دومينيك إده: جلسة مع إدوارد سعيد

كيف تحوّلت تجربة المنفى إلى مشروع فكري غيّر نظرتنا إلى الثقافة والاستعمار والهوية؟ في كتابها «إدوارد سعيد: رواية أفكاره»، تعود دومينيك إده إلى عالم المفكر الفلسطيني من بوابة الصداقة والاختلاف، متتبّعةً علاقته بالأدب والفلسفة والسياسة، وكاشفةً عن جذور فكره النقدي الذي جعل من فلسطين قضيةً حاضرة في الفكر العالمي

لا تروي الباحثة والأكاديمية والروائية اللبنانية دومينيك إده سيرة صديقها الراحل إدوارد سعيد وفق تسلسل زمني، بل تنطلق من أسرار أفكاره لتفسير معانيها، وتأخذنا في رحلة فكرية لاستكشاف سيرته الفكرية، في كتاب تُرجم حديثاً إلى العربية عن «دار رواق للنشر » تحت عنوان «إدوارد سعيد: رواية أفكاره».في بداية الكتاب، تصف إده أفكار سعيد بأنها تشبه العزف على البيانو، مع لحظات صمت بين طرفَي اسمه: إدوارد، المتمرّد على التاريخ الإمبريالي، وسعيد، الفلسطيني العربي العازم على أن يُسمع صوته. وترى أنّ قراءة أعماله في ضوء هذا الواقع المزدوج تساعد كثيراً على فهمها.

من المنفى إلى البدايات

تستكشف إده أسرار كتاباته، التي تنطلق من تجارب إدوارد سعيد الشخصية في المنفى والاغتراب، لتبيّن كيف تحوّلت هذه التجارب إلى قوة نقدية. وتبدأ بكتابه «بدايات»، لتوضح أنّ بحثه الدائم عن نقطة البداية هو ما دفعه إلى الكتابة عن فكرة البداية نفسها.

تهتم دومينيك إده بسؤال: لماذا كتب إدوارد سعيد كل ما كتبه؟ لكنها، في الوقت نفسه، تحلّل كيف وصل إلى فلسفته في التفكير، ولا سيما طريقته في فهم العالم من خلال تجربته بوصفه فلسطينياً يعيش في الغرب. فعندما كتب «بدايات»، كان يبحث عن نقطة انطلاق في حياته الفكرية والشخصية معاً.وتحلّل الكاتبة كيف يعالج سعيد علاقة الإنسان بالزمن من خلال دراساته للرواية الغربية، متسائلاً عن الماضي في روايات ديكنز وستاندال وتولستوي. فعلى سبيل المثال، طرح سعيد في كتابه «بدايات» مسألة تأخّر ظهور السرد التخييلي في الأدب العربي، وتوصّل إلى أنّ ذلك يرتبط بالعلاقة بالقرآن، بوصفه سرداً مكتملاً، في حين ظلّت «ألف ليلة وليلة» حكايات زخرفية مقارنة به.

كونراد ورفاق الفكر

أما علاقته بجوزيف كونراد، فتشير إده إلى وجود تقاطعات في حياتهما الشخصية؛ إذ اتفق سعيد معه في أمور واختلف معه في أخرى، وكأنه وجد فيه توأمه الذي يختلف معه سياسياً، فينتقد أفكاره من خلال رواياته، ولا سيما رواية «قلب الظلام».

وفي رسالته عن كونراد، يستشرف سعيد التأمل الذي سيطوّره لاحقاً في كتابه «بدايات»، الذي سيظل حاضراً في مجمل أعماله: «إنّ النمط الاسترجاعي في كثير من قصص كونراد يمكن فهمه بوصفه محاولة لتفسير ما لا يتسنّى التأمل فيه ملياً لحظة حدوثه». كما تحلّل إده علاقته بأورويل وكامو وفيكو، الذين جاء الاهتمام بهم لاحقاً، بعد انشغاله الشديد بكونراد.وفي حديثها عن حبّه للمدن، توضح دومينيك إده أنّ سعيد لم يكن يحب الأرياف بقدر ما كان ينجذب إلى الأماكن التي مرّت عليها روح الإنسان، فكان يعشق المكتبات والصالات الموسيقية الواسعة؛ لأنه يحب ما يتغيّر ويتشكّل، لا ما يظل ساكناً.

يشكّل الكتاب سيرة فكرية لإدوارد سعيد، تلخّص كيفية قراءة أعماله

وقد تناول سعيد المنفى في كتابه «تأملات في المنفى»، مستعرضاً فئاته السياسية والاجتماعية المختلفة، ليصل إلى أنّ المنفى تجربة اجتماعية وسياسية، كما أنه وضعية مثالية للفكر. وبين المنفى والحب في حياته علاقة ما؛ فقد عشنا في بلادنا شعوراً بأنها ليست وحدة واحدة، وأنها تقع خارج العالم.

بين سيوران وسعيد... صداقة الاختلاف

وتوضح إده أنّ انفتاح إدوارد سعيد على مفكرين يحملون آراء مختلفة، بل معارضة تماماً لآرائه، كان أمراً شائعاً في تجربته الفكرية. فقد كان التوتر بين الاختلاف والإعجاب يحفّزه كثيراً. وقد نصح دومينيك بقراءة أفكار كبار المفكرين، وكان يعرف قربها من الفيلسوف الروماني إميل سيوران. وعندما كان يسألها عنه، كان يقول لها: «ماذا عن يمينك الروماني؟».وقد التقى سعيد بسيوران في منزل دومينيك، التي لا تتذكر مضمون الحديث بينهما، لكنها تقول إنها تميل إلى أيسرها الفلسطيني، أي صديقها إدوارد سعيد، فقد كانت منسجمة إلى حدّ كبير مع رؤيته السياسية، التي تتعارض في جوهرها مع رؤية سيوران الرجعية.

أما في ما يتعلق بأفكاره السياسية، فتذكر دومينيك أنّ سعيد دافع عن إقامة دولة واحدة لشعبين. وفي نصّ له بعنوان «حل الدولة الواحدة»، يرى أنّ البدائل واضحة، لكنها مؤلمة: إما استمرار الحرب، وإما البحث عن سبيل للخروج منها على أساس المساواة، كما حدث في جنوب أفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري.وفي نهاية الكتاب، تكتب إده رسالة إلى سعيد تقول فيها: «كنا أقوى من أن أحتمل قوتنا وحدي».

فلسطين... من التجربة الفردية إلى الفكر العالمي

يشكّل الكتاب سيرة فكرية لإدوارد سعيد، تلخّص كيفية قراءة أعماله والتفكير فيها، والتعرّف إلى مصادر فلسفته. وهو مصدر مهم لدراسة العلاقة بين الحياة الشخصية والفكر، وكيف يمكن للتجربة الفردية أن تتحوّل إلى رؤية نقدية للعالم.

وكما قال المفكر الإيراني حميد دباشي، فإنّ غسان كنفاني ومحمود درويش وإدوارد سعيد يشكّلون ثلاثة أعمدة للسردية الثقافية الفلسطينية.لذلك، من المهم أن تستدعي هذه النتاجات الفكرية أبعاد الإنتاج المعرفي الفلسطيني، وأن تكشف العلاقة بين الأفكار ووجود الفلسطيني، الذي يظل مهدّداً على الدوام. وتقلّ الدراسات التي تقرأ الحياة الفكرية لهؤلاء من خلال أصدقائهم، ممن أسهموا في إعلاء صوت القضية الفلسطينية، وخصوصاً في الغرب، وكانوا من أبرز المؤثرين في الفكر العالمي التحرري، وكشفوا ازدواجية معايير الغرب الكولونيالي والاستشراقي.ويذكر إدوارد سعيد في كتابه «الثقافة والإمبريالية» أنّ الثقافة هي مخزون كل مجتمع من أفضل ما توصّلت إليه المعرفة الإنسانية. ولذلك، فإنّ قراءة المفكرين الكبار في كل مجتمع تمثّل العمود الأساسي لفهم الإمبريالية والرأسمالية، ولقراءة آخر ما توصّل إليه مجتمع ما من فكر، سواء أكان كولونيالياً أم تحررياً.