لندن | يشكّك خبراء أوروبيون في مدى قدرة «الكونغرس» الأميركي الجديد الذي سيتولّى مهامه في كانون الثاني المقبل على تغيير السياسة الأميركية تجاه أوروبا والأسواق؛ إذ يحتفظ الرئيس دونالد ترامب، حتى ذلك الحين، بأغلبية «جمهورية» في المجلسَين، وحتى بعد ذلك، سيبقى قلم النقض الرئاسي على مكتبه. وفي ما يتعلّق بالرسوم الجمركية، قد يظلّ «الكونغرس» عاجزاً عن إنهاء التهديد الجمركي لأوروبا، نظراً إلى أن رسوم ترامب أصبحت تعتمد على المادة 301 من قانون التجارة الأميركي، وهو مسار يتيح للرئيس التحرّك من دون تصويت المشرّعين، وإذ يمكن «الديمقراطيين» عقدُ جلسات استماع وإبطاء إجراءات ترامب، فإنهم سيجدون صعوبة في انتزاع هذه السلطة منه. وفي ما يتعلّق بدعم أوكرانيا، سيرأّس «الديمقراطيون» لجان مجلس الشيوخ، ويقرّرون أيّ مرشّحي ترامب سيحصلون على الموافقة، فيما كثيرون منهم يريدون أيضاً إقرار عمليات تمويل جديدة لأوكرانيا. لكن الجزء الأصعب هو إنفاق تلك الأموال؛ إذ أبطل البيت الأبيض، على مدى العامَين الماضيَين، مبالغ وافق عليها «الكونغرس» بالفعل، عبر حجزها حتى نهاية السنة المالية؛ وهو ما قد يتكرّر الآن أيضاً.على الرغم من ذلك، توالت ردود الفعل الأوروبية المرحّبة بنتائج الانتخابات النصفية الأميركية، وإن تباينت التقديرات حول ما تعنيه للعلاقات عبر الأطلسي. وأعربت نائبة رئيس البرلمان الأوروبي، صوفي ويلمز، عن أملها في أن تؤدّي هذه النتيجة إلى «علاقة أكثر هدوءاً وبنّاءة مع أوروبا»، في حين وصفت نائبة الرئيس، كريستيل شالدموس، الفوز «الديمقراطي» بأنه قد يعود بالفائدة على أوكرانيا والسياسات البيئية والتعاون الدولي، مشدّدةً، في الوقت نفسه، على ضرورة مواصلة الاتحاد الأوروبي تعزيز استقلاليته الاستراتيجية بدلاً من الاعتماد على التغيّرات في السياسة الداخلية الأميركية. وفي ألمانيا، وصف وزير الدفاع، بوريس بيستوريوس، حصيلة الاقتراع الأميركية بأنها «تاريخية»، محذّراً في آن من توقّع الكثير، مؤكداً أن برلين ستسعى إلى اتصال وثيق مع «الديمقراطيين»، لكنها تنتظر ما سيفعله الرئيس دونالد ترامب في المستقبل القريب. وربطت أليس فايدل، المشاركة في رئاسة «حزب البديل من أجل ألمانيا» - أقصى اليمين -، بدورها، خسائر «الجمهوريين» بمغامرات ترامب الخارجية، مشيرةً إلى أن الرئيس الأميركي وعد ناخبيه بالامتناع عن اتّباع سياسة تدخّلية، ومعتبرةً أن الإخلاف بهذا الوعد «عاد ليقتصّ من الجمهوريين».
استقبلت الأسواق الأوروبية النتائج بتفاؤل حذر
أمّا في إسبانيا، فرحّب وزير الخارجية، خوسيه مانويل ألباريس، بمكاسب «الديمقراطيين»، معتبراً أن نتائج الانتخابات قد تكون لها انعكاسات سياسية إيجابية على «الاشتراكيين» في بلاده، فيما عدّ رئيس الوزراء، بيدرو سانشيز، النتيجة انتكاسة أوسع لليمين المتطرّف الدولي، عازياً إيّاها إلى رفض الناخبين الأميركيين السياسات التي تُفقِر الناس، إضافة إلى الكراهية والتمييز على أساس الجنس وإنكار تغيّر المناخ والامتيازات التي تتمتّع بها النخب السياسية والاقتصادية، مشيراً أيضاً إلى احتمال حدوث تحوّل سياسي مماثل في إسبانيا. وفي فرنسا، وصف وزير الاقتصاد والمالية، رولان لوكور، المكاسب الانتخابية «الديمقراطية» بأنها «لا يمكن إنكارها»، منبّهاً في الوقت نفسه إلى أن ترامب سيحتفظ بسلطة كبيرة على السياسة الخارجية الأميركية. ورأى أن الرئيس الأميركي يمكنه إمّا الاعتراف بالحاجة إلى تغييرات في السياسة، خاصة في ما يتعلّق بأسعار المحروقات، وتقليص انخراطه الدولي، أو مواصلة نهجه الحالي. وأضاف: «بصراحة، هذا أمر سنحتاج إلى متابعته في الفترة المقبلة». وفي الانتقال إلى إيطاليا، أكّد نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، أنطونيو تاياني، أن بلاده تحترم دائماً إرادة الشعب الأميركي، وأنها تحافظ على تعاونها مع الولايات المتحدة، بغضّ النظر عن الحزب الذي يمسك بدفّة السلطة السياسية. كما ذكّر بـ«(أننا) عملنا دائماً» مع إدارات «ديمقراطية» و«جمهورية»، جازماً أن روما ستبقى حليفاً استراتيجياً لواشنطن. وفي الاتجاه نفسه، اعتبر المتحدّث باسم الحكومة اليونانية، بافلوس ماريناكيس، أن نتائج الانتخابات لن تغيّر في الشراكة الاستراتيجية بين أثينا وواشنطن، واصفاً الولايات المتحدة بأنها «حليف تاريخي».
أمّا في المملكة المتحدة، فوصف وزير الصحة، جيمس فرث، النتائج بأنها «تغيّر زلزالي» في السياسة الداخلية الأميركية، مستدركاً بأن العلاقة الطويلة الأمد بين لندن وواشنطن ستبقى على حالها. وفي بولندا، رحّب رئيس الوزراء، دونالد توسك، بالفوز «الديمقراطي» باعتباره تطوّراً إيجابياً للديمقراطية الأميركية، معرباً عن أمله في أن تسهم نتيجة الانتخابات في استقرار الإقليم حول بولندا، وناصحاً ترامب بالامتناع عن استخدام حق النقض كأسلوب للحكم. وفي جمهورية التشيك، عدّ رئيس الوزراء، أندريه بابيش، الفوز «الديمقراطي»، «استثنائياً»، محذّراً من أن النتائج قد تؤدّي إلى شلل سياسي في واشنطن لبقية ولاية ترامب، مع محاولات العزل وحق النقض الرئاسي التي قد تهيمن على الأجندة السياسية. وأعرب بابيش، مع ذلك، عن أمله في أن يواصل ترامب جهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا ومعالجة أزمة مضيق هرمز. وعلى المنوال نفسه، اعتبر رئيس الوزراء النرويجي، يوناس غار ستوره، النتائج إشارة سياسية قوية إلى أن الناخبين الأميركيين أرادوا تغيير الاتجاه، مشيراً إلى أن أصواتاً سياسية أقرب إلى مواقف بلاده تبرز في الولايات المتحدة، خاصة بشأن تغيّر المناخ وحماية البيئة والسياسة الخارجية والمساعدات التنموية. وفي الانتقال إلى بلجيكا، حذّر وزير الدفاع، تيو فرانكن، من أن الانقسامات السياسية العميقة في الولايات المتحدة قد تجعل حكم البلاد أمراً بالغ الصعوبة في السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن الاستقطاب قد يؤدي إلى جمود سياسي طويل بين الرئيس و«الكونغرس». ولفت إلى أنه من منظور أوروبي، سيتمّ التركيز بشكل أساسي على التطوّرات المتعلقة بالسياسة التجارية الأميركية ودعم أوكرانيا وموقف واشنطن تجاه «حلف شمال الأطلسي».
أمّا الأسواق الأوروبية، فاستقبلت النتائج بتفاؤل حذر؛ إذ تحوّلت الأسهم، عبر القارة، إلى الارتفاع، بعد بداية متوتّرة. وقادت البنوك المكاسب المتحقّقة، مع تحوّل المستثمرين إلى المصارف التي تتركّز أعمالها في أسواقها المحلية. كما ارتفعت أسهم شركات الطاقة النظيفة التي عانت من سياسات ترامب، فيما تراجعت أسهم الصناعات الدفاعية، في ظلّ خشية المستثمرين من أن يبطّئ «كونغرس» يهيمن عليه «الديمقراطيون» الإنفاق العسكري الأميركي الذي دفع إليه ترامب. وسجّلت المعادن النفيسة، هي الأخرى، مكاسب كبيرة، بعدما ارتفع الذهب فوق مستوى 4000 دولار للأونصة الواحدة، والفضة إلى 51.76 دولاراً، مع تراجع الدولار مقابل العملات الرئيسة الأخرى.