قد يعرف الإنسان قيمة ما يملك حين يبيعه، لكنه قد لا يدرك قيمة ما يحتفظ به إلا بعد سنوات طويلة، عندما تتحول الأشياء البسيطة إلى شواهد على زمن مضى، وتجربة تستحق أن تُروى. فشريط تصوير قديم، أو نص كُتبت على هوامشه ملاحظات، أو قطعة ملابس ظهرت في عمل فني، يمكن أن تحمل من المعاني ما يتجاوز قيمتها المادية بكثير. تلك هي القيمة التاريخية التي تتعاظم بمرور الزمن، وتمنح الأشياء عمراً يتجاوز أعمار أصحابها.
ومن هذا المنطلق، يكتسب إيداع مجموعة الفنان السعودي عبدالله السدحان في الأرشيف الوطني للأفلام أهمية تتجاوز خبر توقيع اتفاقية لحفظ مقتنيات فنان. فنحن أمام تجربة فنية احتفظ صاحبها بجانب من تفاصيلها، حتى أصبحت هذه التفاصيل مادة لتوثيق مراحل من الدراما السعودية، وشاهداً على مسيرة إبداعية أسهمت، مع تجارب زملائه وشركائه، في إيصال الفن السعودي إلى الجمهور الخليجي والعربي، وتعريفه بملامح المجتمع وقضاياه وتحولاته.
لقد ارتبط اسم عبدالله السدحان بأعمال حضرت في ذاكرة الجمهور، وفي مقدمتها «طاش ما طاش»، الذي تجاوز حضوره حدود المشاهدة اليومية إلى مساحة أوسع من التأثير الاجتماعي والثقافي. فقد وجد المشاهد في شخصياته ومواقفه شيئاً من حياته، وتابع من خلاله قضايا تُطرح بلغة قريبة منه. ولذلك فإن حفظ المواد المرتبطة بهذه التجربة يحفظ جانباً من ذاكرة الناس، ومن صورة المجتمع كما تناولتها الدراما في مراحل مختلفة.
ولعل ما يستحق التقدير هنا أن هذه الذاكرة لم تصل إلى الأرشيف من فراغ، فقد سبق الإيداع احتفاظ وصيانة وإدراك لأهمية أشياء ربما كان يسهل التخلص منها بعد انتهاء التصوير. فكثير من الأدوات تفقد وظيفتها المباشرة بانتهاء العمل، لكنها تبدأ، من تلك اللحظة، في اكتساب وظيفة تاريخية. وكذلك الكاميرا التي تتوقف عن التصوير قد تصبح شاهداً على بدايات صناعة، والنص الذي انتهى تمثيله قد يكشف للباحث كيف نضجت الفكرة، وكيف انتقلت من الورق إلى الشاشة.
وهنا تقدم تجربة السدحان درساً يتجاوز الوسط الفني؛ ما ننجزه في حياتنا يستحق أن نحفظ شواهده. فالمعلم الذي يحتفظ بتجاربه ومبادراته، والكاتب الذي يصون مسوداته، والتاجر الذي يحفظ سجلات بداياته، والمزارع الذي يوثق أدواته وطرائق عمله، يتركون للأجيال مادة تساعدها على فهم الطريق الذي سلكه من سبقها. وقد تبدو هذه التفاصيل شخصية في وقتها، ثم يكشف الزمن صلتها بتاريخ المكان وتحولاته وحياة أهله.
أما الدخل المادي، على أهميته في حياة الإنسان وأثره في استقراره وتحقيق تطلعاته، فيظل محكوماً بظروف الإنفاق وتقلبات الحياة. وقد يبقى من عمل الإنسان بعد سنوات أثر معنوي وتاريخي يفوق ما حققه منه من عائد مالي. فالأجر الذي تقاضاه الفنان مقابل عمله أدى غرضه في حينه، بينما يمكن أن يستمر أثر العمل وشواهده في خدمة الثقافة والبحث، وإلهام المبدعين، وتعريف الأجيال بما بُذل قبلها من جهد.
ولا يعني ذلك إغفال الحقوق المادية للمبدع، وإنما إدراك أن لتجربته وجهاً آخر تتسع قيمته مع الزمن. فالتاريخ يمنح بعض الأشياء مكانتها بما تحمله من دلالات، وبصلتها بالناس والأحداث والبدايات. وربما كانت ورقة بسيطة أكثر قدرة على تفسير مرحلة من مقتنيات باهظة الثمن؛ لأنها تحفظ قراراً، أو توثق فكرة، أو تكشف خطوة أولى في مسيرة امتدت آثارها إلى جمهور واسع.
وتكتمل قيمة الاحتفاظ حين تجد هذه المواد مؤسسة متخصصة تتولى صونها وفهرستها ورقمنتها، وتربط كل قطعة بسياقها الصحيح. فالمقتنيات تحتاج إلى معلومات تشرح مصدرها، والعمل الذي استُخدمت فيه، والمرحلة التي تنتمي إليها. ومن هنا تأتي أهمية دور الأرشيف الوطني للأفلام في تحويل ما احتفظ به صاحبه إلى معرفة منظمة يمكن أن ينتفع بها الباحث والمهتم وصانع العمل الفني، وأن تُتاح مستقبلاً للأجيال وفق الضوابط المناسبة.
إن تاريخ المملكة العربية السعودية يتسع لتجارب أبنائها في مختلف الميادين، ولكل تجربة جادة موضع في هذا الامتداد. ومع ما تشهده بلادنا من تطور في الاهتمام بالثقافة والفنون، تزداد الحاجة إلى حفظ البدايات وتوثيق مسارات التحول. فالأجيال القادمة ستقرأ في هذه المواد كيف تشكلت الأعمال، وما الأدوات التي استُخدمت، وكيف عبّر الفنانون عن مجتمعهم، وأسهموا في بناء حضور سعودي على الساحتين الخليجية والعربية.
وما قام به عبدالله السدحان يستحق التقدير بوصفه وعياً بقيمة المسيرة، ومسؤولية تجاه ما تحمله من ذاكرة مشتركة. كما أن هذه الخطوة تدعو أصحاب التجارب إلى مراجعة ما لديهم من وثائق ومقتنيات، والتفكير في مستقبلها قبل أن تتفرق أو تتلف أو تفقد المعلومات التي تمنحها معناها. فما يمكن حفظه اليوم قد يصعب تعويضه غداً، وما يبدو عادياً في أيدينا قد يصبح مرجعاً ثميناً لمن يأتي بعدنا.
ستبقى قيمة الإنسان فيما قدمه من أثر، وستمنح الشواهد المحفوظة ذلك الأثر صوتاً وصورة وتفاصيل. ومع امتداد عمر وطننا العزيز، أدام الله عزه وأمنه، ستزداد قيمة ما نصونه اليوم من ذاكرته. فالأموال تحقق مصالح وقتها، أما الإرث الموثق فيواصل العطاء عبر الأجيال؛ لأنه يحمل جذور التجربة، وصدق البدايات، وحكاية الإنسان مع وطنه. وتلك قيمة تاريخية لا تُضاهى بثمن.
قد يعرف الإنسان قيمة ما يملك حين يبيعه، لكنه قد لا يدرك قيمة ما يحتفظ به إلا بعد سنوات طويلة، عندما تتحول الأشياء البسيطة إلى شواهد على زمن مضى، وتجربة تستحق أن تُروى. فشريط تصوير قديم، أو نص كُتبت على هوامشه ملاحظات، أو قطعة ملابس ظهرت في عمل فني، يمكن أن تحمل من المعاني ما يتجاوز قيمتها المادية بكثير. تلك هي القيمة التاريخية التي تتعاظم بمرور الزمن، وتمنح الأشياء عمراً يتجاوز أعمار أصحابها.
ومن هذا المنطلق، يكتسب إيداع مجموعة الفنان السعودي عبدالله السدحان في الأرشيف الوطني للأفلام أهمية تتجاوز خبر توقيع اتفاقية لحفظ مقتنيات فنان. فنحن أمام تجربة فنية احتفظ صاحبها بجانب من تفاصيلها، حتى أصبحت هذه التفاصيل مادة لتوثيق مراحل من الدراما السعودية، وشاهداً على مسيرة إبداعية أسهمت، مع تجارب زملائه وشركائه، في إيصال الفن السعودي إلى الجمهور الخليجي والعربي، وتعريفه بملامح المجتمع وقضاياه وتحولاته.
لقد ارتبط اسم عبدالله السدحان بأعمال حضرت في ذاكرة الجمهور، وفي مقدمتها «طاش ما طاش»، الذي تجاوز حضوره حدود المشاهدة اليومية إلى مساحة أوسع من التأثير الاجتماعي والثقافي. فقد وجد المشاهد في شخصياته ومواقفه شيئاً من حياته، وتابع من خلاله قضايا تُطرح بلغة قريبة منه. ولذلك فإن حفظ المواد المرتبطة بهذه التجربة يحفظ جانباً من ذاكرة الناس، ومن صورة المجتمع كما تناولتها الدراما في مراحل مختلفة.
ولعل ما يستحق التقدير هنا أن هذه الذاكرة لم تصل إلى الأرشيف من فراغ، فقد سبق الإيداع احتفاظ وصيانة وإدراك لأهمية أشياء ربما كان يسهل التخلص منها بعد انتهاء التصوير. فكثير من الأدوات تفقد وظيفتها المباشرة بانتهاء العمل، لكنها تبدأ، من تلك اللحظة، في اكتساب وظيفة تاريخية. وكذلك الكاميرا التي تتوقف عن التصوير قد تصبح شاهداً على بدايات صناعة، والنص الذي انتهى تمثيله قد يكشف للباحث كيف نضجت الفكرة، وكيف انتقلت من الورق إلى الشاشة.