لا تزال حرية الملاحة البحرية في الممرات الدولية تمر بأزمة تتعدى أضرارها إلى المصالح الدولية والاقتصاد العالمي.
وكان أمين عام مجلس التعاون الخليجي ، جاسم بن محمد البديوي، أكد خلال كلمته في افتتاح النسخة الرابعة لمنتدى بوابة الخليج 2026م، في البحرين على أن مضيق هرمز يمثل شريانا حيويا للاقتصاد العالمي، وأن ضمان أمنه وسلامة الملاحة فيه ليس مسؤولية دول مجلس التعاون وحدها، بل مسؤولية دولية مشتركة، نظرا لما يمثله من أهمية بالغة لتدفقات الطاقة وحركة التجارة الدولية واستقرار الأسواق العالمية، مؤكدا أن أي تهديد لحرية الملاحة في هذا الممر الدولي لا تقتصر تداعياته على دول المنطقة، وإنما تمتد آثاره إلى الاقتصاد العالمي بأسره، مشيراً إلى أهمية قيام المجتمع الدولي بإلزام إيران بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 لعام 2026، والذي أكد على ضمان حرية الملاحة البحرية، وصون أمن الممرات المائية الدولية، ومنع استخدام هذه الممرات وسيلة للضغط أو التهديد أو تقويض الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وأكد الأمين العام على أن دول مجلس التعاون، رغم حجم التحديات التي واجهتها، ماضية بثقة في تنفيذ رؤاها التنموية وتعزيز شراكاتها الدولية، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الأمن والاستقرار والنمو الاقتصادي ركائز مترابطة لا يمكن الفصل بينها.
فيما أكد معالي نائب رئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن فهد بن عبدالله الغفيلي خلال ترؤسه وفد وزارة الدفاع المشارك في افتتاح أعمال منتدى الأمن الإقليمي "حوار المنامة 2026" في نسخته الـ22، المنعقد في العاصمة البحرينية المنامة مؤخرا، أهمية تعزيز التعاون الدولي لحماية الممرات البحرية الحيوية، وضمان حرية الملاحة وسلامة التجارة الدولية، مشددًا على أن الأمن البحري مسؤولية مشتركة تتطلب تكاتف جهود المجتمع الدولي.
وأوضح أن البحار والممرات المائية تمثل شرايين أساسية للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، وأن أي اضطراب في الخليج العربي أو مضيق هرمز أو البحر الأحمر أو مضيق باب المندب أو خليج عدن ينعكس على التجارة الدولية وأسواق الطاقة والأمن الغذائي.
وأشار إلى أن الاعتداءات الحوثية على السفن التجارية وناقلات النفط منذ عام 2023م، بالتزامن مع إرباك حركة العبور في مضيق هرمز، تؤكد خطورة التهديدات البحرية، وتستوجب استجابة جماعية فاعلة لحماية الممرات البحرية الحيوية وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
وبيّن معاليه أن المملكة أطلقت في 30 يوليو 2026م مبادرة دولية نتج عنها تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، الذي انضمت إليه 14 دولة، فيما أبدت دول أخرى رغبتها في الانضمام فور استكمال إجراءاتها الوطنية ذات الصلة.
ولفت نائب رئيس هيئة الأركان العامة إلى أن حماية السفن والمنشآت البحرية والموانئ، وتأمين خطوط الملاحة، تتطلب التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات وبناء القدرات المشتركة واتخاذ التدابير الوقائية لمنع الأزمات قبل وقوعها، مبينًا أن القوة لا يمكن أن تكون بديلًا عن القانون، وأن الخلافات يجب ألا تتحول إلى تهديد لحرية الملاحة أو سلامة التجارة الدولية.
وأوضح أن رؤية المملكة للأمن البحري ترتكز على احترام سيادة الدول وحقوقها المشروعة، وضمان حرية الملاحة والعبور وفق القانون الدولي، وعدم استخدام الممرات البحرية وسيلةً للضغط أو التصعيد، والرفض القاطع لاستهداف السفن التجارية والمنشآت المدنية، إلى جانب تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة التهديدات البحرية بمختلف أشكالها.
وأفاد أن الأمن البحري لا يتحقق بالقدرات العسكرية وحدها، بل يتطلب الثقة والشفافية والقواعد المشتركة وآليات منع التصعيد، داعيًا إلى بناء منظومة مستدامة للأمن البحري الإقليمي تقوم على الوقاية والإنذار المبكر وتبادل المعلومات والتنسيق العملياتي والتعامل المشترك مع المخاطر قبل تحولها إلى أزمات.
وشدد على أن البحار يجب أن تبقى جسورًا للتواصل والازدهار لا ساحات للصراع، وأن تبقى المضائق الدولية ممرات آمنة للملاحة لا أدوات للضغط السياسي أو العسكري، وأن يظل القانون الدولي المرجعية التي تحتكم إليها الدول عند الاختلاف.
وأكد معاليه أن الأمن البحري وحرية الملاحة واستقرار المضائق الدولية مسؤولية دولية مشتركة، تتطلب العمل بروح الشراكة والالتزام بالقانون الدولي وتغليب الحوار والحكمة على التصعيد والمواجهة، بما يخدم أمن دول المنطقة ويحمي مصالح المجتمع الدولي.
توحيد الجهود الدولية
شهدت الأسابيع القليلة الماضية تصعيدا كبيرا في الهجمات الإيرانية ضد السفن التي تعبر مضيق هرمز ، في حين يواصل الحوثيون الموالون لطهران في اليمن - حملتهم الرامية إلى تشديد سيطرتهم على مضيق باب المندب على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قالت دانا سترول مديرة الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إن أزمتي مضيقي هرمز وباب المندب جزءا من معضلة استراتيجية واحدة؛ قائمة منذ سنوات، لكن حدتها اشتدت مؤخرا. ففي عام 2019، هاجمت إيران سفنا في منطقة الخليج رداً على حملة "الضغوط القصوى" التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفي عام 2023، شن الحوثيون هجمات على الملاحة في البحر الأحمر ردا على الحرب التي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة الفلسطيني بعد الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وفي كل مرة شكلت الولايات المتحدة وشركاؤها تحالفات بحرية لحماية طرق التجارة البحرية في المضيقين، لكنها لم تنجح قط في إقناع إيران ووكلائها بأن شن هجمات غير متكافئة على حركة الملاحة وسيلة غير فعالة لاستعراض القوة. بل على العكس من ذلك، أصبحت هذه التكتيكات أكثر جاذبية بالنسبة لطهران.
وتقول سترول إن المهام الدفاعية متعددة الأطراف قصيرة الأمد التي تقوم بها الدول الغربية لحماية حرية الملاحة الدولية، لا تستطيع تحقيق ردع طويل الأمد. بل على العكس، تمنح هذه المهام المنفصلة مزيدا من الجرأة للقادة الإيرانيين والحوثيين؛ إذ سينظرون إليها كإجراءات ناقصة، سرعان ما تضعف تحت وطأة نقص الموارد، والعجز عن التكيف السريع مع التهديدات المتطورة، وغياب تبادل المعلومات الاستخباراتية الفورية بين المنطقتين الاستراتيجيتين (مضيق هرمز والبحر الأحمر). لذلك سيكون من الخطأ الجسيم تكرار تلك الاستراتيجية البحرية المجزأة التي لم تثبت فاعليتها قط. وبالتالي فالموقف يحتاج إلى جهد دولي موحد ومستدام لتأمين كلا الممرين المائيين، يجمع بين القدرات العسكرية الأمريكية ودعم تحالف متماسك يضم دولا من آسيا وأوروبا والشرق الأوسطـ، حتى لا تزداد قناعة إيران والحوثيين بأن تهديد التجارة العالمية في الممرات البحرية الاستراتيجية استراتيجية تستحق التكرار.
وتقول دانا سترول التي عملت كمساعد لنائب وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط خلال الفترة من فبراير/شباط 2021 إلى ديسمبر/كانون الأول 2023 : في منتصف عام 2019، وبعد أن أطلقت إدارة ترامب حملة عقوبات "الضغوط القصوى" ضد إيران، هاجمت طهران ناقلات نفط قبالة سواحل الإمارات العربية المتحدة وفي خليج عُمان، واحتجزت ناقلة نفط ترفع العلم البريطاني في المياه الدولية بمضيق هرمزـ فارتفعت أقساط التأمين البحري عشرة أضعاف، بينما قفزت تكاليف شحن النفط الخام بنحو 40%. ورداً على ذلك، أنشأت واشنطن تحالفا عرف باسم "هيكل الأمن البحري الدولي" ومقره البحرين؛ بهدف نشر قطعٍ بحرية في الممرات المائية الحيوية بالشرق الأوسط لردع إيران، وجمع معلومات استخباراتية حول أنشطتها البحرية وتقديمها لشركات الشحن التجاري وأحجمت معظم الدول الأوروبية عن الانضمام إليه، بسبب القلق من أن تعتبر إيران الانضمام إلى تحالف يركز بشكل أساسي عليها كعملٍ عدائي أو كتأييدٍ لحملة "الضغوط القصوى" التي تتبناها واشنطن. وبدلاً من ذلك، انضمت ثماني دول أوروبية إلى مبادرة قادتها فرنسا تُعرف باسم "المهمة الأوروبية للوعي البحري في مضيق هرمز" والتي ركزت على خفض التصعيد، والمراقبة، وتشجيع الحوار الإقليمي مع إيران.
وبعد أربع سنوات، حين بدأ الحوثيون بتهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر بذريعة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تحركت الولايات المتحدة وأوروبا، بشكل منفصل مرة أخرى، للتعامل مع الحوثيين. وأطلقت الولايات المتحدة عملية "حارس الازدهار" بمشاركة أكثر من 20 دولة. وأطلق الاتحاد الأوروبي عملية بحرية دفاعية خاصة به أصغر حجماً بكثير، تولت مرافقة السفن التجارية الأوروبية عبر جنوب البحر الأحمر، وعملت أيضا على اعتراض هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ التي يشنها الحوثيون.
وفي كلتا الأزمتين، اتفقت الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج -بشكل عام- على أن التهديدات التي تشكلها إيران والحوثيون على حرية الملاحة تستدعي رداً. ونظراً لأن حرية الملاحة تُعد مبدأً أساسياً في النظام العالمي، فقد كان الهدف من حشد مجموعات كبيرة ملتزمة بدعم هذه الركيزة هو إظهار العزم الدولي وعزل الطرف المعتدي. غير أن الاختلاف حول كيفية مواجهة هذا التحدي أدى إلى إضعاف تلك المهام؛ إذ رفضت العديد من الحكومات المشاركة في ضربات هجومية أو الانضمام إلى تحالفات موجهة صراحةً ضد دولة بعينها. كما زادت الانقسامات السياسية من تشتت الاستجابة، حيث سعت أوروبا إلى النأي بنفسها عن استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران.
ورغم فشل تلك المهام في تحقيق نتيجة حاسمة، فإن الدروس المستفادة منها بالغة الأهمية في وقتنا الراهن. فبعد سنوات من "الحرب المستترة" دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة مباشرة مع إيران. وفي عام 2025، شنت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل -بشكل منفصل- حملات استمرت لأشهر ضد جماعة الحوثي في اليمن، في أعقاب جهود قادتها المملكة العربية السعودية على مدى عقد من الزمن للقضاء على هذه الجماعة المتمردة. ورغم أن هذه الحملات ألحقت أضراراً جسيمة بإيران والحوثيين. وبعد أن نجت إيران والحوثيون من حروب كانت تهدف إلى إسقاط أنظمتهم، أصبحوا أكثر استعدادا لتهديد حركة التجارة العالمية، وفرض تكاليف باهظة على أطراف لا تشارك بشكل مباشر في الحروب الدائرة ضدهم. كما أدرك الإيرانيون والحوثيون أنهم لا يحتاجون إلى إغلاق الممرات البحرية الاستراتيجية بالكامل؛ وإنما يكفي التهديد بذلك للتأثير على مسار صنع القرار في مراكز القوى العالمية.
في الوقت نفسه، دفعت الاعتداءات الحوثية المملكة العربية السعودية إلى العمل على تأمين حركة الملاحة في البحر الأحمر، فأعلنت في أواخر يوليو/تموز، تشكيل تحالف بحري دفاعي يضم 14 دولة من أفريقيا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى بنجلاديش وباكستان؛ وهو تحالف منفصل تماماً عن المبادرات الأوروبية في مضيق هرمز والمهمة التي تقودها الولايات المتحدة.
وترى سترول إنه يتعين دمج الجهود في التخطيط البحري ودعوة الولايات المتحدة للانضمام إليها. فمهما بلغت حدة الخلافات مع واشنطن بشأن تحركاتها العسكرية المتعلقة بإيران، ينبغي تنحية هذه الخلافات جانبا عند التصدي لمحاولات خنق الممرات المائية الدولية. من خلال تكوين هيكل تقوده أطراف عربية وأوروبية، مدعوماً بالقدرات العسكرية الأمريكية، لإظهار معارضة دولية واسعة النطاق للعدوان البحري، مع الفصل في الوقت ذاته بين هذه المهمة وبين الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على الأراضي الإيرانية.
أخيرا، فإن تشكيل تحالف بحري موحد في الشرق الأوسط يشكل خطوة أولى مهمة لمنع طهران من استغلال الفرص لزرع الشقاق بين الحلفاء والشركاء التاريخيين. أما إذا استمر المسار الحالي -الذي يتسم بالخلافات السياسية، والمهام المجزأة، وتكيف شركات الشحن التجاري بشكل مؤقت مع الأوضاع- فإن إيران والحوثيين سيدركون أن بإمكانهم استغلال الانقسامات بين الحكومات الأجنبية، وتصعيد التهديدات البحرية بشكل انتقائي لانتزاع تنازلات. كما سيتعلم خصوم آخرون للولايات المتحدة في مناطق أخرى من العالم، الدرس ذاته: وهو أن تعطيل الاقتصاد يمثل سلاحا بالغ الفعالية في عالم يفتقر إلى الإرادة اللازمة للدفاع عن المصالح والموارد المشتركة.