يحقّق فيلم «شربل» نجاحًا لافتًا في صالات السينما، حيث يستقطب عدد كبير من الناس الذي يُقبل على مشاهدته بشغفٍ واهتمام، وسط تفاعلٍ كبير مع أحداثه ورسائله الروحية والإنسانية. ويخرج كثيرون من الصالات متأثّرين بما شاهدوه، حاملين معهم مشاعر الإيمان والرجاء، في تجربةٍ تتجاوز حدود الشاشة لتلامس القلب والوجدان.ليس كلّ فيلمٍ يُشاهَد وينتهي أثره مع خروج الجمهور من قاعة السينما؛ فبعض الأعمال تحمل في مشاهدها رسالةً تتجاوز حدود الشاشة، وتلامس أعماق الإنسان، وتعيده إلى الإيمان والرجاء والتمسّك بالقيم الروحية. ومن هذا الباب، يأتي فيلم «شربل» ليقدّم سيرة أحد أبرز الوجوه الروحية في لبنان والعالم، في عملٍ سينمائيّ يجمع بين البُعد الإنساني والروحاني، ويستحضر حكاية قدّيسٍ لم تتوقّف محبّة الناس له عند حدود وطنه، بل امتدّت إلى مختلف أنحاء العالم.يحمل الفيلم المشاهد إلى عالم يوسف مخلوف، الذي وُلد في بقاعكفرا عام 1828، قبل أن يسلك طريق الحياة الرهبانية ويصبح القديس شربل، الاسم الذي ارتبط بالإيمان والصلاة والزهد، وبقصص النِعَم والشفاءات التي يتناقلها المؤمنون. ومن خلال هذه الرحلة، لا يكتفي العمل باستعادة محطاتٍ من سيرة القديس، بل يفتح نافذةً على حياةٍ اختار صاحبها الابتعاد عن أضواء الدنيا، ليجعل من الصلاة والتجرّد والتقشّف نهجاً ورسالة.نديم مهنا… رؤية سينمائية تستعيد سيرة قدّيسيقف المخرج والمنتج نديم مهنا خلف هذا المشروع السينمائي، الذي يشكّل محاولةً لتقديم سيرة مار شربل بلغة الصورة، وبأسلوبٍ يواكب تطوّر السينما اللبنانية وقدرتها على تناول الشخصيات التاريخية والروحية برؤيةٍ معاصرة. ويأتي العمل بإنتاج MTV وNMPRO، فيما تولّت كلوديا مرشليان كتابة السيناريو والحوار، واضطلع شربل روحانا بوضع الموسيقى التصويرية، لتتكامل عناصر الفيلم في نقل أجوائه الدرامية والروحانية إلى الشاشة الكبيرة.وتكمن صعوبة هذا النوع من الأعمال في الجمع بين الوقائع التاريخية والمعالجة الدرامية، ولا سيّما عند تناول حياة شخصيةٍ عاشت جانباً كبيراً من مسيرتها في الصلاة والعزلة. وهنا تبرز أهمية الرؤية الإخراجية في بناء المشاهد، واستحضار المرحلة التاريخية، وتقديم الشخصية بطريقةٍ تحافظ على مكانتها الروحية، من دون أن تفقد العمل مقوّماته السينمائية.نجوم لبنانيون يجتمعون في عملٍ يحمل رسالةيضمّ الفيلم مجموعةً من الممثلين اللبنانيين، يتقدّمهم جيري غزال في دور مار شربل خلال مرحلة الشباب، والأب روكز الحاج في مرحلة متقدّمة من حياته، إلى جانب كارول الحاج، ويوسف حداد، ونيكولا دانيال، وأليكو داوود، ورندة كعدي، ويارا زخور، وأسعد حداد، وأسعد رشدان، وجان قسيس، طوني معلوف، كميل سلامة، انطوان كرم، جوزيف ساسين، جوزيف الخوري، سينتيا موسى، لوكاس كفوري وغيرهم..ويمنح اجتماع هذه الأسماء الكبيرة واللامعة العمل مساحةً تمثيلية غنية و متنوّعة، تتيح تقديم الشخصيات المحيطة بمسيرة القديس بطريقة احترافية، وإضاءة المحطات التي ساهمت في تشكيل رحلته الروحية والإنسانية. كما أنّ الرهان الأساسي يبقى على صدق الأداء، وقدرة الممثلين على نقل المشاعر والتفاصيل الدقيقة، بما يجعل المشاهد أقرب إلى أجواء الحكاية وأكثر تفاعلاً مع أحداثها.لماذا نحتاج إلى فيلمٍ عن مار شربل اليوم؟في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتزايد فيه الضغوط والتحدّيات، تبرز الحاجة إلى أعمالٍ تعيد تسليط الضوء على المعاني التي تمنح الإنسان القدرة على الصمود، من الإيمان إلى التواضع، ومن الصبر إلى المحبّة والرجاء. ومن هنا، تكتسب عودة سيرة القديس شربل إلى الشاشة أهميّتها، ليس بوصفها استعادةً لشخصيةٍ دينية فحسب، بل باعتبارها فرصةً للتأمّل في قيمٍ إنسانية يحتاج إليها المجتمع اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى.فمار شربل ليس اسماً حاضراً في الذاكرة اللبنانية فقط، بل شخصيةٌ تجاوز صداها الحدود، واجتمعت حولها قلوبٌ من خلفياتٍ وثقافاتٍ مختلفة.إنّ «شربل» ليس عنوانٍ جديد في السينما اللبنانية فقط، بل مشروعٌ يحمل مسؤولية الاقتراب من شخصيةٍ استثنائية في تاريخ لبنان الروحي. وتبقى قيمة هذا العمل في قدرته على جعل الجمهور يعيش الحكاية، لا أن يكتفي بمعرفتها، وأن يخرج من قاعة السينما حاملاً معه الرجاء والتأمّل والإيمان والحب والغفران. فحين تتحوّل السينما إلى مساحةٍ تلتقي فيها الذاكرة بالوجدان، يصبح الفيلم أكثر من مشاهد متتابعة؛ يصبح رسالةً إنسانية قادرةً على ترك أثرٍ يتجاوز الشاشة.