعة فراغه فيجد نفسه مجبراً على قضائها في الفضاء الخارجي.ويضيف أن عدم تأطير هذا الفراغ يدفع عدداً من المراهقين للبحث عن بدائل، "وحينها يكون المقهى الوجهة الأسهل التي يمكنهم أن يقصدوها"، وفق قوله.
ويعتبر أن المنظومة التعليمية بحاجة للمراجعة كي لا تتحول المدرسة إلى بيئة منفّرة للتلميذ. ويؤكد أن التعليم فقد مكانته داخل المجتمع التونسي، ولم يعد السبيل الوحيد للنجاح، مشدّداً على أن التلميذ لم يعد متحمّساً للدراسة لأنه "فقد الأمل".
ورغم أن المقهى قد لا يكون السبب الوحيد وراء الانقطاع المبكر لعدد من التلاميذ عن الدراسة، لكنه قد يُعبد طريق بعض منهم نحوه، "فالمراهق الذي يبدأ بالتأخر عن الحصص، ثم الغياب، ثم قضاء وقت أطول خارج المدرسة، قد يجد نفسه تدريجيًا على هامشها"، وفق الجريدي.
وتشير معطيات منشورة سنة 2025 استنادًا إلى نتائج المعهد الوطني للإحصاء إلى أن 4.5% من الأطفال بين 6 و16 سنة في تونس هم خارج المنظومة التربوية، وأن الانقطاع المدرسي يبلغ 3.5%، وذلك من جملة 3.293.463 طفلاً، حسب تعداد سنة 2024، مع تركّز أكبر لدى الفئة بين 12 و16 سنة، وهي الفئة نفسها التي تُلاحظ بكثافة في المقاهي القريبة من المدارس.
خطر صامتلا يقتصر النقاش على مسألة الغياب عن الدروس، بل يتعداه إلى نوعية الأجواء التي يجد فيها التلميذ نفسه داخل المقهى. فهذه الفضاءات، وفق ما توضح الجلاصي، قد تضعه في تماس مباشر مع سلوكيات خطيرة، خاصةً عندما يقضي وقتًا طويلاً إلى جانب الكبار.
وتوضح بأن التلميذ المراهق سيبدأ التشبع بسلوك جديد بصورة مبكرة عن الرجولة، تختزل بالصوت العالي والسيجارة، وسيسعى لمحاكاة سلوك الكبار الذين يختلط بهم في هذا الفضاء ليصبح حديث الرهانات والمباريات في صدارة اهتماماته.
وتظهر معطيات رسمية أن 14 في المئة من الأطفال بين 13 و15 سنة يدخّنون التبغ.
تؤكد الجلاصي أن وجود مراهقين في هذه الفضاءات يعرضهم لمخاطر كبيرة، ويجعل منهم ضحايا محتملين لجريمة الإتجار بالبشر، مؤكدة أنهم قد يتعلّمون هناك استهلاك الموادّ المخدرة، وقد يستغلون من طرف المنحرفين لترويجها بين زملائهم.
ووفق معطيات رسمية ارتفعت نسبة تعاطي مخدر القنب الهندي "الزطلة" في صفوف التلاميذ من 1.5 في المئة سنة 2016 إلى 8 في المئة سنة 2021.
رغم أن وجود المراهقين في المقاهي ليس أمرًا جديدًا، فإن الظاهرة أصبحت أكثر وضوحًا في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع انتشار الهواتف الذكية وتوفر الإنترنت في أغلب هذه الفضاءات، وتغيّر نمط الحياة اليومية، مقابل تراجع مكانة الفضاءات المخصصة للشباب.