ما من بقعةٍ حوت فضائل الزمان والمكان، وشرف الإنسان، كما حوتها الديار المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ فهما مهوى أفئدة مليار ونصف مليار مسلم، ودار الهجرة النبوية، وحرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. إن الإقامة في رحاب هذه البقاع اصطفاءٌ ونعمة، والاستقرار في ثراها أمانةٌ ومسؤولية؛ فالساكن في أكنافها يتقلّب في فيض الرحمات ودعوات البركة النبوية التي خُصّت بها المدينة: «اللهم اجعل بالمدينة ضِعفي ما جعلت بمكة من البركة». وفي هاتين البقعتين تتضاعف الأجور وترتفع الدرجات؛ فالصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي تجارة رابحة مع الله تفوق ألف صلاة فيما سواه، حتى تغدو كل سجدة وتسبيحة كنوزاً لا تبور. بل جعل الله مكة حرماً آمناً يُجبى إليه ثمرات كل شيء، وجعل المصطفى صلى الله عليه وسلم المدينة حرماً مقدساً حين قال: «المدينة حرمٌ ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، لتكون مهبطاً للسكينة، وأماناً للدين والبدن، وشرفاً لمن يوسّد في بقيعها ونال بشارة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن مات بها.
وإن في أدب المقام وحين يكون الخضوع واجباً فإن جوار بيت الله الحرام ومهاجر رسوله الكريم ليس مجرد استبدال لمحل السكنى، بل هو ارتقاءٌ روحي يفرض التخلّق بأرقى درجات الأدب والتوقير وإن تأدب القلوب بالتوقير والتعظيم هو استشعار لهيبة الجناب النبوي ومحبته، وامتثال للتوجيه الإلهي: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} [النور: 63]. كذلك تأدب اللسان بخفض الجناح والصوت نزولاً عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2]؛ فلا مكان في الحرمين للجدال أو اللغو أو إثارة الفتن. كما تعلمنا في جوار الحرمين أدب السلوك وحسن المعاملة بالاقتداء بخُلق النبي عليه الصلاة والسلام؛ بأن يرى زوار بيت الله والمدينة الساكنين في أبهى صور السماحة والبرّ وإكرام ضيوف الرحمن، مستحضرين أن المدينة كالكير تنفي خبثها وتميّز خيارها.
وفي المقابل، وبينما تفيض المشاعر المقدسة بالسكينة، ويتسابق المسلمون من أصقاع الأرض للوقوف بخشوع عند الكعبة المشرفة والروضة الشريفة، صدم العالم الإسلامي بخرق القداسة من قبل فئة مارقة فاسدة ظهرت بالوجه السافر للاعتداء على الحرمين وهي انتهاكات ميليشيا الحوثي التي لم ترعَ لهذه المقدسات إلاً ولا ذمة؛ حين امتد طيشها الإرهابي باستهداف منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة بإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المفخخة. وإن هذه الاعتداءات الآثمة لا تمثل مجرد عدوان عسكري على أراضي المملكة العربية السعودية، بل هي اعتداء سافر على عقيدة ووجدان كل مسلم على وجه الأرض؛ إذ تكشف عن تناقض أخلاقي فادح لشعارات تدّعي نصرة الإسلام بينما توجّه نيران أسلحتها نحو قبلة المسلمين ومهبط الوحي.
وقد جاء الوعيد النبوي شديداً وقاطعاً في شأن من ينتهك حرمة هذه البقاع أو يروّع أهلها وزوارها؛ فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً حلت عليه اللعنة، وصحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «لا يريدُ أحدٌ أهلَ المدينةِ بسوءٍ إلا أذابَهُ اللهُ في النارِ ذَوْبَ الرَّصاصِ، أوْ ذَوْبَ المِلحِ في الماءِ». فكيف بمن يجرؤ على إطلاق أدوات القتل والدمار في اتجاه الحرمين الشريفين؟!
ولكنهم رعاع لا يقرأون التاريخ ولا يتمعنون فيه فنحن حُماة المقدسات وعند حدود الحرمين تفشل المخططات العدوانية. وعبر التاريخ الذي أثبت أن البيت له ربٌّ يحميه، وأن كل من أراد بالمقدسات سوءاً ردّ الله كيده في نحره. وتتجلى هذه الرعاية الإلهية اليوم في يقظة وبسالة القوات العسكرية والدفاعات الجوية السعودية، التي تقف سداً منيعاً لردع هذا العدوان، واعتراض وتدمير المقذوفات والمسيّرات المعادية قبل أن تدنس سماء الأراضي المقدسة، لتظل مكة والمدينة واحة أمن وطمأنينة لا يطالها عبث العابثين. كما يقابل هذا الطيش غضبٌ واستنكارٌ إسلامي ودولي جامع من المنظمات والشعوب الإسلامية، التي تدرك أن أمن الحرمين الشريفين خطٌ أحمر لا يقبل المساومة، وأن صيانة قبلة المسلمين ومهاجر نبيهم واجب عقدي يتقدم على كل اعتبار سياسي.
وفي الختام فإن السكنى في رحاب الحرمين وزيارتهما نعمةٌ كبرى ومسؤولية عظمى تستوجب كمال الأدب والشكر، كما تستوجب الوقوف صفاً واحداً ضد كل فكرٍ مارق يستبيح حمى المقدسات. فاللهم كما جعلت بيتك الحرام قياماً للناس وحرماً آمناً، ومسجد نبيك مناراً للهدى والسكينة، احفظ بلاد الحرمين وقيادتها ورجال أمنها، واجعل كيد المعتدين تدميراً عليهم، وأدم على المشاعر المقدسة أمنها وإيمانها وطمأنينتها إلى يوم الدين.
ما من بقعةٍ حوت فضائل الزمان والمكان، وشرف الإنسان، كما حوتها الديار المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ فهما مهوى أفئدة مليار ونصف مليار مسلم، ودار الهجرة النبوية، وحرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. إن الإقامة في رحاب هذه البقاع اصطفاءٌ ونعمة، والاستقرار في ثراها أمانةٌ ومسؤولية؛ فالساكن في أكنافها يتقلّب في فيض الرحمات ودعوات البركة النبوية التي خُصّت بها المدينة: «اللهم اجعل بالمدينة ضِعفي ما جعلت بمكة من البركة». وفي هاتين البقعتين تتضاعف الأجور وترتفع الدرجات؛ فالصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي تجارة رابحة مع الله تفوق ألف صلاة فيما سواه، حتى تغدو كل سجدة وتسبيحة كنوزاً لا تبور. بل جعل الله مكة حرماً آمناً يُجبى إليه ثمرات كل شيء، وجعل المصطفى صلى الله عليه وسلم المدينة حرماً مقدساً حين قال: «المدينة حرمٌ ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، لتكون مهبطاً للسكينة، وأماناً للدين والبدن، وشرفاً لمن يوسّد في بقيعها ونال بشارة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن مات بها.
وإن في أدب المقام وحين يكون الخضوع واجباً فإن جوار بيت الله الحرام ومهاجر رسوله الكريم ليس مجرد استبدال لمحل السكنى، بل هو ارتقاءٌ روحي يفرض التخلّق بأرقى درجات الأدب والتوقير وإن تأدب القلوب بالتوقير والتعظيم هو استشعار لهيبة الجناب النبوي ومحبته، وامتثال للتوجيه الإلهي: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} [النور: 63]. كذلك تأدب اللسان بخفض الجناح والصوت نزولاً عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2]؛ فلا مكان في الحرمين للجدال أو اللغو أو إثارة الفتن. كما تعلمنا في جوار الحرمين أدب السلوك وحسن المعاملة بالاقتداء بخُلق النبي عليه الصلاة والسلام؛ بأن يرى زوار بيت الله والمدينة الساكنين في أبهى صور السماحة والبرّ وإكرام ضيوف الرحمن، مستحضرين أن المدينة كالكير تنفي خبثها وتميّز خيارها.