من تماثيل حافظ الأسد إلى أبي العلاء المعري وصلاح الدين، تتوالى عمليات الهدم والإزالة في سوريا، لتطاول رموزاً سياسية وشواهد فنية وأثرية. مع وصول المقصّ إلى صور التماثيل في الكتب المدرسية، تتسع الأسئلة حول مصير الذاكرة السورية وحدود الصراع مع الماضي، وما يبقى من تاريخ البلاد للأجيال المقبلة
لو أن هنالك مكاناً تجتمع فيه التماثيل، كنا سنجد ربما هارون الرشيد يقف فوق ربوة عالية، بتمثال نصفي بلا جسد، يتنافس مع تمثال نصفي آخر لحافظ الأسد على حكم المكان، فكل أرض بحاجة إلى سلطان. كان الرشيد سيكون الخاسر، فخصمه لا يأتي وحيداً، بل بأخوات له بالطول الكامل ملأن السهل، لتنفيذ انقلاب.في الجهة المقابلة، يقف أبو العلاء المعري بنصف رأس برونزي، يدوّن ما يسمعه. أما تمثال صلاح الدين، فبعيد عن الخصام، منهمك في عدّ جنوده وأسرى حروبه وتفقد فرسه. ورغم محبة الأسد الكبيرة والمعروفة له، فإنه لو جرب منافسته على حكم المكان الجديد، لربما سجنه كرفيق دربه صلاح جديد.
في الآخرة التي تُساق إليها التماثيل غير المرغوب فيها، لا يتفق الجالسون على شيء، وأول خلافاتهم على الموقع. وصل هؤلاء جميعاً تباعاً، وأكثرهم في العامين الأخيرين، على إثر سقوط نظام الأسد الابن، وما تلاه من عمليات تهديم وإزالة طالت تماثيل ذهب فيها «الصالح بالطالح».
امتدّت عمليات إسقاط التماثيل السياسية المرتبطة بالنظام السابق حتى وصلت إلى أعمال فنية وأخرى أثرية كانت جزءاً من ذاكرة المدن السورية رغم أن فنّ النحت والتمثال التجسيدي ليس طارئاً على هذه الأرض. فقد عثرت بعثة فرنسية على تماثيل بشرية تعود إلى مملكة ماري، التي تأسست نحو عام 2900 قبل الميلاد من بينها تمثال مغنية معبد عشتار «أورنينا»، التي تجلس اليوم في المتحف الوطني في دمشق، مستريحةً على وسادة مستديرة منخفضة ومزخرفة.
يقول الأنثروبولوجيون إن للأشياء سِيراً كالبشر: تُصنع وتُكرّس وتُتداول ثم تموت. وللتمثال سيرة أطول، لأنه شيء يُعامَل كشخص، وشخص يُعامَل كشيء. والسوريون عاشوا هذه السير المختلفة للتماثيل والنصب والمعالم التذكارية، خصوصاً تلك التي تجسد شخصيات بشرية.
تمثال للتكريم
لن نفتح هنا سيرة التحف الأثرية، التي يُعدّ هدمها أو سرقتها أو تزويرها انتهاكاً للقوانين والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التراث، بل نتحدث عن التماثيل التي تجسد شخصيات عاشت في أقدم العصور وأحدثها، وما تزال حاضرة في الشوارع والساحات الرئيسية، والكرّاسات والكتب المدرسية والنقاشات الرقمية.في البدء، كانت التماثيل تكريماً. سمّت دمشق شوارعها بأسماء الذين قاوموا الانتداب الفرنسي، وأقامت لهم نصباً تذكارية، منها تمثال بطل ميسلون يوسف العظمة، وقائد الثورة السورية الكبرى سلطان الأطرش، والقائد العسكري صلاح الدين قرب الحميدية. وبينما لا يزال العظمة صامداً وسط دمشق، حُذفت صور الأطرش من المنهاج السوري، ولا نعرف مصير التماثيل التي جسدته، فيما أُزيل تمثال صلاح الدين من أمام قلعة دمشق.
أما تمثال أبي العلاء المعري في ساحة معرة النعمان شمال سوريا، الذي كُشف الستار عنه عام 1944 بمباركة الأديب المصري طه حسين، في زمن كانت فيه الأمة تحتفي بعقلها، فلم يكن يتوقع المصير الذي ينتظره، إذ سيعيده إلى الواجهة قطع رأسه عام 2015.عرفت سوريا، للتمثال غرضاً جديداً. في ظل تأثرها بالنموذج السوفياتي، انتشرت تماثيل القائد، فنُصبت تماثيل حافظ الأسد في الساحات والفضاءات العامة. بدا الأمر كأن البلاد تحتاج إلى حارس صامت عند كل منعطف، على مبدأ «الأخ الكبير» حامي البلاد والمسيرة.
لم تتوقف التماثيل والنصب التمجيدية عند الأسد الأب، ولا عند الحدود السورية، بل وصلت إلى لبنان، حيث نُصبت تماثيل للرئيس السوري وابنه الراحل، من بينها ما نُفذ برعاية وتوجيه رفيق الحريري.لم تكن إزالة التماثيل السياسية في سوريا قبل عام 2011 ممارسةً علنية مألوفة. كان إسقاطها يبدو كأنه اعتداء على الجسد الثاني للحاكم، أو على ذاكرة البلاد. وحتى الحديث والجدال حول «حرمة» التماثيل ظل محصوراً في جلسات ضيقة لمجموعات وفئات كانت ملاحقة من النظام السوري آنذاك.
الحجر يسقط
لكنّ لكل زمن دولة ورجالاً. ومع بدء الحراك في سوريا في ربيع 2011، لم يصمد الحجر طويلاً. وكانت عملية إسقاط أول تمثال لحافظ الأسد في درعا من أبرز الإشارات إلى خروج المنطقة من تحت سيطرة النظام.توالت بعدها عمليات إسقاط تماثيل أخرى. ونظراً إلى الرمزية الكبيرة لهذه العمليات، التي حرص منفذوها على تصويرها وتوزيع تسجيلاتها على الفضائيات، لجأ النظام إلى حماية التماثيل الشهيرة، وأزال بنفسه بعضاً منها.
لكنّ التحول الأبرز جاء حين تجاوزت عمليات الهدم تماثيل الرئيس السوري لتطال رأس تمثال المعري في معرّة النعمان، ثم رأس تمثال هارون الرشيد في حديقته في الرقة، وتمثال أسد شيران الأثري، الذي يعود إلى الألف الأول قبل الميلاد. وأعادت هذه الوقائع إلى الأذهان تدمير حركة «طالبان» تمثالي بوذا العملاقين في وادي باميان وسط أفغانستان عام 2011، في حادثة أثارت استنكاراً دولياً واسعاً.لاحقاً صارت آثار تدمر هدفاً جديداً لتنظيم «داعش». ورغم تمكّن المسؤولين من نقل مئات التماثيل إلى أماكن آمنة قبل دخول التنظيم المدينة، قُطع رأس خالد الأسعد، حارس الآثار الشهير، وعُلّقت جثته على عمود كهرباء مع لافتة تتهمه بإدارة «مؤسسة وثنية تعنى بجمع الأصنام».ولم يكن كل تحطيم نتيجة قرار متعمّداً باستهداف التراث. في عام 2018، طالت غارات تركية معبد عين دارا، وتضررت خلال الهجوم الأسود البازلتية التي يعود تاريخها إلى نحو ثلاثة آلاف عام. ولم يتضح ما إذا كان استهداف الموقع الأثري مقصوداً بذاته.
الحجر هدف جديد
حين سقط الأسد في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، عاد تحطيم التماثيل إلى الواجهة، بدءاً بتماثيل الأسد نفسه. لكنه سرعان ما امتدّ إلى تماثيل لا ترتبط بالنظام السابق.في حلب، تضرّر «نصب الشهداء»، الذي نحته عبد الرحمن مؤقت عام 1984 لتكريم شهداء الحقبة الفرنسية، أثناء نقله من ساحة سعد الله الجابري. وقال المحافظ إنّ ما جرى غير مقبول، فيما تحدث آخرون عن «أصنام». وفي أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، أثارت صور تماثيل متضررة في ساحة كلية الفنون الجميلة في حلب جدلاً جديداً. أمر سيتكرر لاحقاً مع تماثيل ونصب تذكارية في مناطق سورية مختلفة بداعي السرقة أو التحريم أو هدم رموز النظام السابق.
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، جاء فصل جديد صامت مع الكشف عن سرقة ست قطع رخامية من العصر الروماني من المتحف الوطني في دمشق. ثم انتقل الجدل إلى الصفحات المدرسية. في مطلع عام 2025، تحدثت تقارير عن حذف صورة «نصب الجندي المجهول» و«مسلة الإله مردوك». وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2026، تحدثت تقارير أخرى عن تغطية صور تماثيل، وحذف صورة أورنينا، فيما تداولت منصات التواصل الاجتماعي عناوين ساخرة عن «تلبيس» تمثال فرعوني سترة!
آخرة التماثيل
كل تلك العمليات التي طالت التماثيل، بالهدم أو الإزالة أو الحذف من الكتب، تدفعنا إلى تخيل المكان الذي تذهب إليه التماثيل غير المرغوب فيها. مع وافد جديد إلى الآخرة المتخيلة في بداية المقال، هو الأضعف بين الجالسين، إذ لا يعدو أن يكون صورة تمثال مرسومة على ورقة حُذفت أخيراً من كتاب مدرسي في سوريا.إنها أورنينا، التي لم يخطر لأحد أنها رمز لنظام. ضحك الجالسون. تناقلتها الأقدام؛ داستها حوافر الخيل مرة، وأقدام جيش من تماثيل محطمة. حتى مدّ رجل يجلس في زاوية بعيدة يده وأمسكها، ووضعها برفق في أرشيف آمن للتماثيل الأثرية. كان خالد الأسعد، حارس آثار تدمر، الذي قطع «داعش» رأسه كأي تمثال. الآن صار هناك معنى جديداً لكلمات محمود درويش: «في دمشق أسمع صوت دم في عروق الرخام».