بعد أكثر من قرن على رحيله، يعود عبد الرحمن الكواكبي إلى مواجهة الرقابة، وهذه المرّة في المناهج السورية الجديدة. المفكّر الذي حارب الاستبداد العثماني وأُغلقت صحفه، يُحذف اسمه من الكتب المدرسية. مفارقة سبقتها الدراما السورية حين صوّرت أجهزة الأمن تلاحق صاحب «طبائع الاستبداد» حتى بعد موته
«أمن سياسي، ورقة خطير جداً جداً عم تتوزع بالبلد». قد تكون هذه العبارة التي يقولها «عادل»، شخصية المخبر (الواشي) في مسلسل «ضيعة ضايعة»، ما فكّر فيه الرقيب السوري خلال حذفه إحدى الفقرات والصور التي لم تنل حظها الكافي من تسليط الضوء، وهي صورة الشيخ عبد الرحمن الكواكبي (1855 ــــ 1902)، والفقرة التي تتحدث عنه بوصفه أحد رواد النهضة العربية في بلاد الشام، عبر مؤلفاته الشهيرة «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» و«أم القرى».
ظلّ العثماني يلاحق الكواكبي
اعتبر حفيد الكواكبي، سلام كواكبي، مدير «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» في باريس، أن ما جرى يشكّل «مؤشرات مقلقة إلى عقلية تريد أن تعيد تشكيل الوعي من خلال محو بعض الصور، وتغيير بعضها الآخر، وإعادة تقديم التاريخ والمجتمع وفق تصور ضيق للعالم». ودافع سلام عن جده بالتذكير بأن «الكواكبي انشغل بمسألة الاستبداد، وبالعلاقة بين السلطة وحرية الإنسان، وبأسباب تراجع المجتمعات، وبضرورة تحرير العقل من الخوف والخضوع. وهي أسئلة لا تفقد أهميتها بتغير الدول والحكام، بل تكتسب أهميةً إضافية كلما عادت السلطة لتطالب الناس بالطاعة بدلاً من المساءلة».
وكان الكواكبي شديد الاستياء من الفساد الإداري والبيروقراطي الذي استشرى في بلاد الشام تحت الحكم العثماني، ما دفعه إلى التصدي للاستبداد وغياب التعددية في الآراء. وأشار في كتابه «طبائع الاستبداد» إلى أن «أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل». ورغم أن ذكر الكواكبي وتعداد مؤلفاته في المناهج السورية يعرّفان الطلاب بأحد الأسماء الشهيرة في تاريخهم الفكري، فإن تناوله يقتصر على فقرة قصيرة تضعه في سياق المقاومة الأدبية للحكم العثماني، من دون أن تعرّفهم فعلاً بأحد أشهر دعاة الإصلاح والنهضة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ويُرجّح أن حذف اسم الكواكبي لم يستهدفه تحديداً بسبب أفكاره أو مؤلفاته، وإنما جاء ضمن حذف أسماء وعبارات أخرى تندرج في إطار ما تراه الرقابة مسيئاً إلى فترة الخلافة العثمانية. ويظهر ذلك في الفقرة التي حُذف منها اسم الكواكبي وأسماء رفاقه، وكانت تذكرهم ضمن خانة الأدباء والمفكرين العرب الذين حاربوا «التتريك والاحتلال الأجنبي»، وكتبوا عن الاستبداد السياسي.
صحافة تحت الرقابة
يمكن اعتبار الكواكبي من آباء الصحافة السورية. عاصر بدايتها وأصدر في حياته ثلاث صحف تعرّضت جميعها للإغلاق منذ أعدادها الأولى، إذ لم تتجاوز أعداد أي منها العشرة، أولها «الشهباء» (1877)، التي صدرت في مدينة حلب، وتُعدّ أول صحيفة أهلية أسبوعية ناطقة باللغة العربية في سوريا. أصدرها الكواكبي وسجّلها باسم صديق له تفادياً لاعتراض السلطات العثمانية، لكنها توقفت بعد فترة قصيرة بسبب جرأتها في نقد فساد الولاة العثمانيين.ثم أطلق صحيفة «الاعتدال» (1879) في حلب أيضاً، وكانت ناطقة باللغتين العربية والتركية مناصفةً، قبل أن تغلقها السلطات العثمانية. أما آخر محاولاته، فكانت صحيفة «العرب» (1900)، التي أصدرها في القاهرة بعدما أجبرته السلطات العثمانية على الانتقال إليها، حيث انضم إلى دائرة المثقفين العرب المحيطين بالشيخ محمد عبده. وكان مصير الصحيفة الأخيرة المنع والإغلاق أيضاً، إذ توقفت عن الصدور بعد ثلاثة أعداد فقط.
ملاحقة في الحياة والممات
تعرّض الكواكبي في حياته ومماته للكثير من الأخبار والتفسيرات والوصمات. هناك مَن اتّهمه بالعمالة لبلد أجنبي ضد الحكم العثماني، وهي تهمة تحدث عنها حفيده مستهجناً اتهامات «العمالة التي تلحق بكل مناهض للاستبداد». ووصفه بعض المحللين والدارسين بأنه «من أوائل المفكرين القوميين العلمانيين العرب»، بسبب نقده لعلاقة علماء الدين بالحكام ورجال السلطة، ودعوته إلى الإصلاح الديني والسياسي ومنع توظيف الدين لخدمة السلطات السياسية.
اعتبر حفيد الكواكبي أن ما جرى يشكّل «مؤشرات مقلقة إلى عقلية تريد أن تعيد تشكيل الوعي»
واليوم، يُستعاد اسم الكواكبي بوصفه أحد المفكرين المنتمين إلى الطائفة «العلوية»، إذ يعود نسب أسرته الحلبية، وفق مصادر متنوعة، إلى آل البيت. وكان والده عالماً في الشريعة والقضاء، فيما كان جده لأمه مفتي أنطاكية.
ليلة القبض على عبد الرحمن
لم تقتصر استعادة الكواكبي في الدراما على مسلسل «ضيعة ضايعة»، إذ سبق لمسلسل «بقعة ضوء»، في جزئه الرابع (2004)، أن تناول المفكر الحلبي بطريقة مشابهة، عبر لوحة حملت اسم «القبض على عبد الرحمن». وبسبب جهل الجهاز الأمني بهوية عبد الرحمن الكواكبي، يعتبره متهماً، وتبدأ عمليات البحث عنه لمجرد تبادل شباب عبارات من كتبه في أحد المقاهي الشعبية. وحين يشير الشباب إليه بوصفه الشيخ، تعتبره الأجهزة الأمنية «زعيم تنظيم مشبوهاً» يجب إلقاء القبض عليه.
والمصادفة الغريبة في هذه الحلقة أنّ ضابط الأمن ـــ لدى سماع الاسم ـــ يحاول تذكّر ما إذا كان قد ورد لديه سابقاً، كما يحاول التعرّف إليه بين أربعة أشخاص يحملون الاسم نفسه. مصادفة تعيد التذكير بما كشفته أرشيفات متروكة في فروع مخابرات النظام السوري بعد سقوطه. إذ أظهرت أنّ ملف الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع لدى المخابرات لم تحسم هوية شخصيته الجهادية التي حملت اسم «الجولاني» حتى عام 2016. وكانت المخابرات حائرة بين أربعة جهاديين آخرين أُدرجت أسماؤهم في الملف. تعكس هذه الواقعة آلة بيروقراطية تتقدم فيها التفاصيل الشكلية على دقة المعلومات وقدرة كوادر الأجهزة على التحليل والاستنتاج، بما يظهر قدرة ونجاح الدراما السورية على توصيف حال النظام في سنواته العشرين الأخيرة.
ورغم أن الأعمال الدرامية السابقة كانت تنتقد النظام السوري السابق، فمن المثير للسخرية أن يُستعاد الكواكبي اليوم بوصفه خصماً للنظام الحالي أيضاً. وتختصر العبارة الختامية من حلقة «بقعة ضوء» هذه المفارقة، عندما يعلم عنصر الأمن أنّ عبد الرحمن الكواكبي «ميت»، فيتوعده: «ماشي الحال يا كواكبي، ماشي الحال، محسّب إذا عملت عملتك ومتت بدك تنفد مني، بدي كون وراك وين ما رحت».