ريثيون وسباق مواجهة الصواريخ الفرط صوتية

البرنامج الأول : صاروخ Glide Phase Interceptor (GPI) اعتراض مرحلة الانزلاق

يُعد برنامج Glide Phase Interceptor (GPI) أحد أهم وأكثر المشاريع طموحاً في مجال الدفاع ضد الأسلحة الفرط صوتية. الفكرة الجوهرية وراء هذا البرنامج هي اعتراض الصواريخ الفرط صوتية في مرحلة الانزلاق (Glide Phase)، وهي المرحلة الأكثر عرضة للخطر في مسار الصاروخ، حيث ينفصل الرأس الحربي عن المرحلة الصاروخية وينزلق نحو هدفه بسرعة تفوق 5 ماخ مع قدرة عالية على المناورة. هذه المرحلة تمثل نافذة زمنية ضيقة للاعتراض، إذ تسبق المرحلة النهائية للهبوط حيث تصبح الأهداف أكثر خطورة.

في خطوة تعكس الأهمية الاستراتيجية لهذا البرنامج، وقعت اليابان والولايات المتحدة اتفاقية مشتركة لتطوير صاروخ GPI، بميزانية تطوير تتجاوز 3 مليارات دولار. وقد خصصت الحكومة اليابانية 75 مليار ين، أي حوالي 480 مليون دولار، في ميزانيتها لعام 2024 للمشاركة في تطوير محركات الصاروخ ومكونات نظام الدفع. وبموجب الاتفاقية، تتوزع المسؤوليات بين البلدين: تتولى الولايات المتحدة تطوير رأس التوجيه وأنظمة الاتصالات وجسم الرأس الحربي والمحرك الثاني، بينما تتولى اليابان تطوير المحركين الأول والثالث وأنظمة الحماية الحرارية.

صُمم صاروخ GPI ليُدمج في نظام القتال Aegis، النسخة Baseline 9، على المدمرات الحديثة من فئة Arleigh Burke، وسيُطلق من أنظمة الإطلاق العمودية Mk.41. كما يمكن إطلاقه من منصات Typhon الأرضية المتحركة. وبناءً على هذه المتطلبات، من المتوقع ألا يتجاوز طول الصاروخ 7 أمتار وعرضه متراً واحداً. ورغم الطموح الكبير، يواجه برنامج GPI تحديات في الجدول الزمني، إذ من المتوقع ألا يدخل الصاروخ الخدمة الفعلية قبل ثلاثينيات القرن الحالي، وتحديداً حوالي 2031. وهذا يعني أن البنتاغون سيظل بحاجة إلى حلول دفاعية مؤقتة في السنوات القادمة. ومع ذلك، فإن ضخ تمويل إضافي بقيمة 475 مليون دولار مؤخراً قد ساهم في تسريع الجدول الزمني للتسليم بعد سنوات من التأخير.

البرنامج الثاني : صاروخ Next-Generation Short-Range Interceptor (NGSRI) خليفة Stinger

في تطور موازٍ، تعمل ريثيون على تطوير صاروخ Next-Generation Short-Range Interceptor (NGSRI) ليحل محل صاروخ Stinger الشهير الذي خدم الجيش الأمريكي لأكثر من 40 عاماً. يتميز الصاروخ الجديد بقدرته على اعتراض مجموعة واسعة من الأهداف الجوية، بما في ذلك الصواريخ الفرط صوتية قصيرة المدى، والطائرات بدون طيار، والصواريخ الجوالة، والمروحيات.

على الرغم من أن طول NGSRI لا يتجاوز 1.5 متر، إلا أنه قادر على التسارع إلى سرعة تفوق 3 ماخ في غضون ثوانٍ قليلة من الإطلاق، مقارنة بسرعة 2 ماخ فقط لصاروخ Stinger. ويصل مدى الاعتراض إلى 9 كيلومترات، وهو ما يقارب ضعف مدى Stinger الذي لا يتجاوز 4.8 كيلومتر. هذا الأداء المتفوق يعود إلى استخدام تقنية حبيبات الوقود عالية التحميل (Highly Loaded Grain) في المحرك الصاروخي الصلب، والتي توفر دفعا أقوى وأكثر استدامة.

تخطط الجيش الأمريكي لشراء 11,000 صاروخ NGSRI و2,200 وحدة تحكم وإطلاق على مدى عشر سنوات، بدءاً من السنة المالية 2028. وفي يونيو 2025، أعلنت ريثيون ونورثروب غرومان عن إتمام أربع رحلات اختبار ناجحة للمحرك الصاروخي الجديد، مما يؤكد جاهزية النظام التقنية. ويُعد NGSRI جزءاً أساسياً من برنامج M-SHORAD، الدفاع الجوي قصير المدى للمناورة، الذي يهدف إلى تحديث قدرات الدفاع الجوي المتنقلة للجيش الأمريكي.

البرنامج الثالث: صاروخ Standard Missile-6 (SM-6)

ترقية نظام قائم

لم يقتصر الأمر على تطوير أنظمة جديدة، بل امتد ليشمل ترقية أنظمة قائمة. فقد حصل صاروخ Standard Missile-6 (SM-6) على شهادة رسمية من وكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية (MDA) لأحدث نسخة من نظام Sea-Based Terminal (SBT) Increment 3، المصمم خصيصاً للدفاع ضد الأسلحة الفرط صوتية في المرحلة النهائية من الطيران. وفي اختبار Stellar Banshee الذي أُجري في مارس 2025 قبالة سواحل هاواي، نجحت المدمرة USS Pinckney في تتبع ومحاكاة اعتراض هدف فرط صوتي متطور باستخدام نظام Aegis المحدث.

في خطوة غير مسبوقة تعكس خطورة التهديد، منحت البحرية الأمريكية شركة ريثيون عقداً بقيمة 24.4 مليار دولار لمضاعفة إنتاج صاروخ SM-6 أربع مرات، ليصل الإنتاج السنوي من 125 صاروخاً إلى 500 صاروخ سنوياً. يبلغ مدى الصاروخ أكثر من 240 كيلومتراً، وهو قادر على اعتراض الأهداف الجوية والباليستية والفرط صوتية. كما يمتد مداه ليشمل ضرب أهداف سطحية وأرضية على مسافات تصل إلى 460 كيلومتراً. وتعكس هذه الاستثمارات الضخمة اقتناع البنتاغون بأن SM-6، رغم كونه نظاماً قائماً، سيظل حجر الزاوية في الدفاع البحري ضد التهديدات الفرط صوتية لسنوات قادمة.

البرنامج الرابع: رادار LTAMDS العين التي لا تنام

لا يمكن لأي صاروخ اعتراضي أن يؤدي مهمته دون نظام رادار قادر على اكتشاف التهديدات الفرط صوتية وتتبعها. وهنا يأتي دور رادار Lower Tier Air and Missile Defense Sensor (LTAMDS)، المعروف تجارياً باسم Ghost Eye. هذا الرادار المتطور مصمم خصيصاً للكشف عن التهديدات المتقدمة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والفرط صوتية مثل صاروخ Kinzhal الروسي.

الميزة الأبرز في LTAMDS هي قدرته على توفير تغطية كاملة 360 درجة، مقارنة بالرادارات السابقة مثل AN/MPQ-53 التي كانت توفر تغطية قطاعية محدودة، 120 درجة فقط. هذه التغطية الشاملة تقضي على المناطق العمياء التي يمكن للصواريخ المعادية استغلالها لاختراق الدفاعات الجوية.

تستثمر ريثيون أكثر من 53 مليون دولار في توسيع منشآتها الإنتاجية في ماساتشوستس لتلبية الطلب العالمي المتزايد على هذا الرادار. وتخطط الشركة لإنتاج 12 وحدة سنوياً، مع خطة لزيادة الإنتاج إلى 18 وحدة لتلبية الطلبات الأجنبية. وقد حصلت بولندا على أول طلبية أجنبية بـ 12 وحدة كجزء من تحديث نظام Patriot الخاص بها. كما أعلنت ريثيون عن عقد بقيمة 1.7 مليار دولار من الجيش الأمريكي لبدء الإنتاج الكامل.

البرنامج الخامس: برنامج Space Based Interceptor (SBI) الدرع الفضائي

في خطوة استراتيجية نحو الدفاع متعدد الطبقات، اختارت قوة الفضاء الأمريكية شركتي Rocket Lab وريثيون للمشاركة في برنامج Space Based Interceptor (SBI). يهدف هذا البرنامج إلى تطوير طبقة دفاع صاروخي في المدار الأرضي المنخفض لمواجهة التهديدات الفرط صوتية والباليستية، ضمن مبادرة القبة الذهبية (Golden Dome) الأمريكية.

يعتمد مفهوم SBI على نشر اعتراضات في الفضاء قادرة على تدمير الصواريخ الفرط صوتية في مراحلها الأولى قبل أن تتمكن من المناورة. تُعد هذه القدرة حاسمة لأنها توفر نافذة اعتراض أوسع مقارنة بالدفاعات الأرضية أو البحرية التي تتعامل مع التهديد في مراحله النهائية. ويمثل البرنامج نقلة نوعية في فلسفة الدفاع الصاروخي، إذ ينقل المعركة من الأرض إلى الفضاء.

التحديات والشراكات الاستراتيجية

رغم التقدم الكبير في هذه البرامج، تبرز عدة تحديات أمام ريثيون. أولاً، هناك تحدٍّ تقني يتمثل في دمج هذه الأنظمة المتعددة، الصواريخ والرادارات والأقمار الصناعية، في منظومة قيادة وسيطرة موحدة تضمن تبادل البيانات في الوقت الفعلي. ثانياً، هناك تحدٍّ زمني فبينما تدخل بعض الأنظمة مثل SM-6 وLTAMDS الخدمة تدريجياً، لن يكون GPI جاهزاً قبل ثلاثينيات القرن الحالي، مما يترك فجوة دفاعية يجب سدها بأنظمة مؤقتة. ثالثاً، هناك تحدٍّ اقتصادي، إذ تتطلب هذه البرامج ميزانيات ضخمة في وقت تتنافس فيه أولويات الدفاع مع أولويات أخرى.

تلعب الشراكات الدولية دوراً محورياً في استراتيجية ريثيون. إلى جانب الشراكة اليابانية في برنامج GPI، هناك تعاون مع أستراليا وكوريا الجنوبية وبولندا في مجال الدفاع الصاروخي. هذه الشراكات لا تقتصر على التمويل المشترك، بل تمتد إلى تبادل التقنيات والخبرات وبناء قدرات إنتاجية محلية.

في ظل سباق تسلح بلا نهاية

يبدو أن سباق التسلح بين الأسلحة الفرط صوتية وأنظمة الدفاع المضادة لها قد دخل مرحلة جديدة وغير مسبوقة. فبينما تسعى ريثيون وشركاؤها إلى تطوير حلول مبتكرة من خلال برامج GPI وNGSRI وSM-6 وLTAMDS وSBI، فإن الدول المالكة لهذه التقنيات الهجومية تعمل بدورها على تطويرها باستمرار. هذا السباق التكنولوجي ليس مجرد صراع على التفوق العسكري، بل هو اختبار لقدرة الابتكار البشري على مواجهة أحد أخطر التحديات الأمنية في القرن الحادي والعشرين. وما لم يتم التوصل إلى توازن استراتيجي جديد، فإن العالم سيبقى على حافة سباق تسلح قد لا يكون هناك منتصر نهائي فيه.