حين تحتكر جماعة الحقيقة – عبد العزيز  الموسى

لا يبدأ التطرف بمجرد اعتقاد الإنسان بصواب ما يؤمن به، بل حين يحوّل اعتقاده إلى معيار وحيد لشرعية المجتمع والدولة، ويمنح نفسه حق إخضاع الآخرين له. عند هذه النقطة لا يعود الخلاف اختلافًا في الرأي أو تنافسًا على السلطة، بل يتحول إلى نزاع على حق الوجود والاعتراف؛ فالجماعة التي تزعم امتلاك الحقيقة لا تكتفي بالدعوة إليها، وإنما تنصّب نفسها مرجعًا للحكم على الناس ومؤسساتهم، وتتعامل مع ما يعترض مشروعها بوصفه عائقًا ينبغي تجاوزه، ولو بالقوة.

تقدم تجربة جماعة الإخوان المسلمين مثالًا كاشفًا على هذا التحول؛ إذ لا يمكن فهم مسارها بمجرد تتبع مواقفها السياسية أو رصد حوادث العنف المنسوبة إلى بعض أعضائها. الأهم هو النظر في العلاقة بين بنية تنظيمية مغلقة، نشأت في ظل حسن البنا، وتصوّر فكري تطور لاحقًا مع سيد قطب، وكيف أسهم التفاعل بينهما في توسيع الصراع من خلاف على الحكم إلى نزاع على شرعية الدولة والمجتمع.

لم يكن التنظيم الخاص الذي أسسه البنا تفصيلًا أمنيًا على هامش الجماعة؛ فقد أنشأ بنية سرية تمتلك أدوات للعنف وتعمل خارج مقتضيات التنافس السياسي العلني.

وظهرت خطورة هذه البنية في سياق الصدام مع مؤسسات الدولة المصرية عام 1948، حين اغتيل القاضي أحمد الخازندار في مارس، ثم اغتيل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي في ديسمبر، بعد قرار حل الجماعة. ولم تكن دلالة الحادثتين في هوية المستهدفين وحدها، بل في أن الخلاف مع القضاء والحكومة أمكن أن ينتقل من ميدان السياسة والقانون إلى الاستهداف الجسدي. فحين يتعامل التنظيم مع قرار الدولة باعتباره اعتداءً على مشروعه، لا حكمًا صادرًا عن مؤسسة عامة، تصبح مؤسسات الدولة نفسها طرفًا في خصومة التنظيم، ويغدو العنف وسيلة لفرض إرادته عليها.

غير أن البنية التنظيمية، على خطورتها، لا تفسر وحدها المدى الذي بلغه التطرف في مراحل لاحقة. فالتنظيم يمنح الفكرة وسيلة للحركة والانضباط والتنفيذ، بينما تمنح الفكرة التنظيمَ تصوّرًا لذاته ولخصومه ولحدود ما يجوز فعله. ومن هنا يبرز سيد قطب: لا بوصفه بداية التنظيم السري، ولا باعتبار أفكاره تفسيرًا وحيدًا لكل ما وقع بعده، بل بوصفه محطة فكرية أعادت صياغة أسئلة المجتمع والحاكمية والجاهلية والجهاد ضمن تصور شديد الصرامة للعلاقة بين العقيدة والواقع السياسي.

عندما تتحول الجاهلية من مفهوم يُستعمل في نقد الانحراف إلى حكم شامل على المجتمع، يصبح الخلاف معه أكثر من خلاف على سياسة أو نظام حكم؛ إذ يُنازَع المجتمع في شرعيته، ويُنظر إلى مؤسساته باعتبارها جزءًا من واقع ينبغي تجاوزه. وإذا التقت هذه الرؤية ببنية تنظيمية اعتادت السرية وقدّمت الولاء الداخلي على المرجعيات العامة، أمكن أن يتشكل من التفاعل بينهما منطقٌ يبرر المفاصلة والصدام. ليست المسألة إذن أن التنظيم السري أنتج وحده كل الأفكار اللاحقة، أو أن نصًا فكريًا أنشأ بمفرده العنف؛ بل إن تلاقي التنظيم المغلق مع تأويل أيديولوجي يقسم الواقع إلى شرعية مطلقة وجاهلية شاملة أوجد قابلية لتطوير مسارات أكثر راديكالية داخل بعض تيارات الإسلام السياسي.

ولا يعني هذا أن التيارات التي تأثرت بسيد قطب بقيت على موقف واحد، أو أن العنف نتيجة حتمية لكل قراءة متشددة؛ فقد شهدت هذه التيارات انقسامات ومراجعات وتباينات في المواقف. لكن هذه التحولات لا تلغي ضرورة فحص البنية الفكرية التي أتاحت لبعض الجماعات الانتقال من ادعاء امتلاك الحقيقة إلى نزع الشرعية عن المجتمع، ولا أثر التنظيم حين يحوّل التأويل إلى ولاء ملزم، والولاء إلى استعداد لمواجهة الدولة. فالمراجعة الحقيقية لا تقتصر على رفض العنف بعد وقوعه، بل تتطلب مساءلة الأفكار التي جعلت استباحة الخصم ممكنة في الوعي قبل أن تصبح فعلًا.

وتتجلى خطورة هذا المنطق في الاعتداء المسلح الذي استهدف مشيعين عند كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية، في 23 أكتوبر 2026، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة آخرين. ولا تزال المسؤولية الفكرية والتنظيمية عن الحادثة بحاجة إلى ما تثبته التحقيقات، ولا يصح نسبتها إلى جماعة بعينها دون دليل؛ لكن دلالتها الإنسانية واضحة: حين يُستهدف أناس بسبب اجتماعهم في مناسبة دينية، يصبح الاختلاف نفسه موضع تهديد، ويُعتدى على حق المواطنين في الأمن والعبادة والحياة المشتركة.

من هنا، تبرز المواطنة بوصفها قاعدة قانونية وأخلاقية تمنع أي جماعة من احتكار تعريف الانتماء أو توزيع الحقوق بحسب معتقداتها. غير أن الدولة الوطنية ليست حلًا مكتملًا بمجرد وجودها؛ فقد تُضعفها مظالمها، أو تضيق المشاركة فيها، أو تعجز مؤسساتها عن تحقيق العدالة. وهذه اختلالات تستوجب الإصلاح والمساءلة، لا تسليم المجتمع لتنظيم يزعم أنه وحده يمثله. فالدولة الجامعة لا تستمد قوتها من ادعاء الكمال، بل من قدرتها على تصحيح أخطائها، وحماية حقوق مواطنيها، وإخضاع السلطة للقانون.

إن جوهر المسألة هو الحد الفاصل بين فكرة تسعى إلى إقناع المجتمع، وتنظيم يعتقد أن له حق إخضاعه؛ بين اعتقاد يوجّه صاحبه، واعتقاد يتحول إلى سلطة على الآخرين. وقد كشفت تجربة الإخوان المسلمين، في تفاعل بنيتها السرية مع مسارات من التأصيل القطبي، كيف يمكن أن ينتقل احتكار الحقيقة من دعوى فكرية إلى مشروع ينازع الدولة شرعيتها ويضيّق على المجتمع حقه في الاختلاف. ومواجهة هذا المسار لا تكون بمجرد إدانة العنف، بل بكشف منطقه من جذوره: لا تمنح الحقيقةُ أحدًا حقًّا حصريًّا في المجتمع، ولا يكتسب التنظيم شرعيةً تعلو على القانون، ولا يصبح الاختلاف جريمة لمجرد أنه يقف في طريق مشروع أيديولوجي.

لا يبدأ التطرف بمجرد اعتقاد الإنسان بصواب ما يؤمن به، بل حين يحوّل اعتقاده إلى معيار وحيد لشرعية المجتمع والدولة، ويمنح نفسه حق إخضاع الآخرين له. عند هذه النقطة لا يعود الخلاف اختلافًا في الرأي أو تنافسًا على السلطة، بل يتحول إلى نزاع على حق الوجود والاعتراف؛ فالجماعة التي تزعم امتلاك الحقيقة لا تكتفي بالدعوة إليها، وإنما تنصّب نفسها مرجعًا للحكم على الناس ومؤسساتهم، وتتعامل مع ما يعترض مشروعها بوصفه عائقًا ينبغي تجاوزه، ولو بالقوة.

تقدم تجربة جماعة الإخوان المسلمين مثالًا كاشفًا على هذا التحول؛ إذ لا يمكن فهم مسارها بمجرد تتبع مواقفها السياسية أو رصد حوادث العنف المنسوبة إلى بعض أعضائها. الأهم هو النظر في العلاقة بين بنية تنظيمية مغلقة، نشأت في ظل حسن البنا، وتصوّر فكري تطور لاحقًا مع سيد قطب، وكيف أسهم التفاعل بينهما في توسيع الصراع من خلاف على الحكم إلى نزاع على شرعية الدولة والمجتمع.

لم يكن التنظيم الخاص الذي أسسه البنا تفصيلًا أمنيًا على هامش الجماعة؛ فقد أنشأ بنية سرية تمتلك أدوات للعنف وتعمل خارج مقتضيات التنافس السياسي العلني.