في السابع من أغسطس 2024، وصلت كامالا هاريس إلى مطار ديترويت، حيث احتشد الآلاف لاستقبالها في تجمع انتخابي.
التقط أحد موظفي حملتها صورة للحشد، وتداولها الناس على منصات التواصل. وبعد أربعة أيام، كتب دونالد ترامب أن هؤلاء الناس «لم يكونوا موجودين»، وأن الصورة صُنعت بالذكاء الاصطناعي.
لم يكن الأمر كذلك. فقد وثّق مراسلون ومصورون من مؤسسات صحفية عدة حضور الحشد. وحلّل هاني فريد من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وماثيو ستام من جامعة دريكسل، الصورة لحساب وكالة فرانس برس، ولم يجدا دليلًا على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي.
أما شبكة سي بي إس، ففحصت الملف الذي قدمته الحملة بوصفه الأصل، وتبين لها أنه التُقط بهاتف آيفون، وأن النسخة المتداولة على المنصات كانت أكثر إضاءة ومقتطعة من الأصل.
صورة صحيحة التقطها شخص كان في المكان، احتاجت إلى خبراء وتحقيقات ومقارنة بتسجيلات مستقلة حتى يُدحض الادعاء بتزييفها.
هذا ما يشغلني. أمضينا سنوات نخشى الصورة الكاذبة التي قد يصدقها الناس، ولم ننتبه بالقدر نفسه إلى الصورة الصحيحة التي يستطيع الآخرون إنكارها.
وفي سبتمبر 2025، جاءت واقعة أخرى. انتشر تسجيل يظهر شخصًا يلقي أشياء من نافذة في الطابق العلوي للبيت الأبيض. قال البيت الأبيض أولًا إن الأمر يتعلق بمقاول يجري أعمال صيانة دورية أثناء غياب الرئيس. لكن ترامب شكك في التسجيل، محتجًا بأن نوافذ المبنى محكمة الإغلاق ولا تُفتح، ورجّح أن يكون مصنوعًا بالذكاء الاصطناعي.
ثم أضاف: «إذا حدث شيء سيئ فعلًا، فربما سأضطر إلى إلقاء اللوم على الذكاء الاصطناعي».
جملة تستحق التوقف عندها؛ لأنها تكشف مخرجًا صار متاحًا لمن يواجه دليلًا مصورًا لا يعجبه. لم يعد مضطرًا إلى إثبات أن ما يراه الناس لم يحدث، ما دام يستطيع إثارة احتمال أن آلة صنعته.
والوجه الآخر للمشكلة حاضر في الحملات الانتخابية الأمريكية هذا العام. ففي مارس، أنتجت اللجنة الوطنية الجمهورية لمجلس الشيوخ إعلانًا يظهر فيه المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو يتحدث إلى الكاميرا أمام علم ولاية تكساس. الكلمات مأخوذة من منشورات سابقة له، أما المشهد فلم يُصوَّر أصلًا. وكانت عبارة تفيد بأن المقطع مولّد بالذكاء الاصطناعي ظاهرة بخط صغير يصعب ملاحظته في إحدى زوايا الشاشة، وفق وصف رويترز.
وفي إسرائيل، قبيل انتخابات الكنيست التي جرت في السابع والعشرين من أكتوبر، نشر بنيامين نتنياهو مقطعًا مولّدًا يظهر فيه منافسه غادي آيزنكوت يركض نحو شاب يرتدي قميصًا يحمل عبارة «وحدة إسرائيل»، ثم يتجاوزه ليعانق السياسي منصور عباس.
رأى بعض المنتقدين أن الشاب يشبه غال، ابن آيزنكوت الذي قُتل في غزة أواخر عام 2023. ونفى فريق نتنياهو أن تكون الشخصية مقصودة للإشارة إلى الابن الراحل. وبعد موجة الانتقادات، نُشرت نسخة معدلة من الإعلان، حلّت فيها امرأة محل الشاب.
مشهد لم يقع، وأمكن تغيير أحد أشخاصه مع بقاء الرسالة السياسية نفسها. لا حاجة إلى كاميرا جديدة ولا إلى العودة لموقع التصوير؛ فالمكان لم يوجد إلا داخل المشهد المصنوع.
لدينا إذن وجهان لمشكلة واحدة: واقعة لم تحدث يمكن صناعتها، وواقعة حدثت يمكن إنكارها. الأولى تمنح الكذب صورة، والثانية تحاول انتزاع الثقة من الصورة الصحيحة.
وفي الدراسات المتعلقة بالتزييف العميق مصطلح «أرباح الكاذب»، ويشير إلى المكسب الذي قد يجنيه شخص حين يستغل انتشار الصور المزيفة للتشكيك في أدلة حقيقية. وليس معنى ذلك أن الجمهور سيصدق كل ادعاء بالتزييف، لكن مجرد شيوع هذا الاحتمال أضاف عبئًا جديدًا إلى عملية التحقق.
وهنا يبرز سؤال أراه أهم من الانشغال الدائم بقدرات التقنية: من يدفع ثمن الشك؟
في ديترويت، دفعت مؤسسات صحفية وخبراء وقتًا وجهدًا لإثبات أن آلاف الناس كانوا هناك فعلًا. ودفع الجمهور جزءًا من الثمن، إذ أصبح مطالبًا بجهد إضافي ليميز بين ما وقع وما تستطيع الآلة صنعه.
وهنا أتذكر مفهومًا قديمًا في تراثنا هو الإسناد.
كان العلماء يسألون عن ناقل الخبر، وعمن نقل عنه، والطريق الذي وصلت به الرواية. ولم يكن مجرد سماع الخبر كافيًا للحكم بصحته.
لا أدعو إلى نقل هذا المنهج بحذافيره إلى الصور الرقمية؛ فلكل مجال أدواته وشروطه. لكن الفكرة التي يقوم عليها تستحق التأمل. كان السؤال قديمًا: عمن أخذت الخبر؟ وأصبح السؤال أمام الصورة الرقمية: من التقطها، وكيف وصلت إلينا، وماذا حدث لها في الطريق؟
وللصورة طريق طويل أحيانًا. هناك من التقطها، ومن تسلمها وراجعها، والمؤسسة التي نشرتها، والمنصة التي تداولها الناس عبرها. وكل محطة قد تضيف شيئًا أو تحذف آخر.
رأينا ذلك في ديترويت. ملف قدمته الحملة بوصفه الأصل، ونسخة متداولة أكثر سطوعًا ومقتطعة منه. لم يكن تعديل الإضاءة دليلًا على اختلاق الحشد، لكنه أصبح جزءًا من الجدل حول أصالة الصورة.
وعندما تتحول الصورة إلى لقطة شاشة تتنقل بين الهواتف بلا مصدر، قد نفقد معلومات مهمة عن منشئها وسياقها. نرى الصورة، لكننا لا نعرف رحلتها.
غياب هذه المعلومات لا يعني أن الصورة مزيفة، ووجودها لا يضمن صحة تفسيرها. ولهذا لا تكفي برامج كشف التزييف وحدها. يحتاج التحقق إلى الملفات الأصلية، ومصادر مستقلة، وسياق يمكن مراجعته، ومؤسسة مستعدة لتحمل مسؤولية ما تنشره.
وأظن أن هذه القضية تستحق مكانًا أوسع في كليات الإعلام. نعلّم الطالب كيف يلتقط صورة جيدة، ونحتاج أن نعلّمه أيضًا كيف يحفظ أصلها، ويوثق سياقها، ويشرح للناس ما يعرفه عنها وما لا يعرفه. فمهارة المصور لم تعد تنتهي عند الضغط على زر الكاميرا.
ستنتهي انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، كما انتهى التصويت في إسرائيل، وتبقى الصور والمقاطع التي أنتجتها الحملات في أرشيف الإنترنت.
أما السؤال الذي أثارته صورة ديترويت، فلن ينتهي بانتهاء الانتخابات. سيواجهه كل من يلتقط صورة حقيقية، ثم يجد من يشكك في أنها حدثت أصلًا:
في السابع من أغسطس 2024، وصلت كامالا هاريس إلى مطار ديترويت، حيث احتشد الآلاف لاستقبالها في تجمع انتخابي.
التقط أحد موظفي حملتها صورة للحشد، وتداولها الناس على منصات التواصل. وبعد أربعة أيام، كتب دونالد ترامب أن هؤلاء الناس «لم يكونوا موجودين»، وأن الصورة صُنعت بالذكاء الاصطناعي.
لم يكن الأمر كذلك. فقد وثّق مراسلون ومصورون من مؤسسات صحفية عدة حضور الحشد. وحلّل هاني فريد من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وماثيو ستام من جامعة دريكسل، الصورة لحساب وكالة فرانس برس، ولم يجدا دليلًا على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي.
أما شبكة سي بي إس، ففحصت الملف الذي قدمته الحملة بوصفه الأصل، وتبين لها أنه التُقط بهاتف آيفون، وأن النسخة المتداولة على المنصات كانت أكثر إضاءة ومقتطعة من الأصل.
صورة صحيحة التقطها شخص كان في المكان، احتاجت إلى خبراء وتحقيقات ومقارنة بتسجيلات مستقلة حتى يُدحض الادعاء بتزييفها.
هذا ما يشغلني. أمضينا سنوات نخشى الصورة الكاذبة التي قد يصدقها الناس، ولم ننتبه بالقدر نفسه إلى الصورة الصحيحة التي يستطيع الآخرون إنكارها.